الورشة الاقتصادية التي تفتتح في البحرين اليوم جديرة بالترحيب. ولكن فرص النجاح، إذا كانت مثل هذه، تكمن أيضاً بمعرفة تاريخ النزاع. فالمرة تلو الأخرى كان خيار الرفاه الاقتصادي. المرة تلو الأخرى نجح عرب المنطقة هنا وهناك في التمتع بثماره. والمرة تلو الأخرى جاء المحرضون، بتشجيع من القيادة الدينية والسياسية، ودمروا وحطموا كل فرصة للازدهار.
منذ 1918 قال شريف مكة، الحسين بن علي، إن «أرض فلسطين أرض عذراء ستحظى بالتنمية من المهاجرين اليهود الذين يتدفقون إليها»، لرفاه كل سكان المنطقة. في مؤتمر السلام في باريس، في 1919، وقع ابنه فيصل على بيان مشترك مع حاييم وايزمن. للحظة صغيرة بدا المستقبل وردياً. ولكن التحريض انتصر. فيصل أصبح ملك العراق، وعائلة سعود على أي حال سيطرت على الحجاز.
واصل اليهود التدفق إلى فلسطين ـ بلاد إسرائيل. البنى التحتية، والمصانع، والزراعة المتطورة، أدت إلى تعاون يهودي ـ عربي وازدهار اقتصادي غير مسبوق لعرب المنطقة، ولكن الازدهار توقف مع الثورة العربية ضد البريطانيين في 1936. لجنة اللورد بيل، التي جاءت لفحص الوضع في فلسطين، قضت بأنه «رغم أن العرب كسبوا من تنمية البلاد من الهجرة اليهودية، لم يكن لهذا أثر تصالحي، بل العكس. بدقة شبه رياضية فإن تحسن الوضع الاقتصادي خلق تدهوراً في الوضع السياسي». الزعيم السياسي الذي انطلق في حملة إجرامية ضد التعاون الاقتصادي، وعملياً ضد الرفاه والازدهار، هو المفتي الحاج أمين الحسيني. فهو لم يقتل كثيراً من اليهود والبريطانيين، ولكن مبعوثيه قتلوا الآلاف من أبناء شعبه، ممن فضلوا التعاون الاقتصادي. أما هو فهرب إلى العراق وواصل الشيء الوحيد الذي كان يعرف كيف يفعله: التحريض ضد اليهود، والذي انتهى بمذبحة الفرهود، حيث قتل 186 يهودياً في بغداد. لقد كان اليهود جزءاً من العمود الفقري الاقتصادي للعراق. هذا لم يجديهم نفعاً. فقد بقيت الوصفة على حالها. في كل مكان ينجح فيه المفتي وخلفاؤه بالتأثير يخلفون الدمار والخراب وكثيراً من الجوعى. أما هو نفسه بالمناسبة، فقد تدبر أمره على نحو لا بأس به مع ميزانيات طائلة من النظام النازي، وتوريد شابات ألمانيات لطفوا زمنه.
والتتمة معروفة. مشروع التقسيم تضمن توصيات بالتعاون الاقتصادي. هذا لم يجد نفعاً. كل زعماء المنطقة، والمفتي بينهم، فضلوا الكراهية والتحريض وإعلان الإبادة على التعاون والدولة الخاصة بهم. المؤامرة لم تنجح، و711 ألفاً من عرب المنطقة أصبحوا لاجئين.
بعد أن أقيمت وكالة الغوث (الأونروا) قررت الأمم المتحدة استثمارات كبرى في إعادة تأهيل الفلسطينيين. كانت هناك ميزانيات. ولكنها لم تستغل. زعيم بارز آخر، موسى العلمي، اتخذ مبادرة معاكسة. في بداية الخمسينيات أقام مزرعة قرب أريحا. كانت هذه قصة نجاح. فقد وفرت المزرعة الرزق لمئات العائلات، أقيمت فيها مدرسة ومركز للأولاد اليتامى، وتوصلت إلى اتفاقات تصدير دولية كان يفترض أن توسع الازدهار. كان العلمي يعتبر قومياً متطرفاً. صحيح أنه تجرأ على المبادرة إلى تأهيل ذاتي ولكنه روج لتنظيم عربي متجدد لغرض محو الهزيمة من الكيان الصهيوني. هذا لم يجديه نفعاً. فإقامة المزرعة المزدهرة اعتبر خيانة للفكرة. بعد تحريض منفلت العقال اجتاح جمهور عربي المزرعة، دمر وحطم وخلف الخراب وراءه. فقد عارضوا حتى الرفاه الذي حققه أبناء شعبه.
أما في التسعينيات، في أعقاب اتفاق أوسلو، حظي الفلسطينيون بمساعدة خارجية غير مسبوقة. مؤتمرات للتعاون الاقتصادي، ووتدفقت المليارات. فهل أجدى هذا نفعاً؟ ففي نهاية التسعينيات، بعد أن رفض الفلسطينيون عروض السلام من ايهود باراك وبيل كلينتون، شرعوا بانتفاضة إجرامية. وعلى أي حال، منذ سنوات عديدة واقتصادهم متعلق بالمساعدات الخارجية، وهم يتصدرون القائمة في تلقي المساعدات الدولية للإنسان.
عندما يضاف التمويل السنوي للوكالة إلى المساعدات الدولية للسلطة الفلسطينية والمساعدة الإضافية للمشاريع التي ليست عبر السلطة ـ فإن هذه تعد ميزانيات طائلة. إن المليارات التي سيضعها جاريد كوشنير اليوم في إطار الورشة الاقتصادية هي فراطة مقارنة بالمال الذي تلقاه الفلسطينيون حتى الآن. صحيح، إسرائيل هي الأخرى نالت مساعدات اقتصادية سخية، ولا سيما من الولايات المتحدة، وفي السنوات الأخيرة كانت هذه مساعدات عسكرية مخصصة كلها للمشتريات من الولايات المتحدة، ولكن إسرائيل استغلت المساعدات لغرض التنمية، وليس لغرض تخليد الإحساس بالضحية.
على مدى القرن الماضي، المرة تلو الأخرى، اختارت القيادة العربية فكرة الكراهية ليس التنمية، الازدهار أو الدولة المستقلة إلى جانب إسرائيل. ينبغي تمني النجاح للمؤتمر الذي يفتتح اليوم. ولكن يجب أن نسأل أيضاً، ما الذي تغير؟ فهذه الصيغة سبق أن جربت المرة تلو الأخرى. وفشلت المرة تلو الأخرى.
بن ـ درور يميني
يديعوت 25/6/2019