لا يزال النقاش خافتاً حول مكانة المرأة، في الفضاء العام، في الجزائر. كلما علا صوتٌ دفاعاً عنها وُصم بالفيمينيزم، كما لو أن هذه الكلمة باتت شتيمة ونقيصة. وفي وقت تُغلق فيه أفواه مناضلات، ويمنعن من المجاهرة بما يدور في خواطرهن، تزامناً مع الحراك الشعبي، ووصل الأمر إلى محاولة الاعتداء عليهن، بحجة أن قضية المتظاهرين الأساسية هي إبعاد النظام السابق، وليس تفتيت المطالب إلى قضايا فئوية، ومع تواصل تواري النساء من الفضاء العام، سوى في مناسبات قليلة ومحدودة، ينتظم كأس عالم في كرة القدم النسوية، على بعد ساعتين لا أكثر من الجزائر، وتحرس شباك البلد المنظم ـ فرنسا ـ جزائرية اسمها سارة بوهدي، تحرس مرمى فريقها، كما تحرس حقها في المساواة، وعلى بعد كيلومترات قليلة، في تونس المُجاورة، شاهدنا لأول مرة امرأة تحكم مباراة في البطولة المحترفة الأولى. هذا البروز اللافت للمرأة في أوساط، هيمن عليها تاريخياً الرجل، يُحيلنا إلى تساؤل عن إمكانية تطور العلاقة الاجتماعية بين الجنسين.
يكاد يكون تأنيث الفضاء العام، في الجزائر، قضية محسومة، تواجه رفضاً قطعياً، ويبقى حضور المرأة فيه رمزياً وشاحباً، تمنح لها هدايا، بين الفينة والأخرى: نسبة بسيطة في المجالس النيابية، وبعض الوظائف في الإدارة العامة لا أكثر، لذلك تبدو الرياضة أرضاً خصبة لنقل الصراع، تؤكد فيها المرأة حقها في المساواة وفي العدالة مع الجنس الآخر، وعلى الرغم من وصولها المتأخر إلى هذا المجال، فمن شأنه أن يوفر لها وقتاً وجهداً كي تكسب نقاطاً، وتُعيد النظر في نضالها من أجل إنصاف مع الرجل.
شرعية حضور المرأة في المساحات التي طوقها الرجل، وحجزها لنفسه، تحتاج إلى إعادة تعريف، بدءًا من الإقرار بفشل الرجل في تسييرها، وإخفاقه أكثر من مرة، وأهمية أن يدخل المجتمع تجربة جديدة، في إطار الحراك السلمي الحالي، الذي من أهدافه التغيير. فهل تصح المناداة بتغيير سياسي بدون تغيير اجتماعي وثقافي؟ سيكون من المجحف أن يخرج الملايين، كل جمعة، إلى شوارع البلد وميادينه رغبة منهم في القطيعة مع الماضي، بينما المرأة لا تزال غير مرئية، في الإجمال، وممنوعة من المنافسة ومن نيل فرصتها، في مجالات أوصدت أبوابها في وجهها. من حقها أن تصل إليها وتجرب ما يمكنها أن تقدمه من بدائل. فالنساء هن أيضاً رأسمال بشري، ومن حقهن استثمار معارفهن في الحركية الاجتماعية، لاسيما إذا علمنا أن نسب النجاح في امتحانات الثانوية، ثم في التخرج من الجامعات، تحتكرها المرأة من سنين.
حققت الجزائر قفزة ـ نظرية ـ في عدم الفصل بين الجنسين، وفي محو الفواصل بينهما، لكن الميز والتفرقة في الامتيازات هو ما يحصل على الأرض، وهو ما تدفع ثمنه المرأة، لذلك لا يزال طريق المساواة شاقاً وبعيداً، وتحرير المرأة يظل مشروعاً مؤجلاً.
منذ استقلال الجزائر في 1962، فتحت مؤسسة واحدة ذراعيها للمرأة، ولم تتوقف عن استقبالها والاحتفاء بها، وتوفير مناصب لها: هي مؤسسة الزواج. كما لو أن مكانة النساء تتأكد وتصير واقعاً فقط حين يدركن سن الرشد والنضج البيولوجي، ويتحولن من فتيات إلى أمهات، فتصير مهمتهن الإنجاب وتربية الأولاد. هذه المؤسسة التي تستهلك جل وقت المرأة وتسرق عمرها، هي السبب في منع الكثيرات من التفكير في الاندماج في الفضاء العام، وإتاحة الفرصة للرجل وحيداً يقرر ما يشاء، وأول خطوة من أجل بلوغ مساواة اجتماعية تتأتى من الحد من سطوة مؤسسة الزواج، حصرها في مهام مشتركة بين الجنسين، كي تستطيع المرأة التفكير في القفز إلى حيز آخر، وتمد ذراعيها إلى تخصصات، لطالما منعت منها، ترغب فيها وتمتلك أدوات في تأديتها، في المهن وفي الوظائف وفي الرياضة كذلك، لكن يبدو أن هذا الأمر غير قابل للتطبيق بحكم تقديس العائلة، في المنظور الأخلاقي والديني، عند الأغلبية، فكثيراً ما يتم الربط بين عمل المرأة خارج البيت وتصدع العائلة، كما لو أن تفرغها إلى مساواة اقتصادية وإشهارها الحق في مناصفة الرجل في حقوقه، ينجر عنه تضييع لواجبات التربية، وبالتالي تحمل على عاتقها تحطم «وثن» العائلة المثالية، الذي يحوم في عقول الشريحة الأوسع من الشعب.
كل شيء بُني على أساس أن تظل المرأة حبيسة أربعة حيطان، فمثلاً لا توجد سياسة أقسام تحضيرية، في قطاع التربية، لم تفكر فيها الوزارة المعنية كما يلزم، من أجل تهيئة الطفل قبل أن يدخل المدرسة، وكي تتيح للمرأة الانكباب على ممارسة عمل في الفضاء العام، وإجمالي ما يوجد من أقسام تحضيرية، في الجزائر، هي مؤسسات خاصة، مع أن هذا من واجبات الهيئات الرسمية، قبل أن يكون سوقاً سوداء مفتوحة لتجار موسميين. هكذا تتحول «العائلة» من فرجة إلى مطب نحو تحقيق المساواة بين الجنسين. ونعود كل مرة إلى الأسئلة القاعدية، من أجل الشروع في النضال من أجل حضور المرأة في الفضاء العام. يصير من الواجب، قبل كل شيء، إعادة النظر في سياسة التنظيم العائلي، حل إشكالاته، التي تخدم الرجل وتقمع المرأة، قبل أن ننتقل في مرحلة أخرى نحو عدالة مرجوة.
حققت الجزائر قفزة ـ نظرية ـ في عدم الفصل بين الجنسين، وفي محو الفواصل بينهما، لكن الميز والتفرقة في الامتيازات هو ما يحصل على الأرض، وهو ما تدفع ثمنه المرأة، لذلك لا يزال طريق المساواة شاقاً وبعيداً، وتحرير المرأة يظل مشروعاً مؤجلاً. والخلل في هذا الطريق هو ميل عفوي عند الغالبية في النظر للعلاقة بين الجنسين على أنها علاقة تضاد، وأن المرأة هي نقيض الرجل. هل هذا يعني عدم تفكير في مساواة مستقبلية؟ المساواة تظل قابلة التحقق حتى في حالة الاختلاف بين الطرفين.
نالت سارة بوهدي الكؤوس كلها، آخرها من رابطة الأبطال الأوروبية، وحازت لقب أفضل حارسة مرمى في العالم، قبل ثلاث سنوات، ولا ينقص خزانتها سوى كأس عالمية، كي تحقق أيضاً أمنية زميلتها السابقة في المنتخب الجزائرية الأخرى لويزة نسيب، وفي تونس، الأمور تسير ـ ظاهرياً ـ على طريق مستوية، بينما في الجزائر تظل المرأة خاصرة رخوة، تقذف بقوانين واستثناءات اجتماعية، هذا ما شجع نائبة في البرلمان بنعت المناضلة جميلة بوحيرد، قبل أيام، بالعمالة لأياد خارجية بحجة أنها شاركت في الحراك الشبابي منذ بدايتها. هل نأمل تغيراً قريباً إذا كانت واحدة من رموز البلد تُهان في العلن؟
٭ كاتب من الجزائر