لندن ـ «القدس العربي»: تعبر تصريحات مسؤولة لجنة الأمن في الكونغرس الأمريكي دايان فينشتاين، التي قالت فيها إن الرئيس باراك أوباما «حذر جدا» في تعامله مع تنظيم «الدولة الإسلامية» عن القلق المتزايد تجاه طريقة إدارته السياسة الخارجية.
ففي تصريحات نقلتها محطة «ان بي سي» عنها في برنامج «قابل الصحافة»، تقول: «أعتقد أنني عرفت شيئا واحدا عن هذا الرئيس وهو أنه حذر جدا». وكانت تعلق على تصريحات أوباما الإسبوع الماضي أنه لا يملك بعد استراتيجية لمكافحة الدولة الإسلامية.
ويتوقع أن يقدم أوباما وفريق إدارته هذا الإسبوع معالم هذه الإستراتيجية، ولكن التوقعات منه تظل قليلة، وربما تتجلى من الاجتماع مع دول الناتو التي سيلتقي بقادتها يوم الخميس بعد توقف قصير في إستونيا، التي سيقدم لها دعما لفظيا بدون مواجهة الخطر الروسي المتمثل بمحاولات روسيا فلاديمير بوتين السيطرة واحتلال مناطق في شرق أوكرانيا.
ويرى بيتر فوستر في تحليل مطول نشرته صحيفة «دايلي تلغراف» أن أوباما في تصريحاته يوم الجمعة بدد الشكوك أمام الجميع، بأن الولايات المتحدة ليس لديها اهتمام بالعودة مرة ثانية والتورط في العراق، علاوة على مساعدة سوريا.
ويقول فوستر «الحقيقة هي أنه لا الرئيس ولا الرأي العام الأمريكي لديهم الرغبة في مساعدة من لا يساعدون أنفسهم في المقام الأول».
فالرئيس أوباما يتحدث بخشونة مع الذين ينتقدون غياب الولايات المتحدة عن المسرح الدولي، ومعظم الأمريكيين يتفقون معه.
وبحسب استطلاع للرأي لصالح وكالة أنباء رويترز نفذ الإسبوع الماضي، جاء فيه أن واحدا من بين كل ثلاثة أمريكيين دعموا الحملة الإنسانية لمساعدة اليزيديين في العراق، فيما دعم واحد من كل خمسة أمريكيين الغارات لوقف تنظيم الدولة الإسلامية – داعش.
ورغم كل هذا فالصورة السياسية ليست بهذه البساطة، فأوباما قد يكون على اتصال مع الرأي العام لكن شعبيته في أدنى مستوياتها كشعبية جيمي كارتر 35 % .
وهذا التناقض الظاهري بين الخوف من تورط أمريكا بعمل عسكري في الخارج وتردد في دعم الرئيس في الداخل يشير إلى رؤية الأمريكيين لأنفسهم ومكانهم في العالم، وهو ما لم يفهمه أوباما بعد، أي أنهم لا يريدون تدخلات عسكرية، ولكنهم لا يريدون رئيسا مترددا. وهذا بدا في موقفه من تقدم داعش في العراق قبل عشرة أسابيع حيث قلل من مخاطر التنظيم على الولايات المتحدة، مؤكدا أن خطره كبير على حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط مما يعني أن المشكلة «إقليمية»، ولكنها وبشكل «محتمل» تهدد حلفاء أمريكا في اوروبا.
ترحيل الأزمة
ويرى فوستر أن السياسيين عادة ما يكونون تحت الأحداث، ومن هنا فمشكلة أوباما ليست متعلقة بعدم توفر المعلومات الأمنية عن داعش، ولكن في إساءة تشخيصه لخطورة تهديد داعش.
ويعتقد فوستر أن ابتعاد أوباما عن الأحداث مؤشر لتأجيل القضية لما بعده. مع أن أحداثا مثل قتل الصحافي الأمريكي جيمس فولي في 20 آب/أغسطس قد تغير الموقف.
فبحسب استطلاع أجراه معهد «يوغوف» وجد أن نسبة 63 % من المواطنين الأمريكيين قد تدعم عملية عسكرية ضد داعش في سوريا، وهي النسبة نفسها التي كانت العام الماضي من الذين عارضوا توجيه ضربة لنظام بشار الأسد بعد الهجوم الكيميائي. ويرى الكاتب هنا أن نسيان الناس ما حدث لفولي يعني تراجع الرغبة لدعم عمل عسكري، لكن إن قام التنظيم المتطرف بقطع رؤوس أمريكيين فقد يؤدي لتحرك الأمور بطريقة سريعة.
وفي ظل تراجع شعبية أوباما فسيفقد القدرة على التأثير على الأحداث. ولو خسر الحزب الديمقراطي غالبية المقاعد في الكونغرس في الإنتخابات النصفية التي ستعقد في تشرين الثاني /نوفمبر المقبل. فسيسيطر الجمهوريون على مجلس الشيوخ والنواب، مما يعني ترك أوباما عاجزا وخارج القرار، أي ترحيل القضية للرئيس أو الرئيسة المقبلة التي قد تكون هيلاري كلينتون. فرغم عملها لمدة أربعة أعوام مع أوباما إلا أنها كانت واضحة في مخالفتها أوباما وسياسته «لا ترتكب حماقات» ودعمها «للقوة الذكية».
وعلى خلاف الإنتخابات الأخيرة التي لم يكن للسياسة الخارجية أي دور فيها بعد العملية الناجحة في اغتيال زعيم القاعدة، فانتخابات عام 2016 ستكون كلها عن السياسة الخارجية. وفي الوقت الحالي ستظل مشكلة داعش حسب ساكن البيت الأبيض «محلية» مرهونة بانقلاب السنة على التنظيم الذي دعموه بسبب سياسات نوري المالكي الطائفية، أو لن تحل بدون تحالف إقليمي- دولي.
ويبدو أن هذا المدخل يلقى قبولا من ساسة ودول. فيوم السبت اقترح إيد ميليباند، زعيم حزب العمال البريطاني الفكرة. وقال إن تحالفا واسعا سيكون بإمكانه تحييد أيديولوجية قوية اسمها داعش.
تحالف دولي
ترى صحيفة «اندبندنت» في افتتاحيتها أن «آخر مرة، وبالتأكيد المرة الوحيدة التي قاد فيها الغرب غزوة في الشرق الأوسط كانت قبل عقدين من الزمان» حرب الخليج التي شنت لتحرير الكويت المحتلة من قبل قوات صدام حسين، وكانت عملية ناجحة، بالضبط لأنها كانت ناجحة في البداية دبلوماسيا وعسكريا، وكانت واضحة في أهدافها التي حددتها الأمم المتحدة، ودعمها العالم العربي وروسيا».
و»ساهمت فيها قوات من معظم أنحاء العالم». ولقيت المرحلة الأولى من حرب أفغانستان دعما دوليا، ولقيت دعما من الأمم المتحدة ولكن تم تضييع الفرصة بعد عامين بغزو العراق. وترى الصحيفة أن التحالف الدولي يجب أن يتعاون لحل مشاكل في الشرق الأوسط من العراق إلى غزة.
وجاء هذا المقترح في محاولة لتقييم الصحيفة سجل الغرب في الشرق الأوسط وإن حققت نجاحا، مشيرة إلى أن الغرب تدخل في العراق وليبيا فخلق الفوضى، وفي مصر وسوريا ترك الغرب الحبل على الغارب وبدون حسم ولم تتوقف الفوضى.
ولم تنجح سياسة نشر الديمقراطية، ولا دعم الغرب للديكتاتوريين والإرهابيين مثل صدام حسين وأسامة بن لادن. وفي ضوء هذا السجل، فالغرب سيفشل في الشرق الأوسط، سواء تدخل أم لم يتدخل.
ويجب أن لا يكون هذا مدعاة لليأس، فليس أمام الغرب سوى إعادة تقييم سياسته، والعراق وسوريا المكانان المهمان الواجب على الغرب تقييم سياسته تجاههما. فمن أجل منع انزلاق العنف وتأثيره على الدول الجارة يجب التفكير بتحالف حتى لو اقتضى الأمر التعاون مع دول ينظر إليها نظرة شك.
ويحتاج الغرب توسيع التعاون مع الأكراد ليشمل دولا مثل إيران ومصر ودول الخليج التي تدخلت في ليبيا. وتطرقت الصحيفة للسياسات البريطانية لمكافحة التطرف ومنع الشبان من السفر إلى سوريا والعراق والتي ترى فيها ملمحا واحدا لا يغني عن التعاون مع الدول العربية.
وهي ترى أيضا أن لا بديل عن تقييد حرية الجهاديين المحتملين للسفر إلى سوريا. ومع أنها عبرت عن تحفظ حول سياسة منع المقاتلين للعودة لبلادهم التي تدعو لأن تكون دقيقة حتى لا تخلق جيشا من المحرومين من الجنسية بدون هدف.
وتؤكد الصحيفة أهمية أن لا تؤثر هذه السياسات على الغالبية العظمى من المسلمين البريطانيين الذين يرغبون بالعيش والبحث عن لقمة العيش لهم ولعائلاتهم بسلام.
وضمن الإجراءات التي أعلن عنها كاميرون فسيتم سحب الجنسية من قاتل في سوريا وإن بشكل مؤقت، وسيتم تعزيز التعاون مع المانيا وتركيا، البلدين اللذين يمر منهما الشبان المسافرون إلى سوريا.
وستمنح الإجراءت الجديدة الأجهزة الأمنية سلطات للنظر في قوائم المسافرين. وتدعو الإجراءات البريطانية الدول الأعضاء في الإتحاد التعاون في التشارك المعلوماتي. وتأتي القرارات الأخيرة بعد نقد وجه لكاميرن من بادي أشداون ومينزي كامبل من حزب الليبراليين الأحرار، الشريك في حكومة الإئتلاف.
واتهم أشداون في مقال نشرته صحيفة «أوبزيرفر» يوم الأحد كاميرون «بجرجرة قدميه» للرد على التهديد القادم من داعش، فيما حذر كامبل من مخاطر تجريد مواطنين بريطانيين من جوازات سفرهم ،والذي يطرح مشاكل قانونية ويعتبر خرقا للقانون الدولي، حيث قال في تصريحات لراديو «بي بي سي 4» إن جعل شخص بدون وطن غير قانوني.
ويقدر عدد البريطانيين في العراق وسوريا ما بين 300 -600 مقاتل. وهناك تقارير تقول إن 250 عادوا لبريطانيا، حيث وجد كل واحد منهم طريقه لسوريا عبر ألمانيا ومن ثم تركيا وهذا يفسر التعاون الجديد معهما. ويخشى أن تؤدي الإجراءات لتوسيع سلطة الدولة وتقييد حرية الناس.
تقييد الحرية
ففي مقال كتبته ياسمين البهائي براون في صحيفة «إندبندنت» تحت عنوان «ديفيد كاميرون يستغل خوفنا حتى يجردنا من حريتنا»، تقول: «لأول مرة اعترف لي عدد من المسلمين أنه من أجل وقف داعش، فهم يريدون من الدولة توسيع سلطاتها.
وعندما أتحدث إليهم عن الحريات وحقوق الإنسان، يبتسمون بمرارة قائلين «أي حقوق؟» فيجب وضع هؤلاء الأشخاص في الزنازين بحيث لا يرون الضوء أبدا».
وتتساءل إن كان الوقت مناسبا للحديث عن الحقوق. في وقت يدعو فيه البعض لمنع من يقاتل في سوريا من العودة وترحيل عائلاتهم. وترى أن الخوف يهزنا.
وتتحدث عن الخطوات التي قام بها كاميرون لتوسيع قوانين مكافحة الإرهاب التي تعتبر الأشد منذ بداية الحرب على الإرهاب قبل 13 عاما. فمنذ تلك الفترة مررت الحكومة ليس أقل من 9 تشريعات ما بين 2003 – 2010 وبالإضافة لهذه التشريعات أظهرت الوثائق دورا لبريطانيا في الترحيل القسري للمشتبه بتورطهم في الإرهاب وتعذيب مسلمين اعتقلوا حول العالم.
وكشف إدوارد سنودين خبير الكمبيوتر الأمريكي عن المدى الذي ذهبت إليه الحكومة للتجسس على المواطنين.
ولا تزال الحكومة تحتجز مسلمين بدون توجيه تهم له أو محاكمتهم. وأظهر تقرير للجنة حقوق الإنسان في البرلمان عام 2010 أن الدولة بررت منذ هجمات 9/11 وبشكل مستمر العديد من الإجراءات لمواجهة الإرهاب أن هناك حالات طارئة تهدد الحياة العامة، مما يعني «أننا في حالة طوارىء دائمة.
وقارنت الكاتبة بين إجراءت الحكومة ضد الجيش الأيرلندي الحر والإجراءات ضد الإرهاب الإسلامي. فما بين 1974- 2000 وسعت الدولة من سلطاتها مرتين، رغم أن الجيش الأيرلندي الحر كان يزرع القنابل ويقتل الناس، فلم يبالغ البرلمان بالرد كما بالغ في الرد اليوم.
وفي الوقت الذي تعرض فيه الأيرلنديون في إنكلترا لضغوط لكن لم يتم التعامل معهم بطريقة أو بأخرى كمواطنين أعداء. والكاتبة، وإن شجبت من يذهب للقتال وطالبت بمحاكمته ومحاسبته، إلا أنها تتهم المسؤولين بعدم المصداقية والتصرفات المشينة فهم يستغلون الخوف لتوسيع سلطاتهم التنفيذية وحرمان المواطنين من حريتهم.
إبراهيم درويش