الفارق بين المالكي والعبادي وإمكانيات إنقاذ العراق

حجم الخط
2

عندما تم اختيار حيدر العبادي لتشكيل الحكومة العراقية خلفا لنوري المالكي، بدا اختياره بشرى جيدة وبرز وكأنه منقذ محتمل للبلاد. واعلن صناع السياسة في امريكا وفي دول الاتحاد الاوروبي وعدد من الدول العربية والاقليمية، فضلا عن امين عام الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي، عن الاعتقاد أن إنشاء حكومة تشترك فيها القوى السياسية الرئيسية الممثلة للمكونات العرقية والطائفية الرئيسة بالعراق جزء من الحل، باعتبار ان سلفه المالكي، وبسبب سياسة الإقصاء للسنة العرب، جعل بعضهم يتعاون مع داعش، وبسبب ضعف قوات الأمن والجيش العراقية، التي ابعد المالكي العناصر المهنية منها وسمح باستشراء الفساد بينها؛ فإن هذه القوات هربت من مواجهة مقاتلي داعش. غير أن تكليف العبادي رئيسا للوزراء جاء وفق ذات الاسلوب الذي كان سائدا في الأساس (تشكلت كل الحكومات العراقية منذ 2003، بما في ذلك حكومة المالكي، بطريقة التمثيل للمكونات نفسها) وهذا الاسلوب نفسه كان من بين الاسباب التي أدت لانحدار العراق نحو الهاوية. فالمشكلة الحقيقية ان الحكومات في العراق بعد عام 2003 كانت حكومات مكونات.. يتعاون الممثلون السياسيون للمكون الشيعي في اختيار رئيس وزراء، ويقوم ممثلو السنة العرب في اختيار رئيس لمجلس النواب، ويعمل ممثلو الاكراد على اختيار رئيس للجمهورية. ويشترك ممثلو المكونات الرئيسية الثلاثة في تشكيل الحقائب الوزارية، وبقية المناصب الرئيسية الاخرى. وهذا الاسلوب والسياسات التي اعتمدها الشركاء السياسيون والتي كانت تميل لتحقيق «المغالبة» في ما بينها، أدت الى إضعاف المؤسسات السياسية بالبلاد. وبالتالي أخفقت ترتيبات مشاركة السلطة في العراق في التكيف مع التغيرات الطبيعية لتوازن القوى في البلاد.
وإذا نظرنا لفترة حكم المالكي، سنجد أن الولايات المتحدة قدمت له الدعم كمرشح توافقي عام 2006، على أمل أن يحقق تعيينه الاستقرار ويسمح لواشنطن بنقل المسؤوليات الأمنية للحكومة العراقية. لاسيما ان اختياره تم برضا ايران وموافقتها.
ولكن المالكي سرعان ما انقلب على شركائه الذين أتوا به سعيا منه للتخلص من كل القيود التي تضعف سلطاته، فابتدأ بحملة ضد ميليشيات الصدريين (جيش المهدي) في البصرة وبغداد ربيع 2008. وهي حملة بدت لأول وهلة محاولة لتعزيز سلطة الدولة العراقية؛ ولكنها في حقيقتها لم تكن كذلك، اذ أن قيادة المالكي للعمليات بنفسه أثر على دور وزارة الدفاع، واتضح فيما بعد أنه اراد تعزيز قوته الخاصة في مواجهة المنافسين السياسيين في المكون الشيعي الذي ينتمي له، الذي كان يحاول الحد من سلطته ونفوذه.
وعندما تمكن من تأمين وضعه داخل المكون الشيعي، استخدم الطرائق نفسها لاستهداف الخصوم السنة، بعد انتخابات 2010، وفيما بعد حاول محاصرة المنافسين الاكراد وتنفيرهم. والسؤال الذي يطرح نفسه حاليا هو: من الذي يمنع العبادي من ان يكون مالكيا اخر، فهو يدين بموقعه للداعمين أنفسهم، الذين دعموا المالكي في 2006، كما أنه ورث مجموعة المؤسسات الضعيفة نفسها؟
من المفترض ان يكون العبادي قد تعلم من تجربة حكم المالكي والنتائج التي آلت اليها الاحوال في العراق. كما ان شخصية العبادي وحياته وتجربته تختلف جذريا عن سلفه المالكي، وان كان الاثنان ينتميان لحزب الدعوة. فقد أثبتت تجربة سنوات المالكي حقيقة مفادها أن الحكم الناجح في العراق يتطلب التواصل والطمأنة لكل المكونات العراقية. كما ان العبادي هو ابن مدينة بغداد بكل تنوعاتها وطوائفها ومكوناتها القومية والعرقية والدينية وتراثها وتسامحها وسعتها التي تتسع للجميع، ووالده طبيب كان محبا للعمل الخيري وللمساعدة والعمل الطوعي؛ ومن المؤكد أن تجربته تركت بصماتها على ابنه، وهذا واضح من دماثة الخلق التي يتمتع بها العبادي، على عكس سلفه المالكي، الذي نشأ في قرية جناجة في طويريج بمحافظة كربلاء، التي تضم مكونا واحدا، بينما تخرج العبادي من الجامعة التكنولوجية في بغداد وأكمل دراساته العليا بعد ذلك وعاش في بريطانيا وحصل على شهادات ابتكار، وهو بذلك أثبت في ميدان تخصصه قدرته على الابتكار، مجسدا للقول الإنكليزي المأثور «العالِمُ يكتشف الموجود، والمهندس يبتكر ما لا وجود له». بينما كان المالكي خريج اصول الفقه في النجف، التي هي الاخرى مقتصرة على المكون الشيعي، وهي كلية مقتصرة على الذكور فقط، وكانت دراسته للماجستير في اللغة العربية واقتصرت على تقديم رسالة بحث فيها شعر احد اقربائه، بينما امضى معظم حياته في حي السيدة زينب بدمشق بائعا لـ»الادعية والخواتم والسبح». وفي حين كان يتولى العمل التنظيمي لحزب الدعوة في سوريا تحت انظار المخابرات السورية مسؤولا عن الجناح الامني في الدعوة المسؤول عن تنفيذ «العمليات الجهادية»، التي كان من بينها تفجير السفارة العراقية في بيروت عام 1981. وعلى عكسه كان العبادي مسؤولا عن تنظيم الدعوة في اوروبا والعمل الثقافي فيه. والمقارنة السابقة بين المالكي والعبادي، رغم ان كليهما ينتميان لحزب الدعوة، تنبئ بان العبادي يفترض ان يكون مجددا على الاقل كونه بدأ مشواره المهني مبتكرا. ومع ذلك، فمن المحتمل أن يغوي استمرار البنية السياسية والسلطوية القائمة في العراق العبادي الى الاتجاه ذاته الذي سلكه المالكي.
غير ان احتمال استمرار هذه البنية أصلا أضحى مستبعدا، لان الاتجاه القائم لدى كل الاطراف السياسية هو العمل من اجل مأسسة الدولة وممارسة السلطة، والاوراق التفاوضية التي تقدم بها كل الشركاء من السنة والاكراد تضمنت ايجاد اطر سياسية وقانونية، من شأنها ان تهيئ لشراكة حقيقية وتمنع التفرد بالقرار. كما ان هناك اتجاها لدى بعض الاطراف الشيعية بضرورة ان تثبت الحكومة العراقية فرصة ان مكونات العراق المتنوعة والشركاء السياسيين لديهم الرغبة والجدية للعمل من خلال دولة المواطنة وليس دولة المكونات.
وبموازاة ذلك تعمل واشنطن مع المكونين السني والكردي في كافة مفاصل ادارة الدولة على تأسيس اقليم سني على غرار الاقليم الكردي، اذا لم تتحقق الشراكة الحقيقية التي ترضي الجميع في الحكومة التي يرأسها العبادي. وفي الكواليس تتحدث اوساط سياسية كردية وسنية عراقية، ان واشنطن ستعمل على اضعاف تحالف الاحزاب الدينية الشيعية وتحكمها في مفاصل الدولة، اذا ظل هذا التحالف يبدي خضوعا للنفوذ الايراني.
وفي الواقع لا تستطيع الولايات المتحدة خاصة من خلال وجودها العسكري المحدود في العراق أن تسيطر على المسار الذي سوف تتخذه البلاد. ويجب ألا تتوقع أن تحل الصفقة الحالية لتقاسم السلطة المشكلات السياسية بالعراق، كما يجب ألا نتوقع أن تتغير الديناميات السياسية الحالية بالبلاد من خلال تقديم السلاح كمكافأة لتشكيل حكومة جديدة. ومن الواضح ان ترتيبات ادارة الحكم الاخيرة في العراق لم تكن مطابقة للتفضيلات الايرانية، فانتخاب الرئيس فؤاد معصوم لم يكن على الهوى الايراني، فطهران لم تكن تريده؛ و كانت ترغب بالاتيان ببرهم صالح، ولم يخطر على بالها ان يكون معصوم هو من ينتخب ليكون رئيسا، وبالتالي باتت تشعر بقلق ازاء انتخابه لما يتميز به من استقلالية ووطنية تقدم المصلحة العراقية على مصالح اصحاب الكلمة العليا في عراق ما بعد 2003. كما ان تكليف العبادي كان هو الاخر يتعارض مع التفضيلات الايرانية، التي كانت تطرح اسماء بدلاء للمالكي ليس من بينها العبادي..
وبالطبع أن هذا الامر لا يعني افول التسلط الايراني، بل ان ايران تتجه لتنفيذ استراتيجية جديدة محورها تنظيم قوات تعبئة عسكرية شيعية موازية، تضم في صفوفها الميليشيات الشيعية الموجودة الان في العراق والخاضعة لايران لقتال داعش وحواضنها، وهذه الاستراتيجية التي كُلِف بها الجنرال حسين همداني البديل للجنرال قاسم سليماني في العراق. ولكن مع هذه المعوقات، هناك ايضا تطورات واضحة في المشهد العراقي تشي بأمور سارة، من بينها اصرار الرئيس فؤاد معصوم على ممارسة مسؤولياته، انطلاقا من فكر ورؤية استراتيجية عميقة، تجلت خلال الاســـابيع الماضية في احاديثه الصحافية والسياسية وتركيزه على مسائل عديدة فـــي المقـــدمة منـــها: الدعوة الى تشكيل مجلس اعلى للدفاع، وتشكيل مجلس وطني للسياسات العليا، وتفعيل المصالحة الوطنية، ومكافحة الفساد، واعادة ترميم العلاقات العراقية مع دول الاقليم والعالم، وتشكيل مجلس للاعمار.
بالطبع للرجل اولويات في اطار هذه الرؤية الاستراتيجية الشمولية، والاولويات يفرضها الواقع، والواقع يشير الى حاجة البلاد السير بكل مفاصلها في اتجاه مكافحة داعش وارهابه، وهذه مهمة مناطة بالدرجة الاولى بالقوات العسكرية والامنية، وحتى يتحقق ذلك لابد ان تكون البداية هي مأسسة العمل العسكري والامني.
ولذلك فان الرئيس اعطى الاولوية القصوى لتشكيل مجلس اعلى للدفاع تكون مهمته العاجلة في اعادة تقوية الجيش العراقي والأجهزة الأمنية على أسس متينة ومهنية، بينما تكون مهمة هذا المجلس الاستراتيجية متكاملة مع المجلس الوطني للسياسات العليا في المحافظة على المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والاجتماعية، وحمايتها وتنميتها في ضوء تصور استراتيجي شامل، وتقويم واقعي للأوضاع الداخلية والخارجية ذات التأثير والأهمية على أمن البلاد ووحدة أراضيها، وسلامة شعبها واستمرار مصالحها. وهذا الاتجاه يلقى قبولا داعما ضاغطا من قبل الاطراف السياسية الرئيسية نحو تحقيق ذلك سريعا.

٭كاتب وصحافي عراقي

عصام فاهم العامري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية