في ظل ترتيبات أمنية مشددة ورغم غياب ممثلين رسميين عن الفلسطينيين والإسرائيليين، جرى أمس حدث التطبيع العلني الأكبر الذي شهدته السنوات الأخيرة على جزيرة في المنامة عاصمة البحرين، بين ممثلين عن دول عربية وممثلين إسرائيليين. كل ذلك برعاية مؤتمر السلام الاقتصادي لإدارة ترامب، الذي استهدف تجنيد مساعدات اقتصادية بمبلغ 50 مليار دولار للفلسطينيين إذا تم التقدم في برنامج السلام الذي يخطط الأمريكيون لعرضه على الطرفين بعد الانتخابات في إسرائيل.
الحدث الاحتفالي الذي كانت الساحة التي تم اختيارها له هي فندق «الفصول الأربعة» الفاخر، تم افتتاحه باستقبال بدون كحول لأن هذا الفندق لا يقدم المشروبات الكحولية وفقاً للشريعة الإسلامية. وأيضاً في ظل غياب الكحول تحدث عشرات رجال الأعمال من الدول العربية ومن إسرائيل مع بعضهم بشكل علني تماماً وبوجود المراسلين.
ورغم كل شيء، كان هناك فلسطينيون أخيراً، نحو 15 شخصاً وصلوا معاً مع أشرف الجعبري، رجل الأعمال المختلف عليه من الخليل، الذي هو المتحدث الفلسطيني الوحيد حسب خطة المؤتمر. وقد قالوا للصحيفة بأنهم جاؤوا من أرجاء الضفة الغربية والقدس، وأن الجعبري هو المتحدث الرسمي، ويؤيدون عقد اللقاء. في مرحلة معينة جلس معهم على مقاعد الفندق اللوبي منسق أعمال الحكومة في المناطق السابق الجنرال احتياط يوآف مردخاي. لقد جاء إلى هذا الحدث بصفته رجل أعمال خاصاً. وقد كان بالإمكان مشاهدة فلسطينيين آخرين في المكان خارج مجموعة الجعبري، الذين طلبوا عدم الكشف عن أسمائهم.
من بين الشخصيات الكبيرة التي شاركت في الحدث كان وزير المالية القطري علي شريف العمادي ووزير خارجية البحرين الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة. الأخير تحدث أيضاً بشكل علني مع الإسرائيليين، مثلاً مع مدير مستشفى شيبا البروفيسور إسحق كرايس. «نحن متفاجئون للأفضل من الأجواء التعاونية البناءة التي تبحث عن تحديات مشتركة»، قال للصحيفة، «لقد وجدنا أن كل الأطراف منفتحة على المبادرات والتعاون المستقبلي في أقرب وقت».
مصدر رسمي في البحرين قال إن العلاقة مع إسرائيل تصبح أكثر دفئاً، لكنه أضاف بأن استضافة المؤتمر هي أيضاً أمر معقد من ناحيتهم، لا سيما أمام الفلسطينيين، والضغط الأمريكي كان من العوامل الرئيسية من أجل عقده في نهاية المطاف.
أحد المشاركين الإسرائيليين أسهب في الحديث عن العلاقة مع الفلسطينيين، هو مدير شركة «نوكيا» في حوض البحر المتوسط، اريك طال، الذي أطلق بفخر الجيل الثالث للشبكة الذي عرضته شركته في السنة الماضية في المناطق. «شبكة نوكيا إسرائيل لها مركز تطوير عالمي يطبق فعلياً نموذج الصفقة أيضاً في مناطق السلطة»، قال للصحيفة. «لقد طلب مني إشراك النموذج هنا بهدف تحقيق رافعة اقتصادية في المنطقة».
القسم الرسمي من اللقاء افتتحه عريس الحفل جاريد كوشنر بخطاب أسلوب المحاضرة. كوشنر، رئيس طاقم السلام الأمريكي وصهر ومستشار الرئيس ترامب، عرض القسم الاقتصادي في خطة السلام التي يقودها في السنتين الأخيرتين. «رغم الأقوال التي قالها من خيبوا آمالكم في السابق، فإن الرئيس الأمريكي والأمريكيين لن يتنازلوا عنكم»، قال في توجهه للفلسطينيين. «خلال فترة طويلة كان الفلسطينيون عالقين في الماضي. هذه خطة لمستقبل أفضل. هذا هو الحلم لما يمكن للسلام أن يقدمه. على القسم الاقتصادي في صفقة السلام يعمل صهر الرئيس جاريد كوشنر والمبعوث للشرق الأوسط جيسون غرينبلات منذ سنتين. وهما يقترحان تجنيد نحو 50 مليار دولار وضخها على مدى عشر سنوات في إطار خطة شاملة لتطوير الاقتصاد الفلسطيني والمجتمع الفلسطيني.
مجتمعو البحرين: عصر جديد وعلاقات دافئة مع إسرائيل… وجبهة واحدة ضد إيران
ومن بين أمور أخرى فإن هذه الخطة تقترح الربط بين الضفة الغربية وقطاع غزة عبر أراضي إسرائيل، رغم أن نتنياهو يتبع سياسة «فرق تسد». عملياً، هذه الخطة تظهر بالضبط مثل مشروع لإعادة إعمار دولة فقط دون أن يذكر إذا كانت هناك دولة كهذه.
«تخيلوا مركز سياحي صاخب في غزة أو في الضفة الغربية»، أضاف كوشنر. «تخيلوا رجال أعمال في أرجاء المنطقة مع بضائعهم بشكل آمن وبازدهار. هذا ليس مبالغاً فيه، هذا هو تراث الشرق الأوسط». وقال أيضاً: «السلام يمكن أن يتحقق إذا كان هناك مسار لتحسين حياة الناس. البحث عن فرص وليس اتهام الآخرين بالوضع الحالي».
بعد اختتام أقواله، المؤتمر الذي سيستغرق يومين والذي عنوانه «الوقت هو الآن: بناء تحالف للازدهار في الشرق الأوسط» ـ تم افتتاح المؤتمر رسمياً. هيئة رئاسة الجلسة الافتتاحية بإدارة المراسل البريطاني نيك غوين، قال إنه «على مر الأجيال، اختفى حلم الشرق الأوسط المزدهر، لا سيما في الضفة وغزة، في ظل غياب سلام متواصل قابل للحياة». في اللقاء تحدث غوين مع رجال الأعمال ستيفن شفارتسمن، اليهودي الأمريكي من أثرياء نيويورك ومن مؤيدي ترامب، ومع رجل الأعمال محمد البر، من أثرياء الخليج. «القطاع الخاص الذي يشمل لاعبين رسميين وغير رسميين، إقليميين ودوليين، قد يكون جزءاً لا يتجزأ من بناء عصر جديد من الازدهار»، جاء في شرح هيئة رئاسة الجلسة. «عن طريق إيجاد أماكن عمل وفرص لكسب الرزق وإغلاق الفجوات من خلال توفير خدمات أساسية، القطاع الخاص يمكنه بناء زخم من بعد اقتصاد هش وإعادة الأمل لرجال المنطقة. عندما يتم وضع خطة راسخة للسلام، فإن القطاع الخاص سيكون هو المسرع لإحداث تحول سريع في الضفة وغزة، وفتح فصل جديد من الازدهار الاقتصادي الإقليمي». بعد ذلك وفي محادثة مع مراسلين إسرائيليين طلب البر نقل رسالة للجمهور الإسرائيلي. «أولادنا يريدون العيش مع الأمل بمستقبل أفضل»، قال، ثم أضاف: «كرجال أعمال، لنا التزام بمجتمعنا وليس جمع الأموال فقط. يجب علينا فعل شيء ما، والآن تعتبر هذه فرصة جيدة».
الأمسية انتهت بوجبة عشاء احتفالية في الفندق. إلى جانب كوشنر، بين المشاركين الأمريكيين، كان وزير المالية ستيف منوتشن، ومبعوث الشرق الأوسط غرينبلات ومساعده المقرب آفي باركوفيتش الذي تحول مؤخراً إلى أحد الأشخاص الأمينين على سر خطة سلام الإدارة الأمريكية. أما المبعوث الخاص للإدارة الأمريكية للموضوع الإيراني، بريان هوك، فشارك في النقاش كجزء من محاولة الإدارة إرسال رسالة تقول «جبهة واحدة تشمل إسرائيل والولايات المتحدة والدول العربية السنية ضد إيران».
في البيت الأبيض قالوا إنه لم يكن صدفة عقد المؤتمر بالتوازي مع زيارات دبلوماسية لشخصيات رفيعة المستوى في الشرق الأوسط، والمرتبطة أكثر حول التوتر مع إيران. وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قام بجولة في دول الخليج للتباحث مع زعمائها للرد على خطوات طهران الأخيرة. في حين أن مستشار الأمن القومي في الإدارة، جون بولتون، يوجد في القدس في لقاء ثلاثي أمريكي ـ إسرائيلي ـ روسي، سيركز على إيران وسوريا. بالنسبة للإدارة، مؤتمر البحرين مهم، لكن ليس بالضرورة أن يكون هو النقاش الأهم الذي سيجري هذا الأسبوع في الشرق الأوسط.
في البيت الأبيض قالوا إنه خلافاً للإعلان المسبق لروسيا والصين بأنهما لن تشاركا في مؤتمر البحرين، فإن من بين مئات المشاركين هناك أيضاً ممثلون عنهم، وإن كانوا بمستوى منخفض. مشاركة أخرى لم يكن من الواضح حتى اللحظة الأخيرة إذا كانت ستحضر أم لا، هي مندوبة الاتحاد الأوروبي للشرق الأوسط، سوزانا تريستر، التي تعرف بشكل جيد منطقة الخليج من فترة خدمتها كسفيرة لهولندا في إيران.
مبعوثة مهمة بشكل خاص لوزارة الخارجية في البحرين في المؤتمر كانت هدى عزرا إبراهيم نونو، وهي يهودية من سكان البحرين وقد شغلت في السابق منصب سفيرة المملكة في واشنطن. في البحرين جالية يهودية صغيرة جداً تشمل 34 شخصاً. «هآرتس» زارت أمس الكنيس في المنامة، الذي أقيم في بداية القرن التاسع عشر وتم ترميمه في 1996 بواسطة أحد المتبرعين الفرنسيين. الكنيس لا يخدم أبناء الجالية بشكل دائم، لكنهم يجتمعون فيه أيام السبت وفي الأعياد.
نوعا لنداو
هآرتس 26/6/2019