بشهادات تاريخية: الازدهار الاقتصادي ليس وصفة لحل النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني

حجم الخط
0

مع دخول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في كانون الثاني 2016، أوضح الرئيس الأمريكي بالأقوال وبالأفعال بأن الطريقة المثلى لتحقيق أهداف الولايات المتحدة، بما في ذلك حل المواجهات والأزمات في الساحة الدولية، هو استخدام القوة الاقتصادية الهائلة التي لديها. بقدر كبير، طريقة تنفيذ الوعود التي أعلن عنها في إطار حملة انتخابات ترامب: «إعادة العظمة إلى أمريكا هي اقتصادية وتعتمد على القدرة الأمريكية لإقناع اللاعبين في الساحة الدولية للتعاون مع البيت الأبيض. من زاوية نظر ترامب، فإن القوة الاقتصادية متعددة الغايات تشكل علاجاً لمعظم الأمراض، سواء كانت المسألة سياسية، أو اجتماعية أو اقتصادية. فالحروب التجارية الكثيرة التي يخوضها ترامب تجسد استخدامه للسلاح الاقتصادي كجائزة أو كثواب على السلوك السياسي المنسجم مع المصالح الأمريكية. في 2018، انسحبت الإدارة من الاتفاق النووي مع إيران وأعادت نظام العقوبات الحادة على طهران، وذلك لمنع إيران من إمكانية التقدم نحو الحصول على قدرة نووية عسكرية. وفي نهاية أيار 2019 هدد ترامب برفع الجمارك بشكل تدريجي على البضائع من المكسيك، إذا لم يكن هناك إنفاذ مكسيكي ذو مغزى لمنع الهجرة على حدود الولايات المتحدة الجنوبية. أما الآن فتعتقد الإدارة بأنه حان الوقت للتقدم لحل النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني بوسائل اقتصادية.
في 25 ـ 26 حزيران ستنعقد في المنامة، عاصمة البحرين، ورشة اقتصادية دولية عنوانها «من السلام إلى الازدهار الاقتصادي» تعرض فيها الولايات المتحدة البنية الاقتصادية لصفقة القرن لحل النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. من وثيقة تقع في 40 صفحة نشرها البيت الأبيض يتبين أن الخطة الاقتصادية التي ستعرض تنقسم إلى ثلاثة عناصر مركزية: استنفاد الإمكانيات الاقتصادية الفلسطينية، وتمكين الشعب الفلسطيني، وتعزيز الحكم الفلسطيني. الرؤيا التي توجه الخطة هي مضاعفة الناتج المحلي الخام الفلسطيني، وإنتاج مليون فرصة عمل، وتخفيض الفقر الفلسطيني بـ 50 في المئة، وكل هذا في غضون عقد فقط. أما القسم السياسي من الخطة فسيعرض على نحو منفصل، على ما يبدو بعد الانتخابات في إسرائيل في شهر أيلول. ومثلما بالنسبة لمناطق أخرى في أرجاء العالم، في سياق الشرق الأوسط أيضاً يؤمن الرئيس الأمريكي بأن بوسع السلاح الاقتصادي أن يعطي ثماره، ما يعني أن البنى التحتية بديل عن البنادق. هدف المؤتمر هو أن تعرض على دول المنطقة، الفلسطينيين والمستثمرين العالميين، سبل لتحويل الاقتصاد الفلسطيني من اقتصاد يقوم على أساس المساعدات الخارجية إلى اقتصاد ذي متانة ذاتية، وإلى جانب ذلك الإمكانية الاقتصادية المهمة للازدهار الاقتصادي في الساحة الفلسطينية ـ إذا تحقق السلام، ففي الدائرة الأولى للدول الداعمة المحيطة بالضفة الغربية وقطاع غزة، وفي الدائرة الثانية ـ دول المنطقة كلها. هدف آخر للورشة هو أن تجسد للفلسطينيين ما هي الخسارة التي تنطوي على استمرار النزاع ورفضهم العروض التي تطرحها الولايات المتحدة لحل النزاع.
عملياً، تسعى الولايات المتحدة لأن تجند من خلال الورشة 50 مليار دولار تستثمر على مدى عشر سنوات في البنى التحتية، والصناعة، والرأسمال البشري، وخلق أماكن عمل، وتجارة إقليمية، ونوع من المنظومة البيئية بالتفاعل، والتعاون والازدهار المتبادل. كل هذا حيوي لتنمية كيان فلسطيني ذي مزايا من الاستقلال الاقتصادي المزدهر. وتدعو الخطة إلى إقامة طريق وصول وخط قطار يربطان قطاع غزة بالضفة الغربية. جارد كوشنير، مستشار وصهر الرئيس الأمريكي الذي يتصدر صفقة القرن، تحدث في الشهر الماضي في الموضوع وقال إن التقدم الاقتصادي لن يتحقق إلا مع رؤية اقتصادية متماسكة، وإذا ما حلت الأساسات الجوهرية السياسية. يمكن أن يفهم من أقواله بأن الجوانب الاقتصادية ستستخدم كإغراء للفلسطينيين للتنازل في مسائل أخرى المتعلقة بتطلعاتهم الوطنية.
بكلمات أخرى، تستهدف الخطة الاقتصادية الإحسان للجمهور الفلسطيني في كل ما يتعلق بنمط وجودة حياته وتشجيعه للضغط على قيادته لإبداء المرونة في باقي المسائل السياسية الإقليمية من أجل إزالة الحواجز المعروفة أو عن الطريق للاتفاق السياسي.
إن مراجعة اتفاقات السلام التي وقعتها إسرائيل في الماضي تظهر أن الجوانب الاقتصادية والقوة الاقتصادية للولايات المتحدة كانت دوماً جزءاً من مردودات السلام. ولكن بالتوازي يمكن القول إن المسائل الاقتصادية والدور الذي لعبته كانت دوماً فرعية بالنسبة للمسائل الوطنية والسياسية المشتعلة. في اتفاق السلام مع مصر، لم تنفذ الملاحق الاقتصادية والمدنية في معظمها. المادة 2 من الملحق 3 (العلاقات بين الطرفين) كرست للعلاقات الاقتصادية والتجارية. في هذه المادة يشار إلى أن «الطرفين يوافقان على إزالة كل حواجز التمييز في العلاقات الاقتصادية الطبيعية ووضع حد للمقاطعات الاقتصادية.

رؤية ترامب وكوشنر… جهل للسياق الاقتصادي وتجاهل للواقع السياسي

في القسم الثاني من المادة يشار إلى أن الطرفين ملتزمان بعقد اتفاق تجاري من أجل تطوير علاقات اقتصادية تخدم حماية السلام. هذه المادة هي الوحيدة التي تشير إلى العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، والتي لم تكن مهمة بما يكفي كي تؤدي بالطرفين إلى الاتفاق. إن الأزمة الاقتصادية في مصر عقب النفقات الأمنية المتزايدة هي التي دفعت مصر إلى السلام، والتقدم في الاتفاق أتيح من خلال الوعود الأمريكية لضمانات أمنية واقتصادية في كل مساعدة اقتصادية سنوية. واستمر هذا أربعين سنة، وهي الثانية في حجمها في المساعدات الخارجية الأمريكية، بعد تلك المقدمة إلى إسرائيل. لقد كانت مصر بحاجة إلى المساعدة الاقتصادية الأمريكية، ولكن لا ينبغي الاستنتاج من ذلك بأن المسائل الاقتصادية هي التي أدت إلى حل النزاع: كان هذا هو الانسحاب الإسرائيلي الكامل من شبه جزيرة سيناء. فقد أعلن الرئيس المصري السادات بأن مصر «لن تتنازل عن ذرة رمل واحدة» من أراضيها، وهكذا كتب في اتفاق السلام الذي وقع في البيت الأبيض سنة 1979. وحتى بعد أربعة عقود من السلام فإن التجارة والتعاون الاقتصادي بين الدولتين هامشية، وقاعدة العلاقات بينهما هي التعاون الأمني والدور الأمريكي في تنفيذ الاتفاق (القوة متعددة الجنسيات في سيناء والمساعدة الأمنية).
اتفاق أوسلو والاتفاق الانتقالي مع الفلسطينيين (1993، 1995) تميزا هما أيضاً بالاهتمام بـمسائل اقتصادية عديدة، ولكن مثل الاتفاق مع مصر، وقف هذان الاتفاقان في ظل المسائل الجوهرية للنزاع. انسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق وإعطاء حكم ذاتي سلطوي للفلسطينيين شكلا الأرضية الصلبة التي وقعت عليها في باريس الاتفاقات الاقتصادية بين الطرفين. في نيسان 1994 تم ترتيب العلاقات الاقتصادية في بروتوكولات باريس، وفيه تقرر مثلاً أن تكون إسرائيل والسلطة الفلسطينية منطقة جمركية واحدة، لا تدفع فيها الجمارك على عبور البضائع. بمعنى أن الاتفاق ينص على تعلق واعتماد الاقتصاد الفلسطيني بإسرائيل ولا يمنحه الظروف لاستقلال يؤدي مهامه. وفضلاً عن ذلك، رغم أنه كان يفترض بالاتفاقات أن تشكل حافزاً اقتصادياً مهماً، إلا أنها لم تمنع اندلاع العنف حين بدا أن الحوار في المسائل السياسية يفشل. ويجدر بالذكر أن الانتفاضة الثانية، مثل الأولى أيضاً، نشبت حين لم يكن الوضع الاقتصادي في المناطق سيئاً.
ولعل اتفاق السلام مع الأردن استثنائياً بين الاتفاقات الثلاثة؛ ففي إطاره كانت مسألة إعادة المناطق هامشية، والدعم الاقتصادي الذي حصل عليه الأردن في أعقابه دور مهم أكثر في تحققه. في المادة 7 من الاتفاق تفصل العلاقات الاقتصادية بين الدولتين وتؤكد أهمية العبور الحر للبضائع، وعدم التمييز، ومنع المقاطعات الاقتصادية وكذا أهمية علاقات الجوار الاقتصادية الطيبة. ولكن المادة 6 من الاتفاق مهمة على نحو خاص، وهي تفصل ترتيبات المياه بين الدولتين. كما أن الولايات المتحدة تعهدت بشطب ديونها على المملكة الأردنية ـ الأمر الذي كان حافزاً اقتصادياً إضافياً للأردن للوصول إلى تسوية مع إسرائيل.
ورغم ذلك، فإن الاتفاق في تشرين الأول 1994 ما كان ليتحقق لو وقع في إطار اقتصادي فقط.
فالهدف المركزي للملك حسين كان التحرر نهائياً من مسؤولياته عن القضية الفلسطينية، وقد استغل المناخ السياسي المريح نسبياً الذي نشأ عن اتفاق أوسلو. معظم الخطط الكبرى للتعاون الاقتصادي بين إسرائيل والأردن لم تتحقق في نصف اليوبيل من وضع السلام، ومثل السلام مع مصر فإن العنصر الأساس الذي اعتمد عليه السلام هو التعاون الأمني بين الدولتين. وبالتالي، فقبل لحظة من عرض الطبخة الاقتصادية في صفقة القرن، نشير إلى اتفاقات السلام التي وقعت عليها إسرائيل والتي تشدد كيف أن الاقتصاد هو جزء من الحل ولكنه ليس الحل نفسه. وفي اتفاقات سلام أخرى أيضاً وقعت على طول التاريخ يمكن أن نرى كيف أن الاعتبارات الاقتصادية تشكل حافزاً لمواصلة المفاوضات، ولكنها توجد دوماً إلى جانب المصالح السياسية والمسائل الإقليمية والوطنية الأكثر إلحاحاً. إن محاولة إدارة ترامب عكس ترتيب الأمور، والبناء أولاً لحقل الثواب وبعد ذلك عرض المخطط السياسي للتسوية بين إسرائيل والفلسطينيين، قد تكون جديدة ولكنها على ما يبدو غير عملية. وقبل افتتاح الورشة، استجابت معظم الدول المشاركة لمناشدات الإدارة ولكنها أبدت انعدام رغبة بارزة في المشاركة. كما أن مستوى المشاركين ليس من الصف الأول.
وبالفعل، فإن الاستعداد لتخصيص استثمارات هائلة في الاقتصاد، والبنى التحتية، والتعليم، والصحة والرفاه في الضفة الغربية وقطاع غزة يفترض أن تشكل بشرى طيبة، وتكون جزءاً من مسيرة تستهدف تصميم مناخ مريح للتقدم في الأهداف السياسية في السياق الإسرائيلي ـ الفلسطيني، ولكن في ضوء الفجوات السياسية والإقليمية بين إسرائيل والفلسطينيين، وكذا عقب مستوى الأداء المتدني للأجهزة الفلسطينية (بما في ذلك الانقسام بين الضفة والقطاع) مطلوب أيضاً خطة سياسية إبداعية ومثيبة للفلسطينيين. تفيد الشهادات التاريخية بأنه لا يجب أن نرى في ورشة البحرين والاستثمارات المستقبلية المخططة مفتاحاً لحل نزاع طويل السنين.

تومر فيدلون وساسون حداد
نظرة عليا 24/6/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية