الشعر والترجمة في ديوان «الأسيرة» للإيرانية فروغ فرخزاد

هنالك ترجمات تحيي النص وتجعل له روحًا وكأنه نصٌ أصلي لم يترجم عن لغةٍ أخرى، في المقابل، هناك ترجمات متخشبة وجامدة ثقيلة على العقل ومتصلبة لا يألفها القارئ، خاصةً عندما تكون الترجمة أدبية نثرًا كانت أم شعرًا. الترجمة الأدبية ليست بالأمر السهل على المترجم، فعملية الترجمة جدًا صعبة وشاقة ومعقدة تتطلب ذوقا رفيعا وقدرة المترجم على التصرف الحسن في تقديم وتأخير الكلمات وانتقائها إذا تطلب الأمر.
في ديوان «الأسيرة» للشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد، الصادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من ترجمة خلـــــيل علي حـــــيدر، نرى الترجمة الأدبية/الشعرية في أجمل وأبهى حالتها وصورها، حيث لم يترجــــم حيدر الأبيات ترجمة حرفية متخشبة وجامدة، بل على العكـــس تمامًا كل من يقرأ ترجمته ويقارنه بترجماتٍ أخرى سيلاحظ الفرق الشاسع ما بين الترجمتين. أثبت حيدر إلمامه باللغتين العربية والفارسية، وكون اللغة الفارسية تختلف عن اللغة العربية ذات الأنساق الستة، فهذا يشكل تحدّيا أصعب على المترجم وتصرفه في الترجمة حتى تناسب الترجمة النص الأصلي، فإن التزم المترجم بترجمة حرفية، ستكون النتيجة كارثية وركيكة جدًا.
يعرّف السعيد الورقي اللغة الشعرية أنّها «كلية العمل الشعري أو النسيج الشعري بما يشتمل عليه من مفردات لغوية و صور شعرية ومن موسيقى»، إلى جانب المفردات وترابطها وما تشكله من صور في ذهن القارئ، لا يمكننا أن نتغافل عن عنصر مهم في الشعر وهو عنصر الصوت، عند قراءة الشعر لا بد أن يكون هناك إيقاع انسياب وتدفق ترتاح له الأذن وتتأثر به النفس، عدا ذلك ستكون الأبيات مجرد كلمات تشكل جملا عادية جدًا، وعنصر الصوت هنا يكون تحت تقدير المترجم، فمثلًا هذه الأبيات:
«لا أمل أُبهج به الفؤاد
لا رسالة لساعِ أعرفُه
لا نظرة فاتنة في أي عينٍ
لا نداء زاخرًا بالصدى أسمعه»
لها أثرٌ حزين على النفس لما تحويه من كسرة ويأس وغربة وخيبة، فاختار المترجم الكلمات التي تحتوي على مد مثل « لا، فؤاد، رسالة، ساع، فاتنة، نداء، زاخر، الصدى» على الرغم من قدرته على استخدام كلمات أخرى تؤدي إلى المعنى نفسه، ولكن المد هنا يعكس الحزن والأسى في القصيدة، حتى تكرار «لا» في بداية القصيدة هو توكيد على النفي والقنوط. بمجرد أن تتم قراءة هذا النص ستنتقل الصورة الشعرية الحزينة إلى ذهنه وتتكون في خياله المشاعر التي نقلها المترجم عن الشاعرة وذلك بفضل التوازن الصوتي تحقيق موسيقى داخلية في النص التي تترك أثرا في النفس، وهنا ينقل لنا المترجم المشاعر الإنسانية التي تحملها القصيدة بدقةٍ وحِذق.

الترجمة في الشعر الفارسي دائمًا ما تكون مملة وغير متقنة بشكلٍ مستفز ولأسباب عديدة منها، عدم فهم النص الأصلي أو انتقاء كلمات لا تعبر بشكلٍ كافٍ وجمود النص وافتقاره للصوت والحيوية والتدفق.

أما في قصيدة «تمرّد»:
«لا تضع على شفتي أقفال الصمت
ففي قلبي حكاية لم ترو بعد
فك عن رجلي هذي الحبال
ففؤادي كسير مما جرى
تعال أيها الرجل، أيها المخلوق الأناني
تعال افتح أبواب القفص
إن كنت قد سجنتني لسنين طويلة
فأطلقني الآن لألتقط هذا النَفَس الأخير»

تبدأ بلا الناهية وفعل الأمر، واحتوت القصيدة على العديد من أفعال الأمر التي لم تُستخدم بشكلٍ اعتباطي أو عشوائي، بل أاستخدمت حتى تكون انعكاسا للعنوان وهو التمرد. في هذه القصيدة صوتٌ عالٍ للتمرد والعصيان والرغبة في التحرر والتخلص من قيود الرجل. ربما يكون الرجل هنا رمزية عن المجتمع الذي عانت منه كثيرًا الشاعرة، وأرادت التحرر منه من خلال كتاباتها التي لطالما كانــت عن ظلم المجتمع الأبوي وقهره للمرأة كونه مجتمعا منغلقا ومحافظا جدًا، أرادت فروغ التخلص والتحرر من المجتمع لتلتقط أنفاسها، كما تقول وتعيش حياة مريحة لا يقارن فيها الناس بينها وبين الرجل، أو حتى يستنكرون جرأة قصائدها التي هي في الحقيقة معاناتها وألمها.

هل تعتبر الترجمة ناجحة؟
الترجمة في الشعر الفارسي دائمًا ما تكون مملة وغير متقنة بشكلٍ مستفز ولأسباب عديدة منها، عدم فهم النص الأصلي أو انتقاء كلمات لا تعبر بشكلٍ كافٍ وجمود النص وافتقاره للصوت والحيوية والتدفق. ببساطة شديدة، نعم. ترجمة خليل حيدر لديوان الأسيرة ترجمة ناجحة جدًا، تبيّن مدى تفاني المترجم بترجمته للمشاعر والأحاسيس المسيطرة على القصائد وانتقائه للكلمات والتشبيهات والاستعارات بشكلٍ ذكي يخدم القصيدة وفكرتها الرئيسية، ويمكن اعتبار ديوان الأسيرة من أجمل الدواوين القليلة التي ترجمت تحت معايير أدبية رصينة تعكس شخصية وقصائد الشاعرة فروغ فرخزاد. بَرَعَ المترجم في نقل المشاعر الإنسانية المسيطرة في الديوان، وانعكاس أثرها في نفس القارئ من خلال الترجمة حتى أن القارئ لا يشعر بالتغريب، عندما يقرأ النص ولا حتى يشعر بأنه نص أجنبي دخيل على اللغة، ولكنّه يشعر بالتوطين من خلال الترجمة المتقنة، وتصرف المترجم الذكي الذي ابتعد كل البعد عن الترجمة الحرفية التي تنتج لدينا نصا ذابلا، في حين أن كل القصائد كانت مترجمة بعناية وتترك أثرًا في نفس القارئ.
انتقاء الكلمة لم يكن بشكلٍ عشوائي، فالمعنى الدلالي أو المعجمي أو الضمني له دور مهم يجب أن لا يتغافله المترجم الماهر،لأن المعنى الدلالي أو المعجمي أو الضمني تكون مرتبطة بمدى فهم القارئ واستجابته للقصيدة وأثرها على نفسه، فهناك كلمات بليغة توصل المعنى بشكل دقيق بينما توجد كلمات عادية لا تعطي المعنى حقه مما يسبب اختلالا في المعنى وتوازن القصيدة، وأحيانًا تسبب لبسا في عقل القارئ. حتى ترجمة العنوان «الأسيرة» ترجمة موفقة، فلم يتخذ المترجم أي كلمة مرادفة مثل: السجينة أو الحبيسة أو المقيدة، بل نقله عن الفارسية «اسير» وهذا يدل على التزام وأمانة المترجم في النقل والتصرف.
لا يمكننا أن ننكر أن الفكرة الرئيسية للقصيدة مهمة، ولكن لا قيمة لها عندما يختار المترجم كلمات لا تبرز هذه الفكرة، لذا تتكون لدينا فجوة ما بين الفكرة والكلمة، في ديوان الأسيرة، كل عنوان كان يعكس فكرة القصيدة ذاتها، على الرغم من أن بعض العناوين اقتصرت على كلمة واحدة فقط.

٭ كاتبة من الكويت

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية