نوايا التصويت بتونس.. “انقلاب غاضب” يبعثر ملامح استحقاقات مصيرية

حجم الخط
4

تونس – عادل الثابتي: “انقلاب” لافت أظهرته نوايا تصويت التونسيين للانتخابات التشريعية والرئاسية المقررة في البلاد نهاية العام الجاري، في توجهات قد تنذر – حال تجسدها- بتراجع الأحزاب والشخصيات التقليدية مقابل صعود تشكيلات جديدة.

واستنادا إلى استطلاعات الرأي، يبدو المشهد الانتخابي التونسي على وشك الدخول في مرحلة تغيير جذري، تضع في الصدارة شخصيات ظلت حتى وقت قريب بعيدة عن السياسة، مثل الإعلامي نبيل القروي الذي فاجأ الجميع بتصدره نوايا التصويت للانتخابات الرئاسية.

ومؤخرا، نشرت مؤسسة “سيغما كونساي” الخاصة، استطلاعا تصدره -على مستوى الانتخابات البرلمانية- حزب القروي (لم يتشكل بعد حينها)، المالك السابق لقناة خاصة، بـ29.8 في المئة، في حين حلّت النهضة ثانية بـ 16.8 في المئة.

وبالمركز الثالث، حل الحزب الدستوري الحر (ليبرالي) بنسبة 11.3 في المئة، ثم حزب رئيس الحكومة يوسف الشاهد “تحيا تونس” (ليبرالي) بـ8.6 في المئة، فـ”التيار الديمقراطي” (وسط يسار) بـ5.8 في المئة، تليها قائمات “عيش تونس” (جمعية) بـ 5.4 في المئة. والثلاثاء، أعلن “حزب السلم الاجتماعي” الذي لا يعرف له توجه بعد، تغيير اسمه إلى “قلب تونس”، وتعيين القروي رئيسا له.

وبالنسبة لمرشحي الرئاسيات، حل القروي بالمركز الأول، بـ23.8 في المئة، يليه الأستاذ الجامعي قيس سعيد بـ23.2 في المئة، فيما حلت رئيسة “الحزب الدستوري الحر”، عبير موسي ثالثا، بـ 10.8 في المئة.

وفي المركز الرابع، جاء رئيس الحكومة يوسف الشاهد بـ 7.4 في المئة، يليه محمد عبو رئيس حزب “التيار الديمقراطي” بـ 6.6 في المئة، ثم الرئيس السابق المنصف المرزوقي بـ6.3 في المئة من نوايا التصويت.

لكن، وفي خطوة استباقية، حسب مراقبين لمنع مرشحين استخدموا العمل الأهلي لـ”أغراض سياسية”، صادق البرلمان التونسي، في 18 يونيو/ حزيران الجاري، على تعديل القانون الانتخابي.

وتضمنت التعديلات إقرار عتبة انتخابية بـ3 في المئة في الانتخابات التشريعية، ومنع ترشّح كل من ثبت استفادته من استعمال جمعية أو قناة تلفزيونية للإشهار السياسي (الدعاية)، أو مجّد الدكتاتورية أو توجّه بخطاب يدعو للكراهية والعنف.

“خيبة أمل”

المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي، اعتبر أن “الانقلاب في موقف الرأي العام واتجاهاته يعود أساسا إلى خيبة أمل التونسيين في حصيلة التجربة التعددية بعد الثورة (2011)”.

واعتبر الجورشي أن “الوضع يبدو لدى هؤلاء المواطنين في تراجع نحو الخلف، رغم تعدّد الحكومات والتحالفات، ورغم السقف العالي للوعود.”

وتابع: “لا أعتقد أن التونسي الآن بشكل عام واع بخطورة ما هو مقدم عليه، وهذا يعود إلى الضبابية الكبرى التي يواجهها هؤلاء التونسيين”.

ولفت إلى أن “التونسيين غير واثقين من المستقبل، ونسبة تشاؤمهم تتراوح بين 80 و90 في المئة طيلة الأشهر الأخيرة، وبالتالي عندما نتحدث عن الانتقام (التصويت العقابي)، فهذا لا يعكس موقفا سياسيا راشدا وواعيا، بل هو رد فعل تجاه عجز النخب الحاكمة والمعارضة على إقناع هذا الرأي بأن المستقبل سيكون أفضل”.

“خطر” يواجه المسار الانتقالي

الجورشي نبه من أن “السلوك العام للمواطنين سلوك غير مطمئن سيؤدي الى نتائج سلبية إن لم تكن كارثية على المسار الانتقالي في تونس”.

وتتمثل الخطورة، وفق الخبير، في أن هذا التوجه “سيضع البلاد أمام سيناريوهات مخيفة، فاللجوء إلى حزب رافض للثورة ورافض للديمقراطية، (مثل الدستوري الحرّ)، أو وضع أشخاص لا يتمتعون بالقدرة والكفاءة في موقع رئاسة الجمهورية، يجعل البلاد أمام وضع يصعب التكهن بنتائجه”.

أما الباحث الاجتماعي هشام الحاجي، فاعتبر أن هناك “حالة تبّرم تعبّر على أن كل التطلعات والآمال التي بنيت على السنوات الأخيرة والوعود التي قدمت لم تنجز”. ولفت الحاجي، إلى أن “الأحزاب الحاكمة تتعرض للاستهداف في كل استحقاق انتخابي، لأن الأخيرة ستدافع عن حصيلة أكثر منها دفاع عن برنامج لم يتم اختباره”.

وموضحا: “من ناحية الحصيلة، فإن المواطن لا يلمس تحولات كبيرة، بل بالعكس يرى يوميا تدهورا، كما أن الحديث عن استقرار الدينار ومكافحة الإرهاب كمنجزات للحكومة، لا يكفي طالما أن ذلك لم ينعكس على غلاء الأسعار والتضخم والتشغيل والوضع البيئي”. ووفق الحاجي، فإن “المنطق القائم حاليا هو منطق عقابي أكثر منه توجّه نحو برنامج بديل”، مشيرا أنه “لا يمكن عزل الناخب التونسي عن التحولات في العالم التي تجعل وسائل الاتصال وشخصيات غير حزبية تلعب دورا كبيرا”، في إشارة إلى صعود مذيع إلى الرئاسة في أوكرانيا.

“لا يملكون حلولا”

الجورشي عاد ليقول إن “الجميع يعلم أن الأطراف الصاعدة في عمليات سبر الآراء، لا تملك حلولا حقيقية، لكن حين أدرك جزء هام من الرأي العام أن الأحزاب الحاكمة تحاول التقليل من شأن هؤلاء، قرر الرد عبر توجيه رسالة رفض ونقد شديدة لتلك الأحزاب”.

ورأى الحاجي أن “البرامج المقدمة في العرض السياسي الجديد لم يبلغ بعد السقف الأدنى”.

وتساءل عن “قدرة الشخصيات المرشحة للرئاسة في نوايا التصويت، مثل قيس سعيد وعبير موسي ونبيل القروي، على خلق وزن برلماني”، معتبرا أن هذا الأمر “يؤثر لأن السلطة برلمانية”.

الإعلام وأزمة الديمقراطية

الصادق الحمامي، الأستاذ الجامعي بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار، اعتبر أن “هناك أزمة تعيشها الديمقراطية التونسية، تتمثل في العزوف (الناخبين) عن السياسة والملل منها”.

وأوضح الحمّامي، أن “الناس عزفوا عن السياسة، وهم في قطيعة معها، وهنا يبرز عدم ثقتهم في المؤسسات السياسية والأحزاب والسياسيين”.

وأرجع الحمّامي العزوف إلى سبب رئيسي قال إنه “يتمثل في تحويل السياسيين العمل السياسي من إدارة الشأن العام إلى إدارة التنافس على السلطة”.

ولفت إلى “مسؤولية الإعلام في ذلك، حيث تحول الأخير من آلية لإخبار التونسيين عن الحياة السياسية، وإدارة النقاش العام، إلى مشهد لصراع السياسيين حول السلطة”.

وشدد على أن “الإعلام ساهم بطريقة ما في العزوف عن السياسة، والقنوات التلفزيونية ساهمت في هذا العزوف لأنها لا تقدم برامج حوارية حول السياسة، بل حول السياسيين”.

طرح أيده الحاجي الذي ختم حديثه بالقول إن “التونسي لا يمتلك اليوم القدرة على تحمّل المزيد من المناكفات والخصومات”، محذرا من وجود أطراف لم يحددها، “تقود معارك سياسية وإعلامية كبرى”.ومن المقرر أن تجري تونس انتخاباتها التشريعية في 6 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، تليها الرئاسيات في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني.  (الأناضول)

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية