مثل الشخص الذي يكرهه براك أوباما، وقبل ست سنوات من مجيئه، نفذ دونالد ترامب في الأسبوع الماضي تحولاً بـ 180 درجة شاملة. في صيف 2013 كان اوباما سيأمر بقصف شديد لأهداف مرتبطة بنظام الأسد بعد أن عرضت عليه معلومات استخبارية مقنعة بشأن مسؤولية النظام عن قتل مواطنيه بالسلاح الكيميائي. عندما اكتشف الرئيس الأمريكي بأنه وحيد وأنه لا ينجح في توظيف دعم لهذا الهجوم، لا في الكونغرس ولا في البرلمان البريطاني، تراجع وأمر بإلغاء الاستعداد للهجوم. في سنوات ولايته الثلاث الأخيرة في المنصب انتقده خصومه الجمهوريون بشدة مرة تلو الأخرى بشأن هذه القضية التي عرضت كدليل قاطع على ضعفه.
الخميس، فعل وريثه ترامب الشيء نفسه. حسب تقرير في «نيويورك تايمز» صادق ترامب فعلياً على معظم التفاصيل في مقابلة تلفزيونية في وقت لاحق. الطائرات الأمريكية وضعت في حالة تأهب لهجوم عقابي على إيران، رداً على إسقاط الطائرة الأمريكية المسيرة قبل يوم من ذلك. قال ترامب إنه صادق على الهجوم، لكن في اللحظة الأخيرة قرر سؤال جنرالاته عن الثمن بالأرواح لهذا الهجوم. عندما أخبروه بأن الخسائر في الجانب الإيراني يمكن أن تصل إلى 150 قتيلاً، قرر إلغاءه. «هذا رد غير متناسب»، فسر ترامب. من كان يخمن أنه حساس إلى هذه الدرجة لضحايا دولة معادية؟
ولكن ترامب محق. قتل جمالي رداً على حادثة لم تكن فيها إصابات («لم يكن في الطائرة أحد»، شرح الرئيس بصورة متناسبة إلى حد ما في تصريح سابق لوسائل الإعلام). هذه في الحقيقة خطوة غير متناسبة. وحتى إذا كان ترامب غير دقيق في وصف ظروف القرار ويستخدم ادعاءات لم يكن بحاجة إليها في أي يوم، يمكننا ملاحظة أنه اعتبار معقول في سياسة الإدارة الأمريكية خلال السنتين والنصف الأخيرة.
الرئيس يؤيد إظهار الشراسة في العلاقات الخارجية الأمريكية، لكنه يفضل تركيزها في المجال الاقتصادي. هو لا يحب شن الحروب ـ وغالباً هناك فجوة بارزة بين بياناته وتصريحاته الهجومية والخطوات العسكرية التي يصادق عليها فعلياً.
إضافة إلى ذلك، استراتيجياً، لا يجدر بالولايات المتحدة الانجرار إلى حرب مع الإيرانيين في أعقاب أحداث محلية بادر إليها الطرف الثاني. الخطوات التي قامت بها الإدارة في السنة الأخيرة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في أيار الماضي، استهدفت زيادة الضغط الاقتصادي على طهران بهدف إجبارها على أن تعيد من جديد حساب خطواتها، وربما العودة إلى مناقشة من جديد لشروط الاتفاق النووي. إيران، هكذا تقول تقديرات استخبارات غربية، تريد الآن كسر الحصار الاقتصادي الذي فرضه عليها الأمريكيون، ومن خلال ذلك التوضيح بأن هناك ثمناً مرافقاً مضاداً للإضرار الشديد بصناعة نفطها.
طهران حسب إعلانها، ستخرق خلال بضعة أيام الاتفاق النووي لأنها ستجمع لديها المزيد من اليورانيوم المخصب بكميات أقل من الكمية التي يسمح بها الاتفاق. نتيجة ذلك، فإن الدول الأوروبية التي وقعت على الاتفاق قد تضطر إلى إعادة فحص مواقفها وإظهار الاهتمام أكثر بموقف الولايات المتحدة. ولكن إذا تم جرها إلى مواجهة عسكرية دموية بسبب المبادرة الإيرانية، فإنه سرعان ما لا يعود أحد ينشغل بالشأن النووي.
والرئيس يجب أيضاً أن يأخذ في الحسبان المعارضة في الداخل. ولأن ترامب تم ضبطه متلبساً في الأكاذيب أو عدم الدقة عدة مرات في كل يوم، فإن درجة ثقة خصومه بخطواته معدومة. إذا تدحرجت الأمور إلى حرب في الخليج فلن يجد ترامب خلفه على الأقل نصف الجمهور الأمريكي تقريباً.
هامش مناورته لا يبدو كبيراً.
سنتان ونصف مع ترامب كزعيم للعالم الحر علم من يتفاخرون بتوقع نواياه بأن كل محاولة لتوقعها مسبقاً مصيرها الفشل. غالبا، الرئيس الأمريكي يطلق السلاح من الخاصرة، هو نفسه شهد بأنه قرر أن يعترف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان بعد خمس دقائق من عرض الاقتراح عليه.
نتنياهو للمجتمع الدولي: لا تسمحوا لإيران بخرق الاتفاق النووي
رغم أن ولاية ترامب تبدو حتى الآن بطيئة مثل قطار الجبال، لم يطلب منه حتى الآن أن يواجه أزمة واسعة النطاق في مجال السياسة الخارجية مثل الحرب في يوغسلافيا (إدارة كلينتون)، الهجمات الإرهابية في 11 أيلول والحروب التي جاءت بعدها (إدارة بوش الابن) أو الهزة في العالم العربي (إدارة أوباما). قبل نحو سنتين بدا أن توجه ترامب هو نحو مواجهة مع كوريا الشمالية. ولكن سرعان ما تراجع وانتقل إلى تبادل الإطراء والمديح مع الرئيس كيم جونغ أون. يبدو أن العالم لم يستوعب بعد معنى أزمة واسعة النطاق بإدارة ترامب، لكننا في طريقنا إلى اكتشاف ذلك.
إزاء الأزمة، ما زالت إسرائيل الرسمية تحافظ على الهدوء، هذا يبدو سياسة حكيمة. رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو والنظام في السعودية هما اللذان دفعا بدرجة ما ترامب إلى العملية الهجومية، التي تضمنت الانسحاب من الاتفاق النووي وتجديد العقوبات المشددة على إيران. تداعيات اشتعال حرب في الخليج قد تصل أيضاً إلى باب إسرائيل. نتنياهو عاد ووجه مؤخراً وزراء في الحكومة الانتقالية برئاسته إلى عدم التصريح علناً حول الموضوع الإيراني. من الأفضل أيضاً لو أن رئيس الحكومة استجاب للنصيحة التي وجهها هو نفسه.
نشر نتنياهو، الخميس، فيلماً قصيراً بالإنجليزية دعا فيه المجتمع الدولي بأن لا يسمح لإيران بخرق الاتفاق النووي. والتقط صورة لم يسبق لها مثيل وهو يضع خلفه علمي إسرائيل وأمريكا. هذا لم يحدث في احتفال رسمي مع الأمريكي، بل في فيلم صوره ونشره مكتبه.
إذا كنا نعتقد أن نقطة الحد الأدنى من الاستخذاء، هذا الأسبوع، سجلت في الاحتفال الغريب لتدشين مستوطنة «رمات ترامب» في هضبة الجولان، فيبدو أن هذا كان خطأ. هل يبدو نتنياهو معنياً بتحويل إسرائيل إلى دولة ترعاها أمريكا عشية الانتخابات، ألا يجدر به أن يبلغ مواطنيه بذلك.
ليس لإسرائيل الحق الحصري على تصريحات كان من الأفضل ألا تقال. في الأسبوع الماضي قال للمراسلين السناتور لندزي غراهام، من كبار أعضاء الحزب الجمهوري وأحد المقربين من نتنياهو، بأن «هناك أمة واحدة على وجه الأرض لن تسمح بحصول إيران على السلاح النووي، وهي إسرائيل». بكلمات أخرى، السناتور المخضرم يشجع إسرائيل على مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية إذا اعتقدت أن هذا الأمر مطلوب. ولكنه لم يصرح بتعهد أمريكا بهذه المهمة. لا شك في أن هذه أوقات خطيرة في الخليج الفارسي.
عاموس هرئيل
هآرتس 23/6/2019