عندما لا ينطلي تدليس الإعلام الألماني حتى على اليهود!

حجم الخط
6

■ غريب أمر الألمان! فبعد أن كانوا الأعداء اللدودين لليهود، وسبق لهم أن أذاقوهم الأمرّين في حقبة الحكم النازي التي توُجت بالمحرقة اليهودية، أصبحوا اليوم ـ وأنا أتحدث هنا من الناحية الإعلامية ـ من أشد حماة إسرائيل، حتى أن بعض اليهود يضيق ذرعاً من دفاع الإعلام الألماني عن فظائع إسرائيل تجاه الفلسطينيين، بل إن بعضهم يُكذّب الإعلام الألماني، ويرفض أن يكون أداة له ولدعايته التحريضية، بصورة مثيرة للاستغراب والإعجاب معاً.
سأضرب مثالين عبارة عن تقريرين ألمانيين عن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، يوضحان ما ذهبت إليه، ففي 26 آب/أغسطس 2014 بثت القناة الألمانية الأولى (أي آر دي) تقريراً في برنامج يدعى «موما ـ ربورتر» بعنوان «الحياة اليومية في إسرائيل أثناء الحرب». في هذا التقرير بدأت المراسلة بعرض مشاهد لبعض المصطافين الإسرائيليين على شواطئ تل أبيب وهم يعيشون حياتهم العادية تماماً بلا خوف، ويبدو أن هذا الأمر أصاب المراسلة بالحيرة، فطرحت هذا السؤال:»لماذا يسبح الناس هنا بلا مبالاة وهم وسط حرب؟ إن هذا أمر مثير للاستغراب»، ثم أخذت تبحث عن السبب، فسألت إحدى الإسرائيليات، عمّا ستقوم به في حالة سقوط صاروخ بالقرب منها، فأجابت وهي تضحك بأنها ستغوص في البحر وتحاول ألا تصيبها شظاياه!
لم يرُق للمراسلة حالة عدم المبالاة التي أبداها الإسرائيليون المصطافون على الشاطئ، فأخرجت من جيبها جهاز هاتفها الذكي وأسمعتنا صوتاً لصافرة إنذار تنطلق كلما رُصد صاروخ أُطلق من قطاع غزة، ثم التفتت إلى الكاميرا وقالت بأن صواريخ تطلق حالياً على مدينة عسقلان، ولهذا فهي ستتوجه إليها حالاً. وبالفعل توجهت إلى هناك، وفي الطريق مرت بشاحنة تحمل غرفاً إسمنتية جاهزة، فادعت بأنها مخصصة لحماية سكان جنوب إسرائيل من الصواريخ الفلسطينية. وفي عسقلان التقت بأم إسرائيلية لأربعة أطفال، فأرتها الأم المكان الذي يختبئون فيه عند سماعهم لصوت صافرة الإنذار. فكانت المفاجأة بـأنها غرفة عادية تماماً لا تختلف عن الغرف الأخرى، أي أنها لم تكن ملجأ تحت الأرض ولا من نوعية الغرف الإسمنتية التي أرتنا إياها في الطريق، وادعت بأنها مخصصة لهذا الغرض. ولم يبد الأطفال أي علامة من علامات الخوف، بل على العكس أرتنا الكاميرا اثنين منهما وهما يلعبان ويمرحان على السرير، وكأن أمراً لم يكن. والمفاجأة الثانية جاءت عندما سألت المراسلة طفلة صغيرة عن رأيها في الحرب فكان جوابها كالتالي:»أنا متألمة جداً لما يحدث للناس الأبرياء في غزة، الكثيرون منهم يموتون هناك، أنا أرفض قتل الناس الأبرياء، إنهم أناس مساكين». ومرة أخرى لم يعجب هذا الجواب المراسلة، ولكي تبرر سبب مقتل أعداد كبيرة من الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين، ذهبت مع أحد الضباط في الجيش الإسرائيلي ليريها مجموعة من صواريخ القبة الحديدية التي تعترض الصواريخ الفلسطينية، وقالت ـ وهي تظهر صوراً لوحدات إطلاق الصواريخ التي تشبه الصناديق: «هذه الصناديق تنقذ حياة آلاف الإسرائيليين كل يوم». وهي تريد أن تقول بأنه لولا صواريخ القبة الحديدية، لقُتِل من الإسرائيليين أكثر بكثير من قتلى الفلسطينيين. علماً بأن المقاومة الفلسطينية أطلقت ـ وفقاً لمصادر لجيش الإسرائيلي ـ 4564 صاروخاً، اعترضت القبة الحديدية منها 735 صاروخاً فقط! فأين قتلى الإسرائيليين الذين سقطوا بسبب الصواريخ التي أصابت أهدافها بالفعل؟
وشاء الله فضح كذبها، ففي طريق عودتها إلى تل أبيب لاحظت زحاماً في الشارع، فنزلت من سيارتها تتفقد الأمر، فسمعت أن صاروخاً ضرب حديقة أحد البيوت، فذهبت لتصور مكان الانفجار، فكانت المفاجأة أن الصاروخ لم يُحدث أي أضرار أو إصابات تذكر. فما أحدثه الصاروخ هو حفرة لا يتعدى عمقها العشرة سنتمترات وقطرها العشرين سنتمتراً فقط! أي أنها تشبه الحفرة التي كنا نحفرها ونحن أطفالاً للعب البنانير! حتى أن الواجهة الزجاجية المطلة على الحديقة، التي لا تُبعد عن مكان سقوط الصاروخ عدة أمتار قليلة، لم تتحطم! ورغم ذلك سمعنا المراسلة تقول:»حظ عظيم حالف هذا الرجل، فالصاروخ ضرب حديقة المنزل. جميع الناس هنا مصدومون!».
من الواضح أن المراسلة كانت تختلق قصصاً لتعزز فرضية ليس لها مكان في عالم الواقع، وهي أن الإسرائيليين يعيشون في جحيم أثناء الحرب، إلا أن كل ما سمعناه من الإسرائيليين ورأيناه في تقريرها من صور يقول العكس تماماً! فالإسرائيليون يستجمون على الشاطئ، وأطفالهم يلعبون ويمرحون ويتضاحكون، بل ويتعاطف بعضهم مع الفلسطينيين، كما أن أثر انفجار الصاروخ، الذي كانت المراسلة الألمانية تحاول طوال اليوم التقاط صور له، لا يساوي نقطة في محيط، مقارنة بما تحدثه القذائف والصواريخ الإسرائيلية من قتل وتدمير في قطاع غزة.
وفي تقرير آخر بعنوان: «حرب غزة تصل برلين» بُث في البرنامج التلفزيوني نفسه في 28 يوليو/تموز 2014 عن إحدى المظاهرات المنددة بالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التقت مراسلة البرنامج بكاتبة يهودية مقيمة في برلين تدعى روث فرختمان تسير مع متظاهرين مناهضين لإسرائيل، ويرددون شعارات اعتبرتها المراسلة شعارت ضد السامية مثل «إسرائيل قاتلة الأطفال». وعندما أخبرت المراسلة الكاتبة الإسرائيلية بأنها كانت تتوقع رؤيتها في المظاهرة الأخرى لأنصار إسرائيل المنظمة بالتوازي مع هذه المظاهرة، فكانت المفاجأة أن أجابتها الكاتبة بقولها:» لا! موقفي الشخصي يخالف موقف الجالية اليهودية في ألمانيا، رغم أنني عضو فيها، إذ أنني أعتبر السياسة الإسرائيلية مدمرة، وجريمة ضد الإنسانية!». وبعدها جمعت المراسلة الكاتبة الإسرائيلية مع ناشطة سياسية ألمانية من حزب الخُضر صديقة لها، تشارك بالمظاهرة الداعمة لإسرائيل! فقالت الناشطة الألمانية بأنها تخشى على الكاتبة إن عرف المتظاهرون أنها يهودية، فسألت المراسلة الألمانية الكاتبة اليهودية إن كانت تشعر بالفعل بالخوف فأجابتها:»لا! لست خائفة البتة!» وأحرجت بجوابها هذا صديقتها الألمانية.
لم تكتفِ المراسلة بهذا فاقتبست مقولة لحاخام يهودي وصف حي نويكولن الشعبي في برلين، وهو الحي الذي تقطنه غالبية فلسطينية ومسلمة، بأنه حي No Go Area ، أي أنه حي ممنوع على اليهود دخوله. فالتقت بشابين يهوديين يقيمان في هذا الحي منذ مدة قصيرة لتسألهما عن رأيهما بهذه المقولة، فكانت المفاجأة أن اجابها أولهما: «أرى أن هذا القول خطير جدا، لأنه قول عار عن الصحة! فأنا لدي الكثير من الأصدقاء الإسرائيليين الذين لا يخفون يهوديتهم وجميعهم تقريباً يقيمون في حي نويكولن». أما الآخر فقال:» نحن نعتبر حي نويكولن حي Let’s Go Area! بالنسبة لنا نحن اليهود!». فما بقي أمامها إلا أن ذهبت إلى باحث يهودي ليعرض لها صوراً ملفقة تُظهر مجموعات من النازيين الجدد، إدعى بأنها كانت تشارك في مظاهرات العرب والمسلمين المناوئة لجرائم إسرائيل. وهو أمر لا يصدقه عاقل، فهؤلاء أشد عداوة للعرب والمسلمين في برلين أكثر من أي جالية أخرى. لقد خيّب اليهود ظن الإعلاميين الألمان، الذين ـ كما يبدو ـ يسعوْن ليكونوا يهوداً أكثر من اليهود أنفسهم. إذ أظهر هذان التقريران الأساليب الخبيثة للإعلام الألماني في تغطيته للحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين، كما أظهرا أن بعض اليهود لا ينساقون له، ضاربين دجل وتدليس الإعلام الألماني عرض الحائط!

٭*كاتب فلسطيني

د. فايز شاهين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية