فلسطين، المؤشر الرمزي للهزيمة العربية؟

تشكل فلسطين اليوم، في عز التهتك والانهيار العربيين، مؤشراً للماضي المهزوم، وأيضاً للمستقبل الذي توقف أن يكون خلاقاً ومنتجاً، في ظل التسليم بالخيار الأمريكي بدون مناقشته أو التفكير فيه وفق الخصوصية العربية المظلومة في جوهرها، لأنها هي المعتدى عليها، وهي من أخذت أراضيه، قضيتا القدس والجولان، والمستوطنات التي تتسع، ومشكلة مياه الأردن، ومزارع شبعا؟ أتساءل أحياناً ماذا يمكن لكاتب عربي من المغرب الكبير، مشبع بفلسطين كما تلقاها منذ اللحظة الأولى، أن يفعل؟ كيف يمكنه أن يكون فلسطينياً ولو قليلاً، بعمله وتعاطفه، وأكثر، بكتاباته؟ هل يكتب رواية ليتخطى المسافات باللغة والمعاني المشبعة، كما يرفع الجزائري البسيط اليوم العلم الفلسطيني في كل حراكه الضخم فقط ليثبت للعالم بعفويته، أو على الأقل العالم الذي في رأسه، أن فلسطين ما تزال قضيته الأولى حتى ولو يئس من إخوة الدم والتاريخ؟ في أعماقي، أحسد هؤلاء الشباب العفويين الذين لم يصبهم ما أصاب المثقف. ما أصابنا. بالمقابل، لا يمكن لكاتب وصل إلى حالة إشباع قرائي وسياسي للحالة الفلسطينية أن يقبل أيضاً بما يفرض اليوم من حلول تعتبر فلسطين حالة منغصة، عليها أن تسير في ركب الخيارات الأمريكية، وربما الإسرائيلية، بمعنى أدق. يريـــــد أن يكتب تاريخــاً روائياً، ويقول تلك اللحظة الصعبة التي لم يتنبه لها الآخرون.  يحلم على الأقل. لا رواية بدون تلك اللحظــــة الاستــــثنائية التي تصــــنع الإبداع، وإلا سيصبح الفعل الأدبي سيلاً من الكلمات المكررة.
في الرواية التاريخية معاناة كبيرة لا توصف. الجهود المضنية تغيب وسط التاريخ نفسه واللغة المستعارة للتعبير عنه، لا بد من أن يكون هناك عنصر ما في هذا التاريخ جعل الهزائم تتكرر باستمرار، وفي حقب مختلفة، وبأشكال تكاد تكون متشابهة، وكأن الزمن لم يتغير أو كأنه يتغير بالعودة إلى الوراء، أو ربما هناك نقطة في مساحة دائرية، كلما ابتعد عنها وجد نفسه فيها في دوامة تكاد تتحول إلى قدر لا يمكن تفاديه. ثم عن أي فلسطين نتحدث؟ فلسطين التاريخ كما عرفناه قبل 48؟ فلسطين المقاومة التي لم ولن تتوقف أبداً؟ أم فلسطين الأمر الواقع؟ حالات ثلاث تتحكم في تراجيدية الكتابة اليوم عن فلسطين. فلسطين التاريخية تغيرت كثيراً منذ قرار التقسيم الذي صدر من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29/11/1947، ورفضه العرب متّكلين على جيش إنقاذ عجز عن إنقاذ نفسه من هزيمة قاسية.

في عمق كل هذه الصور الرمادية، تظل فلسطين حاضرة بقوة، تذكر العرب بمأساتهم الشمولية التي تحولت فيها فلسطين إلى مؤشرها الرمزي، في صعوده وانكساره.

لم يعد هذا التاريخ موجوداً بعد أن نهبت إسرائيل فلسطين كلها، حتى ما سمي دولة فلسطين، لم يبق منه الشيء الكثير. دولتان في بلاد واحدة: رام الله وغزة، ومستوطنات على مد البصر تأكل آلاف الهكتارات من الأراضي الفلسطينية الخصبة. فلسطين المقاومة؟ بدأت تضمحل منذ القبول باتفاقيات أوسلو. انتهت الانتفاضة الأولى والثانية، والانتفاضة الثالثة أصبحت صعبة بعد المتغيرات على الأرض. ما يحدث في غزة مقاومة، لكنها معزولة ولا سند لها إلا الجسد الفلسطيني. فلسطين الأمر الواقع؟ هي فلسطين اليوم، عرضة لكل عمليات الإفناء داخل اليأس العربي المعمم. مع أية فلسطين يتعامل الكاتب العربي اليوم؟ هل انغلقت سبل التحرر أم أن هذا المثقف لم يعد قادراً على إبداع فلسطين الأخرى؟ كيف يمكنه من داخل هذا الشتات الترابي أن يعيد ترميم وتخييل زمن آخر أكثر قابلية للحياة. يبدو الأمر سهلاً على مستوى الخطاب العام، لكن على مستوى الفعل الإبداعي، سيختلف الأمر كلياً، إذ على الكاتب تفكيك اليقينيات التي لا تقبل بالهزيمة لتحليلها وإعادة قراءتها، فتحولها إلى انتصارات وهمية، أو تبحث لها عن مشجب تعلق عليه هزيمتها، وكأننا في فرنسا بعد هزيمتها القاسية مع النمسا، في سبعينيات القرن التاسع عشر، حينما ألصقت خراب بنياتها العسكرية الداخلية في ضابط يهودي اسمه دريفوس، في ظل معاداة مستفحلة للسامية. ولولا كاتب عظيم مثل إيميل زولا الذي كاتب الرئيس في رسالة مشهورة حملت عنوان: «إني أتهم» أعاد فيها بناء الهزيمة وآلياتها التي لا دخل فيها لدريفوس، لانتهى الضابط الشاب طعماً لرصاص الإعدام بتهمة الخيانة العظمى.
كل هذا يحدث في ظل دوامة الانهيار المتواتر الذي لا يفتح أي أفق على مستقبل آخر غير اليأس. يأس قد يعيدنا إلى أحجامنا الحقيقية في ظل عالم يركض بسرعة مخلفاً وراءه من لا يستطيع اللحاق به. هل هي اللحظة القاسية المصاحبة للسقوط النهائي المدوي؟ كيف يطلب من عالم يتفكك، على حافة الانهيار، أن يحل مشكلة عويصة مثل قضية فلسطين، وهو لا يستطيع حتى أن يجد له مكاناً في عالم يملك سبل اختراقه وإجباره على الإصغاء له: النفط.
قد يبدو الأمر مستهلكاً لكنه الحقيقة الأخيرة. يملك العربي حبل نجاته، لكنه يحتاج إلى قليل من الذكاء والابتعاد عن التبعية، وهما عنصران نادران اليوم في العصر الذي يعيشنا بتحولاته ولا نملك أي مسلك للدخول في أعماقه، وننحت لنا زاوية صغيرة نفرض فيها احترامنا عليه. خرجت اليابان منكسرة من حرب عالمية ثانية هزمتها بقنبلتين نوويتين، لكن بفضل الرغبة في الحياة والتبصر والعقل، استعادت حضورها وهي المكروهة عالمياً كما شاء لها الإعلام العسكري الأمريكي. يبدو الأمر شديد الغرابة على الرغم من أن التحليل يمكن أن يفسر. كل الأجيال العربية المتعاقبة تحمل هزائمها الخاصة بها، وتحمل جراحاتها. جيل يورث لجيل خيباته مضافاً إليها خيباته الخاصة.
في عمق كل هذه الصور الرمادية، تظل فلسطين حاضرة بقوة، تذكر العرب بمأساتهم الشمولية التي تحولت فيها فلسطين إلى مؤشرها الرمزي، في صعوده وانكساره. جيل الأربعينيات قاوم الهزيمة التي فرضت عليه بإيمان كبير بأنه سيصل يوماً ما إلى تحقيق النصر.  قد يكون مخطئاً، لكنه ظل في دائرة الحلم بعالم أفضل يسترجع من خلاله حقه المغتصب. استشهد وهو على يقين أنه سيصل. التيئيس الذي مس العرب كلياً وخصصت له الآلة الصهيونية كثيراً من أموالها، أصبح اليوم حقيقة مرة. لقد خسر العربي اليوم إمكانية الحلم، واستسلم لخيارات الأقوى، وهذا أخطر ما يمكن أن يحصل له. لكن في التاريخ ما لا أحد يحسب حسابه؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية