سرديات الذاكرة والواقع في الرواية العربية: نحو بلاغة جديدة لخطاب الواقعية الحداثية

فتحت الرواية العربية المعاصرة آفاقا جديدة من خلال تمثل القضايا والراهن بكل تجلياته. ولعل من أبرز هذه القضايا هو الواقعية الجديدة ومختلف الأسئلة المنبثقة عنها، كما سيتبين من خلال المقاربة. وسننطلق في هذا الإطار من رواية ربعي المدهون ”مصائر».

1 ـ أنساق العلامات في الخطاب الموازي بين المرجعي والجمالي:
أول ما يثير الانتباه في نص «مصائر’»، هو ما اصطلح البعض على تسميته بخطاب العتبات، أو كما هو معروف عند جيرار جينيه ومن تبعه، النص الموازي، فمن المعروف أن جنيت يعني بالنص الموازي مجموعة من العناصر المتباينة (عنوان، تقديم، عناوين الفصول، الإهداء)، أو الملحقات والتوابع. ويعتبر جينيه خطاب العتبات، خطابا أساسيا داخل النسيج النصي، فضلا عن وظائف أخرى أبرزها توجيه القارئ، وهو فضلا عن ذلك يعمل على التأثير على سيرورة القراءة، من خلال حضور سلطة الكاتب في المقدمات التي ترد باسمه، وحسب وجهة نظر هنري ميتران فبداية « الفعل السردي تتمثل من خلال، الكلمة المفتاح في الخطاب المقدمات»، وتقديم الكاتب مثلا، حسب ميتران، «يمثل كل مظاهر الخطاب الديداكتيكي».
وهكذا يشكل عنوان النص الروائي >مصائر”، العتبة الأولى ونسقا من العلامات التي يتقاطع فيها المرجع التاريخي ببلاغة التمثل الواقعي، كما يظهر من خلال نسق استعارة ‘الكونشرتو”. إن العنوان ”مصائر”، والعنوان الفرعي، الذي يمكن القول إنه يؤسس ما سماه مايكل ريفا تير في دلائلياته، الحتم المضاعف، وهو هنا ”كونشيرتو الهولوكوست والنكبة”، يؤسس نسقا من العلامات باعتبارها تمثيلا لعالم المحتمل المرجعي، حيث يتقاطع التاريخ والهوية الفردية وذاكرة الأمة: مصائر، الهولوكوست النكبة.
وهكذا يؤشر العنوان والعنوان الفرعي في هذا النص، إلى وضعية تشكل الخطاب الحامل لخبر يعيد وقائع التاريخ في زمني ”الهولوكوست” والنكبة. وقد لوحظ أن المفردة ”الهولوكوست” حافظت على نسقها الثقافي المستلهم من التاريخ والذاكرة الخاصة بجماعة ثقافية وذاكرة الأمة. لكن حضور استعارة ”كونشيرتو”، تنزاح بدوال الخطاب السردي نحو علامة تنتج مجموعة من الدوال المرتبطة بمأساة الفلسطيني وامتداداتها في الحاضر.
2 ـ الشخصية والعلامات: نحو إنتاج أنساق الواقعية الجديدة :
تحرك الشخوص داخل الفضاء، والعلائق التي تربط كل واحد منها بالآخر وبالفضاء، يكشف مركزية هؤلاء الشخوص، باعتبارهم أصل الحكاية وأحد مظاهر تشكل الخطاب. إنها شخوص ترتبط بمحتمل الواقع، وتقع بين التاريخ أي قضية النكبة التي تتمركز سرديا ودلاليا، والتخييل الروائي الذي يؤسس لجماليات الخطاب. وعلى العموم، يمكن أن نقسم شخوص الرواية إلى فئتين متقابلتين. ولعل السمة البارزة للعلاقة بين الفئتين، هي الصراع. وهو مظهر نوعي يميز خطاب الواقعية، وهو فضلا عن ذلك صراع يتحرر من أنساق الكتابة الكلاسيكية التي تتأسس على نمو الحدث. هكذا تظهر الفئة الأولى ذات النسق المرجعي الرمزي: جولي ووليد، وجنين وباسم، ثم الشخصية الرمزية جون، التي تعرف تحولا من تمثيل أنساق السلطة الكولونيالية في زمن الانتداب البريطاني، إلى شخصية تجاور القلق الفلسطيني بعد زواجه من إيفانا، وتندمج داخل نسق مغاير. أما شخصيتا محمود دهمان الأب، و”باقي هناك”، فهي علامات ذات البعد المرجع المعرفي، أي فاطمة، فهي مصدر معرفة ومرشدة سياحية، ولعل أبرز سمة لهذه الشخوص فضلا عن تميزها بكونها تجل لكينونة المكان والتاريخ هو تمثيلها لذاكرة الأمة، ما يجعلها تدخل في جدل أبدي مع النسيان والموت والحقيقة التي تتوارى خلف أسيجة التاريخ نفسه. إنها الشخوص التي تدخل في صراع ومواجهة، مع شخصيات تنتمي إلى نسق السلطة والاستعمار الإسرائيلي، كما هو الأمر بالنسبة لإيالا، التي تشتغل في مكتب لمنح رخص العمل وتجديدها، واليهودي الذي استولى على بيت إيفانا وأوصد الباب في وجه جولي، رافضا أن يستعيد الجسد الفلسطيني ذاكرته ويتصل بأرضه، بعدما أرغم على الانفصال عنها. وبالتالي، فقد رفض اليهودي وزوجته أن يعود جزء من رماد إيفانا إلى منزلها القديم. أما شخصية مارك، فتجسد صورة اليهودي الثري، والفنان الذي انخرط في مشروع الاستيطان الإسرائيلي بصورة غير مباشرة. فهو سيستقبل جولي ووليد برفقة جنين وباسم، حيث يكتشف وليد، أصول رواية جنين ”فلسطيني تيس في فضاء القلعة، مما يضعنا في صلب علاقة الخطاب الواقعي والتخييلي الروائي:
«هل زرت هذا المكان حقا؟ هل أنا أحلم؟ الساحة تشبه الساحة التي وصفتها جنين في روايتها ”فلسطيني تيس”. أليس هذا هو كمبيوترها الذي كتبت عليه الرواية وهذه طاولتها؟». «كانت تتجول في القلعة والتقيتها مصادفة، ودعوتها إلى بيتي وأعجبها كثيرا. زارته ثلاث مرات بعد ذلك، وحفظت تفاصيله… وأضافت جنين بالإنكليزية: «لقد ساعدني ذلك كثيرا في العثور على مكان مناسب أوطّن فيه شخصياتي».

خطاب الواقعية يشكل ملتقى علامات السيكولوجي والاجتماعي والأنثروبولوجي واللساني، والتاريخي وهو ما يعني أن هذا الخطاب دائم الحوار مع أنساقه وله امتداد يدفعنا إلى نفي كل تنميط لخطاب الواقعية الحداثية والتأكيد على بلاغة الواقعية الحداثية.

فضلا عن الشخصيات المتمركزة سرديا والتي تمثل أحد تمظهرات بلاغة خطاب الواقعية: وليد، جولي، جنين، باسم، التي تنهض بوظائف خاصة وتشتغل على توليد، مسارات سردية متباينة، من خلال سرد قصة كل شخصية وعلاقتها بالأرض والنكبة والمحرقتين، نلفي شخوصا تنهض بوظائف موازية. وهذا ما ينطبق على شخصية كواكو: «شخصية غريبة، غامضة كسر، تشرّد لسنوات. ولد بخصية واحدة. ولد لأب نيجيري لم يعرف عنه تدينه أو ذهابه لكنيسة أو مسجد». وليا، الشاعرة اليهودية التي أحبت كواكو، على الرغم من كل هذه السمات، التي تشكل صورة الآخر السلبية عن الأعراق الأخرى، في متخيل اليهودية أم ليا. إن شخصية كواكو في علاقته بليا وأمها، تجسد صورة رمزية تنسج صورة الآخر في المتخيل اليهودي، المرتبطة بتضخم الأنا وعدم قبول الآخر نتيجة النزعة العرقية. وهو ما دفع بهذا اليهودي إلى ممارسة الاضطهاد ضد الفلسطيني، ومحاولة إبعاده عن أرضه والتنكيل به، وهو ما لا يختلف عن النزعة النازية ومحرقة اليهود، وبالتالي يعيش الفلسطيني هولوكوست جديدا يدل عليه التمثيل الرمزي للشخوص. إن العلامة ”هولوكوست ” باعتبارها نسقا داخل الخطاب تكشف مأساة إنسانية مضاعفة ؛ فإذا كان الهولوكوست الماضي يحرق الجسد فإن الهولوكوست الحاضر، أي اليهودي يسعى لمحو الذاكرة والهوية وليس فقط الجسد، وهو ما يمكن أن يدل عليه نسق العلامات النص الموازي. إن الذات الساردة في خطاب الواقعية الجديدة تستدعي أفق انتظار جديد يتأرجح بين الشخصية والذاكرة – التاريخ . وعلى الرغم من الأنساق المرجعية التي تميز شخوص الرواية، فإننا لا نجد أنفسنا أمام شخوص الواقعية الفجة أو المرآتية، فالذات ليست معطى يراكم مجموعة من السمات ذات البعد السيكولوجي، تنمو وتتطور خطيا، بل تتمثل باعتبارها بنية سردية، وتمثيلا رمزيا يحفر ويسائل العالم، في أفق بناء عالم المحتمل. وهذا ما يؤشر إليه العنوان الفرعي، ”رجل واضح غامض” . ففي نهاية النص الذي لا نهاية له – وهذا أحد معالم خطاب الواقعية السردية الحداثية – يبقى سؤال العودة الذي اقترحته جولي على زوجها، معلقا، مثل جوابه: «هل تخدت قرارا بخصوص ما اقترحته عليك قبل دخولنا المطار أو فكرت فيه؟».
«لقد اتخدت قرارا مناسبا»
WOW.
«نناقشه حين نصل»
أضاف (وليد) وتابعا طريقهما نحو البوابة»

أما شخصية ”باقي هناك”، كما يدل على ذلك الاسم الموسوم بنزعة رمزية، فتحاول الابتعاد عن الوصف الذي يراكم سمات تحيل إلى مرجع الواقع، وتتحدد باعتبارها ذاتا ممتلئة سيكولوجيا، وفضلا عن ذلك فهي تحمل سمات رمزية يتجاذبها الواقع والمتخيل. فمع التقدم في قراءة النص، يظهر جليا، أن الشخصية تنتمي لنسق مركب، يحيل إلى المرجعية الماركسية، يرغب في أن يضفي على هذه الفلسفة المادية نكهة مشرقية، بأن يجعلها الطريق إلى التصوف.
إن انخراط ”باقي هناك” في هذا النسق الأيديولوجي، ورغبته في تجديده، ينبعان أساسا من سمته كمناضل يرتبط بالأرض فلسطين، ويرفض التخلي. وهكذا سيتم تصوير شخصية ”باقي هناك”، باعتبارها تخوض نضالا مستميتا ضد المستعمر، من خلال التظاهر بحمل اليافطات في ميدان «ملوك إسرائيل» في تل أبيب.
إن من أبرز معالم خطاب الواقعية الحداثية، الحفر الأركيولوجي للسارد في هوية وأصول الشخصية. وهذا ما يدل عليه دلالة الاسم نفسه ”باقي هناك”، الذي يتحدد على مستوى الهوية بالأرض فلسطين، والزمن نكبة 1948، والتاريخ. لذا يحدد لنا السارد أيضا، الأصول الواقعية لهذه العلامة، أي شخصية ”باقي هناك باعتبارها مستلهمة من ذاكرة محمود دهمان.
ويمكن القول إن شخصية باقي هناك، تراكم مجموعة من السمات الرمزية التي تجعلها تنتمي إلى فئات الشخصيات التي ترتبط بمصير إنساني وهو مأساة النكبة وتهجير الفلسطيني. إنها تشكل في حد ذاتها، بنية سردية داخل البنية الأم، أي القصة الرحم السردي التي بدأت بدعوة إيفانا كلا من جولي ووليد وليا وكواكو وولين وزوجته، إلى اجتماع في منزلها في لندن. وفضلا عن سمة المرجعية التي تحيل إلى الذاكرة، التي تميز شخصية ”باقي هناك” نجد سمة الأسطورية مما يجعلها قطبا يتجاذبه الأسطوري والواقعي، الواقع والمتخيل. فهي شخصية تمثل أسطورة الذاكرة التي تستمر في الحياة وتنبعث بعد الممات: «هذا رجل أسطوري يا أستاذ.. لكن باقي هناك لم يمت في الحقيقة. فقد نهض من موته الافتراضي، وحمل يافطته وغادر الساحة التي أنهت مهرجانها بسعير يميني حاقد ».
وهكذا تبقى شخصية باقي هناك، حقيقية لا تموت، وذاكرة جريحة تحرك الأسئلة، في عالم تتجاذبه أطراف الواقع والتخييل. إن دينامية الشخصية ووظيفتها داخل الخطاب، تنبع من هويتها الثقافية المرتبطة بالفلسطيني المبعد عن أرضه والمضطهد. فشخصية باقي هناك مثلا، تتحدد باعتبار المكان والارتباط به، وصورة البطولة، والرغبة في الاستمرار في الحفاظ على الهوية والذاكرة. أما شخصية فاطمة، المرشدة السياحية، فتشتغل لكي تحارب التزييف الذي طال حقيقة الأرض ـ الهوية، من قبل المرشدين السياحيين الإسرائيليين، إنها علامة تشتغل إلى جانب العلامة شخصية ”باقي هناك” داخل الذاكرة التي تحارب المحو.
إن خطاب الواقعية يشكل ملتقى علامات السيكولوجي والاجتماعي والأنثروبولوجي واللساني، والتاريخي وهو ما يعني أن هذا الخطاب دائم الحوار مع أنساقه وله امتداد يدفعنا إلى نفي كل تنميط لخطاب الواقعية الحداثية والتأكيد على بلاغة الواقعية الحداثية، باعتبارها تحفر في الذاكرة والهوية والتاريخ وتتمثل أسئلة وطموحات وتحديات الواقع.

٭ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية