كوشنر يستعرض بنود خطته الاقتصادية في مؤتمر البحرين
الناصرة- “القدس العربي”:
تؤكد دراسة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، أن ازدهارا اقتصاديا لا يشكل تصورا أو “وصفة” لتسوية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
الدراسة مشتركة للباحثين تومر فدلون وساسون حداد من معهد دراسات الأمن القومي وتأتي على خلفية مؤتمر البحرين. وتقول إن مؤتمر المنامة يندرج ضمن رؤية الرئيس دونالد ترامب وبموجبها فإن العظمة الاقتصادية للولايات المتحدة هي مفتاح لحل قضايا وتحديات اقتصادية، اجتماعية وسياسية.
وتوضح الدراسة أن معاينة اتفاقات السلام الموقعة من قبل إسرائيل تظهر أن الاقتصاد لعب دائما دورا ثانويا فقط في حلول سياسية جوهرية وأن المحفزات الاقتصادية لم تشكل محورا مركزيا فيها. من هنا تستنتج الدراسة أنه رغم الرغبة الأمريكية بطرح أجندة اقتصادية أولا للشرق الأوسط فإن نجاح الخطط الأمريكية المعدة للشرق الأوسط مرتبطة بالقسم السياسي من “صفقة القرن” والذي لم يكشف عنه بعد.
وتنوه الدراسة الإسرائيلية أن رؤية ترامب تعتبر أن العظمة الاقتصادية هي متعددة الأهداف وتشكّل علاجا لمعظم الحالات المعتلة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية كما يتجلى في موقفه ومبادراته الدولية بما يتعلق بإيران والمكسيك. وتشير إلى أن القسم الاقتصادي من “صفقة القرن” كما طرح في مؤتمر المنامة يشمل ثلاثة مركبات: القدرات الاقتصادية الفلسطينية، تمكين الشعب الفلسطيني وتعزيز الحكم الفلسطيني. أما الغاية من الخطة الأمريكية فتتمثل بمحاولة مضاعفة الناتج القومي الفلسطيني وتوفير مليون فرصة عمل وتخفيض نسبة الفقر بـ50% خلال عقد واحد.
أما القسم السياسي من “صفقة القرن” فسيتم عرضه منفردا بعد الانتخابات العامة الإسرائيلية في سبتمبر/أيلول القادم. وتشكك الدراسة بقدرة الرؤية الأمريكية تحقيق نجاحات من خلال أدوات اقتصادية ومن خلال استبدال البنادق بالبنى التحتية وتحويل الاقتصاد الفلسطيني من الاعتماد على مساعدات خارجية إلى اقتصاد متين مستقل في ظل السلام”.
“طعم للصيد”
وتنوه الدراسة الإسرائيلية أن مؤتمر البحرين استبق الإعلان عن القسم السياسي لـ ” صفقة القرن ” من أجل إطلاع الفلسطينيين على حجم الخسائر المترتبة على استمرار الصراع ورفضهم الحل الأمريكي للصراع.
وتتابع: “عمليا فإن الولايات المتحدة تريد من خلال مؤتمر البحرين تجنيد خمسين مليار دولار سيتم استثمارها خلال عقد في البنى التحتية والصناعة ورأس المال الاجتماعي وتوفير أماكن عمل وتجارة دولية وتعاون إقليمي فقط “.
وحسب الرؤية الأمريكية فإن كل هذا حيوي لتطوير كيانية اقتصادية فلسطينية تمتاز بمزايا الاستقلال والازدهار كالمخطط لشق طريق بين غزة والضفة الغربية. وتستذكر الدراسة الإسرائيلية ما قاله صهر الرئيس الأمريكي ومستشاره جارد كوشنر الذي يقود “صفقة القرن” في الشهر الأخير بأن إحراز تقدم اقتصادي ممكن فقط من خلال رؤية اقتصادية متينة وبحال تم حل المواضيع الجوهرية في القضية الفلسطينية.
وتستنتج الدراسة من تصريحات كوشنر بأن الأبعاد الاقتصادية من المفترض أن تشكل “طعما للصيد” واستدراجهم لإبداء تسوية في قضايا أخرى مرتبطة بتطلعاتهم الوطنية. وبكلمات أخرى تهدف الخطة الاقتصادية في “صفقة القرن” تحسين حالة الشعب الفلسطيني وجودة حياته وتحفيزه للضغط على قيادته كي تبدي مرونة في بقية القضايا السياسية- الجغرافية بغية إزالة الحواجز في الطريق لاتفاق سياسي.
اتفاق كامب ديفيد
بالمقابل ترى الدراسة الإسرائيلية أن تجارب واتفاقات الماضي تدلل على أن الأبعاد والعظمة الاقتصادية للولايات المتحدة كانت دائما جزءا من ثمار السلام لكنها لتعبت دورا ثانويا فحسب مقارنة مع القضايا الوطنية والسياسية الملتهبة.
وللتدليل على رؤيتها، تقول الدراسة الإسرائيلية إنه في اتفاق كامب ديفيد مع مصر لم تطبق معظم الملاحق الاقتصادية والمدنية في الاتفاق خاصة المتعلقة بالتجارة والاقتصاد. وتعتبر أن الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الإنفاق الأمني والعسكري الكبير في مصر هو الذي قاد وقتها مصر للسلام مع إسرائيل وأن دفع الاتفاق تم من خلال وعود أمريكية بضمانات أمنية واقتصادية على شكل مساعدات سنوية. وتذكر بأن المساعدات الأمريكية لمصر مستمرة منذ أربعة عقود وتأتي بالدرجة الثانية في المساعدات الأمريكية الخارجية من ناحية حجمها بعد المساعدات لإسرائيل.
وتضيف: “كانت مصر بحاجة لدعم اقتصادي أمريكي لكن لا يمكن الاستنتاج من ذلك بأن القضايا الاقتصادية هي التي دفعت نحو تسوية الصراع، كان هذا هو الانسحاب الكامل من سيناء حيث أعلن السادات أن بلاده لن تتنازل عن ذرة رمل واحدة من تراب سيناء وهكذا جاء في اتفاق 1977”.
وتوضح الدراسة الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب أنه بعد أربعة عقود من السلام فإن علاقات التعاون الاقتصادي والتجارة بين مصر وإسرائيل ما زالت ثانوية. معتبرة أن العلاقات الثنائية بينهما تستند للتعاون الأمني والتدخل الأمريكي في تطبيق الاتفاق بينهما كالقوات الدولية في سيناء والمساعدات الأمنية.
اتفاق أوسلو
كذلك تشير إلى أن اتفاق أوسلو عام 1993 وما تبعته من اتفاقات مرحلية قد تميزت بالانشغال بقضايا اقتصادية كثيرة ولكن وبشكل يشبه الاتفاق مع مصر فإن هذه كانت ماثلة في ظل القضايا الجوهرية للصراع. كما تؤكد بالتالي أن انسحاب جيش الاحتلال من مناطق داخل الضفة الغربية ومنح الفلسطينيين حكما ذاتيا قد شكلا أرضية صلبة تم عليها توقيع اتفاقات باريس الاقتصادية.
وتستذكر أنه في أبريل/نيسان 1994 تم ترتيب العلاقات الاقتصادية في “بروتوكول باريس” وفيه تم التحديد على سبيل المثال أن إسرائيل والسلطة الفلسطينية تشكلان منطقة جمارك واحدة ولا تدفع فيه ضرائب على بضائع متبادلة. وتضيف: “هذا يعني أن اتفاق باريس يجسد تبعية الاقتصاد الفلسطيني واعتماده على إسرائيل ولا يمنحه شروطا للاستقلال.
وادي عربة
ورغم أن الاتفاقات كان يفترض أن تكون محفزا اقتصاديا جوهريا فإنها لم تمنع انفجار الانتفاضة الثانية بعدما تعثرت مساعي تسوية القضايا السياسية”. وتذكر الدراسة الإسرائيلية أن الانتفاضتين الأولى والثانية قد نشبتا حينما لم تسد أوضاع اقتصادية سيئة في الأراضي الفلسطينية.
وتعتبر الدراسة الإسرائيلية أن اتفاق وادي عربة مع الأردن كان استثنائيا مقارنة مع بقية الاتفاقات، لأن قضية إعادة الأراضي ضمن الاتفاق كانت ثانوية فيما كان الدعم الاقتصادي قد لعب دورا أهم في دفعه. وتشير الدراسة إلى أن البند 7 في اتفاق وادي عربة يفضل العلاقات الاقتصادية بين الأردن وإسرائيل ويشدد على أهمية انتقال البضائع بشكل حر وعدم التمييز وحظر المقاطعة الاقتصادية مع التأكيد على أهمية علاقات الجيرة الحسنة.
ولكن البند 6 في الاتفاق مهم جدا وهو يفصل ترتيبات تقاسم المياه وعلاوة على ذلك التزمت الولايات المتحدة بمحو ديون المملكة الأردنية مما شكل محفزا اقتصاديا للتوصل لاتفاق مع إسرائيل.
وتضيف الدراسة في استنتاجها الجوهري: “مع ذلك لم يكن بالإمكان توقيع اتفاق اكتوبر 1997 لو أنه جاء في إطار اقتصادي فقط. كان الهدف النهائي للعاهل الأردني الملك حسين هو التخلص من المسؤولية عن الشأن الفلسطيني وقد استغل المناخ السياسي المريح نسبيا والذي نتج عقب توقيع اتفاق أوسلو”. كما تذكر الدراسة بأن أغلبية الخطط الكبيرة للتعاون الاقتصادي بين إسرائيل وبين الأردن لم تطبق منذ 1994 وكذلك وبما يشبه السلام مع مصر فإن السلام يقوم بالأساس على تعاون أمني فقط.
قضايا ملتهبة
ومن هنا تنبه الدراسة الإسرائيلية بعد طرح القسم الاقتصادي وقبيل طرح القسم السياسي من “صفقة القرن” أن الاقتصاد هو جزء من الحل لكنه ليس الحل نفسه. وتشير إلى تجارب التاريخ التي تظهر أن الاعتبارات الاقتصادية تشكل محفزا لمواصلة المفاوضات لكن مكانها دائما هو لجانب المصالح السياسية والجغرافية وقضايا الأرض والقضايا القومية وهي قضايا ملتهبة أكثر بكثير.
وتعتبر أن محاولة ترامب قلب ترتيب هذه القضايا وبناء “حقل الثمار” أولا ومن ثم طرح الرؤية السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين ليست عملية على ما يبدو وإن كانت مجددة.
وتعتبر الدراسة الإسرائيلية تحفظات دول وجهات عربية كثيرة وخفض تمثيلها في مؤتمر البحرين دليلا على ذلك، وتضيف “إن الاستعداد للاستثمار في البنى التحتية، الصحة، الرفاه، التربية والتعليم في الضفة الغربية وقطاع غزة من شأنها أن تأتي ببشرى وأن تكون قسما من مسيرة تهدف لتشكيل مناخ مريح لدفع أهداف سياسية في السياق الإسرائيلي- الفلسطيني ولكن في ظل الفجوات السياسية بين الطرفين وفي ظل تدني أداء الأنظمة السياسية الفلسطينية ( بما يشمل الانفصال بين غزة والضفة الغربية) هناك حاجة لخطة سياسية خلاّقة. والشهادات التاريخية تعلمنا بأنه من غير الممكن رؤية مؤتمر البحرين وبالاستثمارات المستقبلية المخطط لها مفتاحا لحل صراع طويل الأمد”.