رغم التصعيد… ترامب قد يدعو روحاني بـ «الصديق العزيز»

حجم الخط
0

لقد مر أسبوع على إسقاط الطائرة المسيرة الأمريكية من قبل الإيرانيين في سماء الخليج، ولم تحدث أي عملية جديدة في المنطقة، إذا لم نعد هجمات الحوثيين في اليمين على المطارات في جنوب السعودية. الهجمات الغامضة على ناقلات النفط – التي يطلب اتحاد الإمارات إثباتات أخرى على أن إيران هي المسؤولة عنها حلت محل حوار الكلمات الشديدة. الإدارة الأمريكية حظيت بتشخيص طبي إيراني كـ «ينقصها العقل»، إيران تهدد بأنه إذا مست الولايات المتحدة سيادتها ثانية فإن ردها سيكون أشد بكثير «بعد التجربة الناجحة في إسقاط الطائرة المسيرة»؛ في حين أن الرئيس الأمريكي ترامب وعد بـ «تدمير شامل» لإيران إذا حاولت الاشتباك مع قواتنا.
خلال ذلك، كل طرف يؤكد بأنه لا يريد الحرب. ترامب يكرر مطالبته بإجراء مفاوضات مباشرة مع إيران، وهي من ناحيتها ترفض الاقتراح لأنها لا تثق بالولايات المتحدة. ولكن الساعة لا تتوقف. أمس دخل إلى حيز التنفيذ تهديد إيران بزيادة كمية اليورانيوم المخصب بمستوى 3.7 في المئة إلى ما بعد 300 كغم المسموح لها بها حسب الاتفاق النووي. المرحلة الثانية يمكن أن تدخل إلى حيز التنفيذ في 7 تموز. في حينه، تهدد إيران، بأنها ستخصب يورانيوم بما يتجاوز النسبة المسموحة وربما حتى الوصول إلى 20 في المئة اذا لم تجد دول أوروبا الموقعة على الاتفاق حل عملي لتجاوز العقوبات.
ليس لأي طرف من الطرفين في هذه الأثناء استراتيجية مرتبة للمواجهة، وتحديداً في مسألة العمليات التي وقعت في الخليج، بل إزاء الخرق المتوقع للاتفاق النووي.
رئيس فرنسا، عمانويل ميكرون، أجرى هذا الأسبوع محادثات متواصلة مع الرئيس الإيراني حسن روحاني ومع الرئيس ترامب، حاول فيها تهدئة التوتر وتقليل خطر المواجهة. لقد وعد ترامب علناً بأن فرنسا تعارض أن تحصل إيران على السلاح النووي، في حين أنه يسوق لروحاني جهوده لتطبيق النظام الأوروبي البديل للتجارة والذي لم ينجح حتى الآن في الانطلاق.
لا يقتصر صراع ليّ الأذرع في مسألة الاتفاق النووي الإيراني بين الدول العظمى الأوروبية والولايات المتحدة فحسب، داخل الإدارة الأمريكية نفسها يسود عدم اتفاق حول الطريقة التي يجب استمرار العمل فيها ضد إيران، سواء على المستوى التكتيكي أو المستوى الاستراتيجي الذي يتعلق بالاتفاق النووي. إحدى نقاط الخلاف وغير الوحيدة، تتعلق بمسألة التصريح الموجود لدى إيران لتطوير المشروع النووي للأغراض السلمية. هذا التصريح يستند إلى ميثاق منع انتشار السلاح النووي الذي وقعت عليه طهران. وعلى البنود في الاتفاق التي تسمح لها بصورة صريحة بامتلاك اليورانيوم المخصب لأغراض البحث وإنتاج الكهرباء. هذا نشاط تقوم به في مفاعل بوشهر ومفاعل أراك ومفاعل بوردو.
مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون هو رأس الحربة في صياغة السياسة ضد إيران. بولتون الذي يستند إلى الدعم السياسي للسناتورات الجمهوريين تيد كروز ومارك روبيو، يطلب من الرئيس إلغاء هذا التصريح، وبهذا يستكمل انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. وزير الخارجية مايك بومبيو، من الصقور المتشددين، يعارض إلغاء هذا التصريح بسبب الخوف من أن تنتج إيران بنفسها الكميات المطلوبة لها. في المقابل، دول أوروبا تأمل أن استمرار منح الأذونات من قبل الولايات المتحدة قد يدلل على استعداد إبقاء أجزاء من الاتفاق على الأقل على حالها، وعدم تحطيم كل الأدوات.
في هذه الأثناء وافق ترامب على مواصلة منح التصاريح، لكن مع تحديد فترة الزيارات لفحص الانحراف عنها كل 90 يوم بدلاً من 180 يوماً، كما نص الاتفاق. يبدو أن التناقض المتمثل بانسحاب ترامب من الاتفاق لكنه يواصل تطبيق بنود فيه، لا يقلقه. هذا هو تناقض هامشي نسبياً مقارنة مع التناقض الكامن في مطالبته بإجراء مفاوضات مع إيران بعد أن انسحب من الاتفاق رغم حقيقة أن إيران طبقت بنود الاتفاق بشكل كامل. قرار طهران زيادة كمية اليورانيوم المخصب قد يحدد مصير الأذونات، لكن إذا قرر ترامب إلغاءها فإنه سيعزز ادعاء إيران بأنها بالإجمال تنتج ما يحق لها إنتاجه حسب الاتفاق.
في ظل غياب استراتيجية سياسية أو عسكرية – باستثناء التهديد بمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية التي على الاقل- حسب تصريحات ترامب- يسعى إلى الامتناع عنها، فليس من نافل القول فحص مغزى العقوبات الجديدة التي فرضها على إيران. حسب أقوال وزير المالية ستيفن ميلوتشن، فإن فرض العقوبات على الزعيم الأعلى لإيران علي خامنئي، ينبع من مكانته كمتخذ للقرارات، واعتباره المسؤول عن تشغيل حرس الثورة الإيراني الذي اعتبرته واشنطن في نيسان الماضي منظمة إرهابية.
ميلوتشن أوضح أن الزعيم الأعلى يسيطر على صناديق وممتلكات تقدر بأكثر من 200 مليار دولار وتستخدم، ضمن أمور أخرى، لتسليح إيران وتنفيذ نشاطات عسكرية خارج الدولة. يمكن التساؤل لماذا ترددت الإدارة الأمريكية حتى الآن قبل أن فرضت العقوبات على خامنئي، لكن الأكثر أهمية هو معرفة أن في أيدي إيران قدرات اقتصادية ضخمة يمكنها أن تسمح لها بإدارة شؤونها اليومية لفترة زمنية طويلة حتى موعد الانتخابات القادمة للرئاسة الأمريكية في تشرين الثاني 2020. في ظل غياب إشراف حكومي ومعطيات مكشوفة عن أسلوب استثمار أموال صندوق خامنئي الذي تم تأسيسه في عهد الخميني من أجل تمويل ترسيخ الثورة الإسلامية سيكون من الصعب تنفيذ هذه العقوبات. كما أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال مودعة في إيران. العقوبات على وزير الخارجية محمد جواد ظريف تضع ترامب على مسار المصادمة مع الأمم المتحدة إذ إن معناها قد يكون منع تأشيرة الدخول عن طريق غرض المشاركة في الجمعية العمومية، وهي خطوة غير مسبوقة تعارض ميثاق الأمم المتحدة.

يتمسكون بالعقوبات

إذا تمسك ترامب بالعقوبات كوسيلة لإقناع إيران بالجلوس على طاولة المفاوضات، سيصعب أن نفهم منه إلى أي اتفاق يسعى. قبل سنة تقريباً عرض بومبيو وثيقة الـ 12 نقطة التي تضمنت المطالب التي على إيران تنفيذها في كل المجالات من أجل أن ترفع الولايات المتحدة العقوبات عنها. التفسير المقبول يقول إن الـ 12 طلباً يمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات: الفئة الأولى هي مطالب تستطيع إيران الموافقة عليها.
وهذه تشمل على سبيل المثال كشف البرامج النووية العسكرية لها التي سبقت التوقيع على الاتفاق النووي. هذه معلومات يمكن الحصول عليها أصلاً من الوكالة الدولية للطاقة النووية إلا إذا كانت الولايات المتحدة تريد «اعتراف» إيران بأنها طورت برامج نووية عسكرية. مثال آخر هو المطالبة بالوصول الفوري إلى المنشآت المشتبه فيها في كل أرجاء إيران وهو بند يوجد الآن في الاتفاق النووي، لكنه يمنح طهران فترة زمنية مدة 24 يوماً من أجل الاستجابة لهذا الطلب. وهناك مطالب مشمولة في هذه الفئة مثل إطلاق سراح مواطنين أمريكيين أو ذوي جنسيات مزدوجة من السجون الإيرانية، وهو طلب من شأن إيران قبوله بدون صعوبة كبيرة؛ وقف المساعدات لطالبان في أفغانستان التي تمنحها إيران، ضمن أمور أخرى، من أجل الدفاع عن نفسها من نشاطات إرهابية لداعش، ولكن حسب ادعاء الإدارة الأمريكية هذه المساعدة تستهدف تشجيع طالبان على المس بالقوات الأمريكية؛ وكذلك المطالبة بأن توقف إيران التهديد لحلفاء الولايات المتحدة، لا سيما إسرائيل والسعودية، وتهديد المرور في مضائق هرمز.
الفئة الثانية تشمل بنوداً ستجد إيران صعوبة في تنفيذها مثل وقف تدخلها في الشؤون الداخلية في العراق وتمويل المليشيات الشيعية العاملة هناك. أو على سبيل المثال وقف المساعدة للحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان وسحب القوات الإيرانية من سوريا.
الفئة الثالثة تتميز بأنها طلبات ترفض إيران الاستجابة لها لأنها تمس بقلب أمنها القومي. وهذه تشمل إغلاق منشأة المياه الثقيلة في اراك ووقف إنتاج البلوتونيوم لأغراض عسكرية؛ وقف إنتاج وتطوير صواريخ بالستية ذات قدرة على حمل رؤوس نووية متفجرة، وحل قوة القدس بقيادة قاسم سليماني.
هذه المطالب فقدت مع مرور الوقت أهميتها. ومؤخراً لا يذكرها ترامب عندما يتحدث عن الرغبة في إجراء محادثات مع إيران. ربما يمكن التحدث مع طهران حول الجزء الأكبر من هذه الطلبات دون الانسحاب من الاتفاق النووي، من خلال بناء علاقات ثقة تستند إلى اعتماد اقتصادي مع الغرب بدلاً من العقوبات والتهديدات. ولكن ما لا يجد له تفسيراً أو تفصيلاً هو الخطوط الحمراء للولايات المتحدة، وعن أي طلب يمكن أن يكون ترامب مستعداً للتنازل ومقابل ماذا. هل سيوافق مثلاً على أن يبيع لإيران طائرات قتالية مقابل وقف مشروع الصواريخ الذي يخدمها كبديل للضعف التام لسلاح جوها؟ هل يعد سحب قواتها من سوريا مهماً بالنسبة له أكثر من اعترافها بوجود برنامج نووي عسكري ليس له أهمية اليوم؟ وما الذي هو مستعد لتقديمه مقابل ذلك، حيث لا يبدو أن إيران ستكتفي برفع العقوبات الذي وعدت به في الاتفاق النووي وستطلب إضافة مهمة، بحيث إنها إذا وافقت على إجراء مفاوضات يمكن للنظام عرض إنجازات ملموسة وأن لا تظهر كمن خضع للضغط الأمريكي. في هذه الأثناء تطرح إيران موقفاً مشابهاً للموقف الفلسطيني الذي يقول إن مجرد الموافقة على إجراء المفاوضات مع الولايات المتحدة يعتبر استسلاماً، إذا لم يكن هزيمة. ولكن طهران سبق وأثبتت في السابق أنها تعرف كيف تجد صيغاً ذات سحر عندما تقرر تغيير سياستها مثل تعبير «مرونة بطولية» الذي وضع الأساس للمحادثات حول الاتفاق النووي. «أنا أتفق مع ما اعتبرته قبل سنوات «مرونة بطولية»، لأن هذه المقاربة جيدة جداً وضرورية في حالات معينة، طالما أننا نتمسك بمبادئنا»، قال خامنئي في 2013. في حين أن منصور حقيقة بور، الذي يشغل الآن منصب مستشار رئيس البرلمان الإيراني، أوضح في حينه بأن «تحسين العلاقة بين إيران والولايات المتحدة سيكسر العمود الفقري للكيان الصهيوني والأنظمة الرجعية في الشرق الأوسط». أجل، هذا هدف إيراني جدير يستحق من أجله إجراء مفاوضات مع ترامب.

تسفي برئيل
هآرتس 28/6/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية