قضى خافيير مارياس، أو بطل روايته، سنتين في جامعة أوكسفورد أستاذا للأدب الإسباني. استعادةً لتلك الحقبة من حياته أنجز كتاب «رواية أوكسفورد» وقد أراده عملا روائيا، طالما أن هذا الفن هو الأكثر قابلية لاحتواء ما يصعب جمعه في أي نوع كتابي آخر. هكذا أمكن للكاتب أن يكتفي بالقليل من الأحداث التي عاشها بطله. النساء الثلاث اللواتي التقاهن في فترة إقامته، واللواتي استمرّ ذكره لهنّ على مدار صفحات الكتاب، لم تتقدّم علاقته بهن خطوة واحدة. لم تزد معرفته بأولاهنّ عن تبادل عابر للنظر في محطّة قطار؛ ثانيتهنّ التقاها في ملهى ليلي وقضى معها جزءا من سهرته؛ الثالثة، كلير بايز وهي عشيقته، توقفت علاقته بها عند وصفه لما يجري بينهما في لقاءاتهما السريعة، في أوقات الفراغ بين ساعات التدريس، وتوافق ذلك الفراغ بين حصصه وحصصها. لم يجر شيء بينهما يذكر بعد ذلك، لا دراماتيكيا ولا مأساويا، لتتابعه الرواية. هي علاقة بدأت منتهية، كلاهما يعرف ذلك، ومعا لا ينتظران مفاجآت أو يتخوّفان من تخلّي أحدهما عن الآخر، بل إن كلير بايز بدت، في مواقف من الرواية، في مصاف الزملاء الرجال في الجامعة. وهؤلاء كانوا أكثر حضورا في الكتاب من النساء المعشوقات الثلاث، ذاك أنهم كانوا قريبين إلى الراوي الإسباني، يزورونه ويزورهم، ويلتقي معهم في القاعات والمطاعم، فيما اقتصر ذكر النساء على التذكّر وإعادة التذكّر، ثمّ إن النساء، من لحظة ما تقدح الشرارة معهن، سواء كانت خفيفة أو قوية، يتوحّدن في كونهن عاشقات محتملات، ليخسرن بذلك الفرادة التي تظل تتكشّف في سلوك الرجال وتقدّم المعرفة بهم، ثم إن فصل الختام في الرواية اختص بوصف ما حدث للرجال الذين لم يموتوا جميعا، بل مات فقط اثنان منهم، من مجموع الزملاء الأربعة أو الخمسة الذين عايشهم الراوية.
مع الرجال، الزملاء، يمكن التمادي في السخرية، هذه التي لا تناسب النساء الواعدات بعلاقات مقبلة. من الصعب أن تحلّ امرأة محل أستاذ الاقتصاد «هايل» الذي لا يتوقّف عن الكلام حول أطروحته، مضجرا الجميع بها، ومثيرا ذلك القدر من التعليقات الساخرة بين الزملاء. ثم إن ذلك المشهد العريض الذي تبدأ به الرواية سخريتها المفرطة من جامعة أوكسفورد يؤدّيه رجال هم صفوتها، بحسب ما هو مفترض، بينهم الرئيس ونائبه وعمداء الكليات. هؤلاء تخصّهم الرواية بسخريتها القصوى طالما أنهم المولجون بأداء التقليد الجامعي العريق الذي يبرع خافيير مارياس في الهزء منه. ففي سهرات «الطاولات العالية»، وهذا اسمها كونها مرتفعة عن طاولات الطلاب التي في الأسفل، هؤلاء (الطلاب) الذين سريعا ما يلتهمون عشاءهم ليخرجوا تاركين أساتذة الجامعة وكبار إدارييها متخبطين بعراقة النظام الذي يعيّن مكان كل واحد منهم ومع من يتكلم من الجالسين إلى جواره، وكم عدد الدقائق المخصصة لكلام كل منهم وتلك المخصصة لاستماعه. ثم في مشهد الرواية الطويل هذا، في نهايته، يتحول ذلك العشاء إلى ما يشبه الذروة الكوميدية، حيث يستبد السكر برئيس الجامعة فيروح يخبط بمطرقته التي تشبه مطارق القضاة معلنا عن انتهاء السهرة حينا، وعودتها من جديد حينا آخر…إلخ.
أوكسفورد هي أيضا المكان الذي يلجأ إليه في الصيف كل مشردي بريطانيا. هؤلاء يفترشون الطرقات بأعداد مهولة وأكثرهم متسولون لكن لا يطلبون شيئا من أحد.
ومن فصول هجاء الكاتب لتلك الجامعة وصفه لتلك النظرة الرمادية المغبشّة التي يشترك فيها الجميع ليخفوا بها، ما أمكنهم، كل ما يتعلّق بدواخلهم. هذا الإخفاء غير المحفّز لإقامة العلاقات بين الشخص، ومن حوله يُستعاض عنه بالنميمة على الآخرين: «وهكذا، كلما كان الأوكسفوردي غير محب للآخر، ومستقلّا، ومنعزلا وغامضا، فُرض عليه الإدلاء بالمزيد من المعلومات عن الآخرين، وكأنه بذلك يطلب من زملائه أن يسامحوه على تكتّمه في ما يتعلق بحياته الشخصية والحميمة واكتسابه حقّ عدم البوح بها». وهذا التكتم هو السبب، في رأي خافيير مارياس، في نزعة الجاسوسية التي يمتاز خريجو الجامعة بإجادتها، ولديه أمثلة عديدة يدلّ بها كيف بزّ هؤلاء جميع الآخرين في النجاح بالجاسوسية كمهنة. ولكي يُظهر إلى أي حد يستعاض عن الكلام بالنظر المسترق يصف، في مشهد طويل، كيف تتلاطم النظرات وتتداخل، وكيف تتهرّب وتتخفى، فيما هي تلاحق نظرات أخرى يجري تبادلها بين العشيق والزوج ورئيس الجامعة المتحرّش بالمرأة التي يتنازعون عليها هم الثلاثة بالنظر.
أوكسفورد هي أيضا المكان الذي يلجأ إليه في الصيف كل مشردي بريطانيا. هؤلاء يفترشون الطرقات بأعداد مهولة وأكثرهم متسولون لكن لا يطلبون شيئا من أحد: «لا يتكلمون، لا يقولون شيئا، ولا يتصرّفون بحسب ما هو متّفق عليه منذ قرون. يعون أن تصرّفهم ومظهرهم (الذي يدلّ على الفقر) بحدّ ذاتهما يضاهيان حركة اليد الممدودة وجمل التسوّل التقليدية والمتكرّرة».
إنه كتاب السخرية الذي من بدايته يهزأ من كل شيء، وكتاب إطلاق الأفكار والتفنن في جرّها إلى أن تسخر من كل شيء أيضا، بما في ذلك الحياة والصداقة والتقاليد والأسماء ذات الوقع وكذلك الخلود، والاستمرار في العيش الذي لا شيء يدل عليه أكثر من كيس النفايات الذي نملأه أو نجدده كل يوم، إلخ.
*«رواية أوكسفورد» لخافيير مارياس صدرت في طبعة ثانية (2019) عن دار نوفل. كانت صباح خراط زوين قد نقلتها إلى العربية في 2008 ، وأشرفت على الترجمة ندى شديد زياد. 253 صفحة.
٭ روائي لبناني