التحول الذي قام به الرئيس دونالد ترامب مؤخراً هو صافرة التهدئة الأهم التي تلقاها الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة. يبدو أن كل العوامل الأساسية التي يمكنها تبرير هجوم عسكري أمريكي ضد إيران اجتمعت معاً في خليط مقنع. الغليان في الخليج كان سريعاً وكثير العوامل.
عندما أصيبت ناقلات النفط ـ السعودية واليابانية وغيرها ـ في هجمات بحرية وجه إصبع الاتهام بدون أي دلائل قاطعة إلى إيران. عندها دخل الحوثيون في اليمن الذين تدعمهم إيران إلى الصورة. هؤلاء قاموا في عدة مناسبات بإطلاق الصواريخ على مطار جيزان ومطار أبها في السعودية. وبعد ذلك جاء تصريح طهران بأنها قصرت الفترة الزمنية التي تقيد كمية تخصيب اليورانيوم ـ ومعنى ذلك بأنها ستقوم باختراق الاتفاق النووي. وكانت تصريحات أخرى، مثل تصريحات قادة الجيش وحرس الثورة، الذين هددوا أنهم رغم عدم اهتمامهم بمواجهة عنيفة لن يترددوا في ضرب أهداف أمريكية إذا تمت مهاجمة إيران.
بعد يوم، في صباح يوم الخميس، وصلنا إلى الذروة: إسقاط إيران للطائرة الأمريكية المسيرة. إن شرعية الهجوم آخذة في النضوج. «بنك الأهداف» الإيراني فتح أبوابه، وفجأة لا شيء. عادوا إلى نقطة البداية. بنظرة متفحصة، مبررات مهاجمة إيران (ضرب الناقلات وإسقاط الطائرة) استندت إلى أرجل ضعيفة. ليس هناك ما يكفي من الإثباتات لإشعال مواجهة يمكن أن تتطور إلى حرب إقليمية. وبخصوص تفاصيل الطائرة المسيرة لم يكن هناك اتفاق. الأمريكيون قالوا إنها لم تخرق المجال الجوي لإيران، وفي طهران قدموا تفسيراً مناقضاً.
دلائل من هذا النوع تخدم إسرائيل من أجل تبرير مهاجمة حماس في الساحة المحلية، التي لا تؤثر على الشرق الأوسط كله، لكن لا يمكنها أن تكفي لدولة عظمى تريد الاستعداد لأن يكون حلفاؤها معرضين للضرب بصورة مباشرة. السعودية ودولة الإمارات، على الأقل بشكل علني، أعلنتا بأنهما لا ترغبان بحرب في الخليج.
إسرائيل الضلع الثالث في مثلث الحلفاء. الأوساط الأمنية هنا تقدر أن إيران يمكنها تشغيل فروعها في لبنان وسوريا، سواء كرد على الهجوم أو كوسيلة ضغط على الإدارة الأمريكية. ولكن الحكومة الإسرائيلية التي كان يجب عليها تبني موقف السعودية ـ كونها معها على لوح الأهداف الإيراني ـ صمتت. اختار ترامب أن يشرح امتناعه عن الهجوم بأنه أراد منع قتل 150 مواطناً إيرانياً. هذا التفسير الإنساني كان يمكن أن يهز المشاعر لو أنه لم يكن ترامب نفسه هو الذي يواصل تسليح الجيش السعودي الذي يقتل آلاف الأشخاص في اليمن؛ لو لم يكن الرئيس الأمريكي ينفعل من أن آلاف السوريين والعراقيين أصيبوا في الحرب الأمريكية ضد داعش؛ أو الشخص الذي لا يرى عن بعد متر المهاجرين الذين يحاولون الدخول إلى بلاده من المكسيك. بشكل عام، هل التقدير بشأن الموت المتوقع لـ 150 شخصاً لم يكن معروفاً قبل اتخاذ قرار الهجوم؟
قال إن تراجعه عن الرد لسبب إنساني… ومحللون: خاف حرباً دولية
يمكننا أن ننسب لأجهزة المخابرات الأمريكية الفضل بأنها تعرف كيف تقدر عدد القتلى المتوقع. من المهم معرفة متى تغير التعامل مع هؤلاء القتلى من ضرر بيئي لا مناص منه إلى كارثة إنسانية لا تستطيع الولايات المتحدة السماح لنفسها بحدوثها. ولكن الأمر المهم ليس عملية اتخاذ القرارات من جانب ترامب، هذا إذا كان يمكن تحليل الطريقة التي يستل فيها الأوامر، بل تأثيرات قراراته الأخيرة على ساحة المواجهة في الخليج وخارجه. للإدارة الأمريكية رؤية وتطلعات لسلوك إيران، ولكن ليس لها استراتيجية لتحقيقها. العقوبات التي فرضها ترامب على إيران هي من العقوبات المؤلمة التي عرفتها الدولة في تاريخها. ولكن بعد ثمانية أشهر من فرضها لم تتراجع طهران بعد.
من خلال التحليلات والتفسيرات المعتادة تعرف جهات التقدير أن تشير إلى الخسائر الكبيرة التي تلقتها إيران، وعن انسحاب شركات كبرى من الاستثمار في الدولة وأن معظم زبائن نفطها توقفوا عن شراء النفط منها، لكن لا توجد أي معلومات أو تقدير عن الفترة الزمنية التي يمكن لإيران مواصلة الصمود في هذه الظروف الصعبة. عراق صدام حسين واصل البقاء أكثر من عقد تحت نظام عقوبات أكثر شدة من التي فرضت على إيران، إلى أن أدت حرب شاملة إلى هزيمة النظام. لا يوجد أي دليل على أن النظام في إيران سيتصرف بصورة أخرى. ولكن الإدارة الأمريكية لا تطرح أي استراتيجية فعلية لوضع تتمسك فيه إيران بسياستها ولا توافق على إجراء مفاوضات بشأن اتفاق نووي جديد. هل هو مستعد لشن حرب شاملة من أجل إسقاط النظام في إيران؟
يبدو أن قرار طهران تجاوز تقييدات الاتفاق النووي يمكنه أن يعطي للولايات المتحدة والدول الغربية التي وقعت عليها ذريعة لمهاجمة إيران. ولكن عملاً منسقاً كهذا يقتضي التوافق بين الدول الموقعة، الأمر غير الموجود، وثمة شك في التوصل إليه. عدد من دول الاتحاد الاوروبي يعمل بشكل حثيث من أجل تشكيل مسار يتجاوز العقوبات. روسيا والصين لن تؤيدا الحرب ضد إيران.
الولايات المتحدة يمكنها في حينه أن تجد نفسها كفارس وحيد أمام إيران وأمام عداء دولي. صحيح أن التحالف الدولي المناهض لأمريكا الذي أنشئ في أعقاب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي لم يرض ترامب، ولكن ثمة فرق جوهري بين العمل السياسي والحرب. في ظروف كهذه لا يبدو أن هناك خارطة طريق مقنعة في واشنطن.
المعضلة التي يجب أن توجه أي مواجهة عسكرية هي هل يتم تقسيمها إلى عدة هجمات موجهة إلى «نقل رسالة» أو «الحفاظ على الهجوم كخيار أخير»، وفي حينه استخدام كامل القوة. في ظروف أخرى كان يمكن استنفاد عملية الرد على العمليات في الخليج بـ «هجمات توجه الرسالة»، مؤلمة ولمرة واحدة. ولكن في هذه الساحة أيضاً فإن هجمات معينة يمكن أن تتطور بشكل سريع إلى حرب دولية. يبدو أن هذا الاعتبار، وليس خسارة حياة مواطنين إيرانيين، هو الذي أوقف هذه المرة ترامب عن تطبيق قرار الرئيس الأمريكي. إسرائيل ستقول له إنه بهذا رفع نسبة الرد وأن إيران ستفسر ذلك ضعفاً أمريكياً. من ناحية إسرائيل فقد تم إضاعة فرصة مزدوجة من أجل نقل رسالة شديدة لإيران وكذلك قيام الولايات المتحدة وليس إسرائيل بإرسال الرسالة. ولكن حتى لو تم إرسال الرسالة فإن الأمر لا يتعلق بعملية خطية تضمن النتيجة المأمولة. إسرائيل تعلمت هذا جيداً في جبهات أخرى عندما طبقت الولايات المتحدة هذه العبرة في ساحاتها.
تسفي برئيل
هآرتس 23/6/2019