المتخيّل الإبداعي تجاوز الرؤية المحدودة للجسد: الكتابة النسائية بين الخفاء والتـجلي

رشيد سكري
حجم الخط
0

للكتابة النسائية طابعٌ متميز. فعلى الرغم من التحايل على الذات والموضوع، يظل أدبُ المرأة ذا خصوصية، تجعله متفردا في رؤيته للعالم. فهو يطل ـ أي الأدبُ ـ على عوالم المرأة الحميمية في مواجهتها لمتطلبات الحياة الاجتماعية، المادية والمعنوية. فالنظرة ذات البعد الفيزيولوجي، عند المرأة، غالبا ما تُبوصل، وتُبئـِّر النشاط الإبداعي من خلال سبر أغوار التجربة في الحياة. وفي هذا المضمار، كان لجسد المرأة حظوةُ أسْنى في مساحة الإبداع، وذلك عبر التفافها على إيقاعاتها الأنثوية. إلا أن ما يطرأ على تضاريس الجسد من تبدلات وتغيرات فيزيولوجية ونتوءات حالمة، كانت وما زالت مادة دسمة في أدبها، للإثارة ولفت انتباه القارئ إلى عالمها القرمزي الفاتن، وما تشيده من عوالمَ ساحرة.

غير أن المتخيل الإبداعي، في الكتابة النسائية، تجاوز هذه الرؤية الموضعية المحدودة للجسد، بل تخطاها ليلامسَ جوانبَ أكثر إثارة في سيرورتها الإبداعيَّة. بالمقابل كانت هناك صحوة المتخيل عند المرأة المبدعة، خصوصا، مع موجات التحرر التي اجتاحت الأدب العالمي وتخلصه التدريجي من أدب الوصاية، لاسيما وقد أدرك المتخيلَ وعيٌ خطيرٌ بأهمية التطوير والإبدال نحو منافسة حقيقية، واقتحام لا مشروط لعوالمَ ثقافيَّةٍ كانت حِكرا على الرجل. فمهما كان الإبداع الذي يدمر الواقع، بنفس خشن الملمس، تجيء ثقافة الذكورة حاملة طاقة كلها حيويَّة، من أجل تغيير الأماكن والأدوار، حيث أضحت اللغة مادة لينة ومطواعة، تصف عوالم الجنسين معا بحميمية وإخلاص. إلا أن القاسم المشترك بين ما هو ذكوري وما هو نسويٌّ، يظل بؤرة حمئة يتقاسمها الوازعُ الإنسانيُّ على حد سواء، فضلا عن طموحه ـ أي الوازع الإنساني ـ نحو مكاشفة الواقع، ورفع الستار عن حياة ظلت ملتبسة وغامضة.

فمن خلال مبدعات مغربيات وعربيات، بدأن مسيراتهن الإبداعية على إيقاع الثورة على أقنوم الجسد، في غمار ذلك، يتضح مدى إصرارهن الكبير على قلب الطاولة على الجمود الفني والجمالي في الكتابة النسائية. علاوة على بحثهن الجامد والمستمر عن ضفاف أثيلة، تتحقق فيها ذواتهن العطشى إلى التميز والانفراد. فمهما كان الحديث، عن التجربة الإبداعيَّة، بما هي تظهر تلك الخصوصية والتفرد، لا على مستوى الذات وحسب، بل حتى على مستوى الموضوع، فإن المتغيرات الجسدية عند المرأة تظل الوتر الحساس والسَّمفونيَّة الطروب، التي يعزفها الإبداع النسائي، مما يبعدها عن إدانتها للواقع الذي تعيشه. ففي سنة 1999 نشرت الكاتبة المغربية زهرة زيراوي نصا قصصيا في مجلة “الثقافة” المغربية، التي كان يديرها آنذاك الكاتب المغربي عبد الحميد عقار، يحمل عنوانا “دورة تكاد تكتمل” تقول فيه:

“مدفوعا أخرج من رحم أمّي

أن أهبط… أصوات مختلفة تتصاعد من حولي… ربي يعاونك

تتعلق يداي ست مرات في اليوم بزجاج بارد… حبل السُّرة لم يعد، الآن، يقينا”.

فالخروج من رحم، يراصفه ألم ومخاض، طقوس تعيشها المرأة وحدها. فهي كائن راكم تجربة الألم والمعاناة والمكابدة عبر مسيرة عمرية طويلة، بعيدة كل البُعد عن أن يكون الرجل مشاركا لها في ذلك. فمن خلال نص زهرة زيراوي، يتضح أن هذه الأخيرة دخلت مناطق لا تتسع دوائرُها إلا للإبداع النسائي فقط. فمن الطبيعي أيضا أن يكون لهذا العمل تداعيات جمَّة، لا على مستوى الإبداع وحسب، بل أيضا على مستوى بحثها الحثيث عن الحرية الذاتية، التي تدافع عنها المرأة في كتاباتها الإبداعيَّة.

إن الهروبَ إلى الخصوصية الإبداعية، عند المرأة، شطحٌ من شطحاتها في منتصف النهار، حيث وفرت المجال الأرحب لبلورة تجربتها في الكتابة، بعيدة عن أعين الرجل، الذي أصبح إبداعه، من منظورها، أسير الإدانة الشديدة للواقع والاحتجاج عليه فقط. غير أن هذا الاختيار الواعي، الذي سلكه الإبداع النسويُّ، لم يعد حبيس تلك الرؤية الضيقة لتفاعلها اللامشروط مع الذات، وإنما استطاعت أن توسع من رؤيتها للعالم بنفس جديد، بدون التفريط قيد أنملة في خصوصيتها الأنثوية. فما كانت لواعج الشوق والأحاسيس الفياضة للأنثى إلا مجالا خصبا لهذا التميز والانفرادية، علاوة على مسحة الشعور بالأمومة، كأحد الأعمدة والمنصات، التي تبني عليها صرح الإبداع عند المرأة. ففي سنة 2008 نشرت الكاتبة القطرية دلال خليفة مجموعتها القصصية “الخيل وفضاءات البنفسج”، تحكي الكاتبة في القصة، التي تحمل عنوان المجموعة نفسَه، عن علاقتها الحميمية بالمزرعة، التي أهديت لها من طرف الأب، حيث إن الأفراس ترتع في ربوعها ومروجها بين أشنـَّة وغياض الغدير. ولعل في سرْد دلال ما يجعلنا نحس ونشعر، فعلا، بأننا نودع معها جزءا من ذاكرتها، التي تختزن لحظات حنين ممزوج بوجع وألم دفينين. على اعتبار أن فك ارتباطها براشد، زوجها السابق، سيقابله تنازل نهائيٌّ عن خيول المزرعة. علاوة على تقمصها صفة الأمومة لمختلف الأفراس، التي نشأت وترعرعت في رحاب هذا البستان الفسيح وشبَّت بين عرائشه الظليلة. تقول دلال خليفة في “الخيل وفضاءات البنفسج”: “وهذه أحلامُ، ألطف الأفراس لديَّ، كثيرا ما تستأجر في المناسبات ليركبها الأطفال… لو سمعت يوما أن أحد الملائكة قد هبط إلى الأرض وتحول إلى فرس لظننت أنه أحلام. السن لها احترامها حتى إن كان المسن حصانا، لو تعلمين يا نور كم أكن من التقدير لهذه الفرس… إنها جدة كل هذه الخيول تقريبا… هل تصدقين إنني أشعر بأنها جدتي أنا أيضا؟”.

فيض الإحساس وشعور الأنثى بالألم، يصاحبه لظى الفراق، كل ذلك يُترجمُ إلى لغة تنساب مضاءة، كنبع يسرق ضوءَ القمر، فلدلال أوصاف تطفح أنوثة من خلال مقاربة برؤية متخيل الكتابة النسائية، علاوة على مغامرتها في الإدانة الشديدة لجشع الرجال والوصاية المزعومة، التي يحاولون إجبار المرأة على الخضوع لها في استسلام ووداعة، لأنه في نظرهم، أضحى قدرا ماضيا وصامتا كأبي الهول. غير أن الكاتبة السورية غادة السَمان، في باكورتها القصصية الأولى “عيناك قدري”، سلكت طريقا آخرَ، قارنت فيه بين رؤيتين، بل بين جنازتين تنشدان هزيمة نكراء َ للمرأة أمام مجتمع عربي لا يؤمن ولا ينصت إلا لنبض الفحولة والذكورة المتنمِّرة. تصور في “عيناك قدري” ضياع أنوثتها في أتون مبهمة وغامضة وسديمية، وفي ظل مستقبل يتشظى أمامها ويذوب كالثلج. فضلا عن تسليعها في مزاد زواج فاشل لا يحترم ناصيتها الأنثوية، وميلها العاطفي والجسدي. ومما زاد في تعميق جرح هذا الموقف هو توظيفها لعنصر السخرية اللاذعة من عقلية القبيلة والعشيرة السائدة في مجتمع عربي متزمت، لا يؤمن بتكافؤ الفرص والحظ بين الرجل والمرأة. تقول غادة السمان في قصة “رجل في الزقاق”، التي ترجمت إلى اللغة الإنكليزية: “لا فرق لدى أبي سواء نجحت أم رسبت. درست أم أهملت… المهم انتظار الرجل الذي يخلصه مني، من مصيبته الرابعة المغروسة أمام النافذة … مني أنا”. ولعل ما يزيد في الأمر سوءا، هو تلك الرؤية التي انطبعت عن الجنس الآخر، باعتباره سَجَّانا وجلادا للجسد، وجهان لعملة واحدة، سواء كان الآخرُ أبا أو زوجا أو أخا أو عمّا، حيث يعمل هؤلاء جميعهم على تحنيط المرأة، وجعلها مومياء من زمن مصري قديم وبائد، تقول الكاتبة: “لو كان لي بعض حريتي لأدركت منذ زمن طويل أن أحمد الذي سحرني بشاربيه الرفيعين، رجل متزوج وشبه أمِّي. وأن هوايته تحنيط النساء. ولجنبت الفرحة البلهاءَ يوم جاءت أمه تخطبني زوجة ثالثة، بعد أن سحرته غمزاتي، وإشاراتي السخيفة عند هذه النافذة”. فمن الشجاعة أن تستنهض الكاتبة هممَها، وتستعيد بعضا من جبروتها كأنثى، كي تعود إلى الحياة من جديد. وترمي وراءها عقودا من التخلف والتحنيط، الذي شل قدراتها وطاقاتها الحيوية. وتسير على درب الحرية والعلم، مراصفة الرجل في تقلد مناصب حساسة كانت حِكرا على الرجال، وتخلق منها شيئا آخر. فلم تعد ذلك الكائن الذي احترف ثقافة البكاء على الطلل والإذعان لجبروت الواقع، تقول السَمان في القصة نفسها: “انفجر البركان… انسكب المطر… هدرت السيولُ… أنهض والشرر يتطاير من مسامي وشعري وأناملي… نظرات أبي المذعورة تستوقفني قبل أن أخرج من الغرفة صارخة “لن أتزوج من هذا الرجل… أريد أن أتمم دراستي… أحمد يتضاءل أمامي، يتضاءل، يستحيل إلى قزم… يتسلل من دارنا مع أمه، وأنا أردد بلذة محمومة: أريد… أريد… للمرة الأولى أتجرأ على أن ألفظ كلمة أريد”.

إن لهذه الثورة، في وجه هذه الثوابت البالية، التي رسمها المجتمع العربي بعامة والمجتمع الدمشقي بخاصة منذ القديم، جُرأة تكسر من خلالها أغلالا وأصفادا ظلت تعمل على إقصائها الدائم والمستمر من بناء مجتمع متكافئ وديمقراطي، يؤمن بقوة الحرية والعلم. ومنه فإن الكاتبة غادة السمان سلكت سمتا مليئا بالحفر، وطويلا من النضال، معلنة انضمامها إلى طابور من الكاتبات العربيات، اللواتي احترفن تعرية الواقع العربي من التابوهات، التي اعتبرنها مجرد قناعات تخفي غابات من تسلط واستبداد وسلب الحرية، وفي مقدمتهن ليلى بعلبكي وكوليت خوري وليلى العثمان، وفاتحة مورشيد وخديجة مروازي ومليكة الصوطي … وغيرهن كثيرات.

وأخيرا، يطول بنا الحديث عن تجربة المرأة في الكتابة والإبداع، ويَبْقى الحكي مُلقى على غريب التخييل، وعلى طاقة مفعمة حيوية بالحلم والاستيهام. إلا أن الكتابة النسائيَّة تبقى إحدى اللبنات الأساسية، التي يشد عندها اكتمال صرح الإبداع في تجلياته الإنسانيَّة الرَّفيعة، فبدون رقة ولمسة جنون وحنين وحب كالبلسم الشافي، لا نستطيع أن نعلن عن عبير المرأة كعبير ورد في الكتابة. فمهما حاول الرَّجلُ فرض سطوته على مجالات الإبداع، يظل عاجزا، بل تتكسر مراياه عند هذه الأنامل المتمردة … التي احترفت سرقة القمر… فمن دون هذا الأخير لن نعرف للإبداع معنى ولا مغزى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية