حملة ترامب الانتخابية لولاية ثانية وملفات الشرق الأوسط

صادق الطائي
حجم الخط
0

من ولاية فلوريدا حيث أحد أكبر تجمعات مناصري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أطلق الرئيس رسميا حملة إعادة انتخابه لولاية ثانية مساء الثلاثاء 18 حزيران /يونيو الجاري، وقد حث مؤيديه على ما وصفه بـ “الحفاظ على هذا الفريق لمدة أربع سنوات أخرى”. شعار ترامب للحملة الجديدة مثل امتدادا لشعار حملته الانتخابية الأولى. إذ أشارت صحيفة “واشنطن بوست”، إلى إن الرئيس ترامب ومستشاريه أطلقوا حملة عملاقة ‏لانتخابات الرئاسة 2020 تحت شعار “إبقاء أمريكا عظيمة”‏ مذكرين بحملته الانتخابية السابقة التي كان شعارها “فلنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، وهو الشعار ذاته الذي استخدمته حملة الرئيس رونالد ريغان عام 1980. وذكر المراقبون ان القائمين على حملة ترامب الجديدة يسيرون وفق النهج الشعبوي نفسه الذي استخدم في الحملة السابقة.

المحللون السياسيون ينظرون إلى كيفية تعاطي الرئيس ترامب مع عدد من الملفات الساخنة في منطقة الشرق الأوسط، في محاولة لقراءة علاقتها أو تأثيرها وتأثرها بالحملة الانتخابية الثانية للرئيس ترامب، إذ يعتقدون إن سياسته تجاه هذه الملفات ربما ستكون مختلفة هذه المرة، وذلك نتيجة التغيرات التي حدثت بعد دخول ترامب للبيت الأبيض. فقد شاب سياسة ترامب الشرق أوسطية الكثير من الغموض في حملته الانتخابية السابقة، نتيجة ما اتسمت به تصريحاته الانتخابية النارية التي شابها الكثير من العنصرية تجاه مختلف القوميات والأجناس والأديان بدءً بالإسلام والمسلمين، مرورا بالجاليات اللاتينية التي ‏تعيش في الولايات المتحدة، وصولا إلى الشركاء الأوروبيين الذين ربطتهم علاقات أستراتيجية ‏بالولايات المتحدة على مدى عشرات العقود.

الملف الإسرائيلي

من الواضح ان سياسية الولايات المتحدة تجاه إسرائيل ‏إبان الفترة الرئاسية الأولى لترامب كانت الأفضل مقارنة بسابقيه من الرؤوساء الأمريكيين وبشكل خاص حقبة الرئيس اوباما، فقد خص ترامب تل ابيب بزيارته الخارجية الأولى، بعد ان زار العاصمة السعودية الرياض. وأبدى ترامب سعادته المفرطة ووعوده غير المحدودة بالتعاون مع إسرائيل في لقائه رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، كما تجدر الإشارة إلى ان دونالد ترامب هو أول رئيس أمريكي يزور حائط المبكى في مدينة القدس زيارة رسمية وهو في سدة الحكم، إذ كانت زيارات رؤوساء الولايات المتحدة السابقين للمكان نفسه‏ تتم إما وهم مرشحون للرئاسة وإما بعد ان تنتهي مدتهم الرئاسية.

كما أقدم ترامب على خطوة لم يجرؤ أحد ممن سبقه على اتخاذها، وهي خطوة نقل سفارة الولايات المتحدة من تل ابيب إلى القدس وما يتضمنه هذا الإجراء من اعتراف ضمني بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل. فقد أثار الرئيس ترامب انتقادات دولية، باعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، في ديسمبر/ كانون الأول عام 2017، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، في مايو/ أيار 2018. وقال ترمب في خطاب متلفز تم بثه في مراسيم الافتتاح بالقدس إن:”إسرائيل دولة ذات سيادة من حقها اختيار عاصمتها”، وأضاف أن:” القدس هي العاصمة التي أسسها الشعب اليهودي لنفسه في الماضي السحيق”. وقد حضر تدشين هذه الخطوة ابنة دونالد ترامب ايفانكا وزوجها، كبير مستشاري الرئيس، اليهودي جاريد كوشنر الذي بات يلعب دور عراب العلاقات المميزة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في خطوات ومشاريع عديدة ربما كان أهمها المشروع المريب الذي اشتهر اعلاميا بـ ” صفقة القرن”.

كما جاءت خطوة ترامب الأخرى في هذا الملف، والتي أثارت الكثير من الاستهجان في شهر آذار/مارس 2019، عندما وقع الرئيس ترامب في البيت الأبيض، على مرسوم ينص على اعتراف الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل. وقال ترامب قبل لحظات من توقيعه على المرسوم، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع بنيامين نتنياهو، عقب لقاء بينهما: “إنني اتخذ اليوم خطوة تاريخية لدعم قدرات إسرائيل في الدفاع عن ذاتها والتمتع بمستوى عال من الأمن الذي تستحقه. إسرائيل سيطرت على مرتفعات الجولان عام 1967 لحماية نفسها من التهديدات المقبلة”. وأضاف “اليوم عليها أن تدافع عن نفسها تجاه إيران والتهديدات الإرهابية في سوريا، بما في ذلك حزب الله، الذي قد يشن هجمات محتملة على إسرائيل”. لذلك يرى المراقبون ان اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة سيكون بين أبرز الداعمين لفوز ترامب بولاية جديدة نتيجة كل ما حصلت عليه إسرائيل في الولاية الرئاسية الأولى لترامب.

الملف الإيراني

اما الملف الثاني، الأكثر سخونة في المرحلة الراهنة فهو بالتأكيد الأزمة المتصاعدة مع إيران، ومحاولة إدارة ترامب تركيع النظام الإيراني عبر فرض حزم متعددة من العقوبات الاقتصادية على إيران وعلى من يتعامل معها اقتصاديا. وقد وصل التوتر بين واشنطن وطهران مديات غير مسبوقة في غضون الأيام الماضية على خلفية إسقاط منظومات الدفاع الجوي الإيراني طائرة أمريكية مسيرة متطورة، وكادت الحادثة ان تشعل حربا في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإيران لولا تراجع الرئيس ترامب عن قرار الضربة العسكرية في الدقائق الأخيرة.

وقد أبدى ترامب ضيقه واشمئزازه من دفع صقور إدارته باتجاه الحرب مع إيران، فقد ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن الرئيس ترامب قال في هذا الصدد لأحد مقربيه “هؤلاء القوم يريدون دفعنا للدخول في حرب. الأمر مقزز ولا نريد الانخراط في مزيد من الحروب”. كما أشارت الصحيفة إلى إشادة ترامب في هذا الصدد بمذكرة رئيس الأركان الجنرال دانفورد الذي أشار عليه بتوخي الحذر، بينما تحدثت الصحيفة عن خلافاته مع مستشاره للأمن القومي جون بولتون الذي كان يدفع بقوة لتوجيه الضربات المقترحة لإيران بأسرع وقت.

ويبدو جليا ان سياسة ترامب في هذا الملف لم تتغير منذ ان تسنم كرسي الرئاسة ومن المتوقع انها لن تتغير في الولاية الثانية، فقد تمثلت سياسة ترامب في هذا الملف باللعب الحذر على تضخيم الدور الإيراني وتصويره على شكل بعبع يهدد أمن منطقة الشرق الأوسط عبر سعيه لامتلاك السلاح النووي. ليمكن ذلك بالتالي إدارة ترامب من تحقيق مكاسب على جهتين، الأولى الدعم غير المشروط لأمن إسرائيل من التهديدات “الافتراضية” التي تقودها إيران وحلفاؤها في المنطقة، والثانية جني المزيد من الأموال الخليجية مقابل توفير حماية “افتراضية” لهم من البعبع الإيراني عبر توقيع المزيد من عقود شراء الأسلحة والخدمات الأمنية.

ويرى عدد من الباحثين والمحللين السياسيين ان ترامب سعى بقوة لتجنب الصدام العسكري مع إيران في هذه المرحلة بالذات نتيجة تأكده من التأثير السلبي لاندلاع النزاع المسلح على حملته الانتخابية، إذ سعى في ولايته الأولى إلى تقليص التواجد العسكري الأمريكي في مناطق النزاع الساخنة كالعراق وسوريا وافغانستان، وبالتالي فان تورط القوات الأمريكية في حرب إقليمية في الشرق الأوسط سيؤدي إلى خسارة ترامب الأكيدة لانتخابات الرئاسة 2020.

الملف العربي

يتركز الجزء الأكبر من انتباه ترامب وإدارته بالنسبة لهذا الملف على العلاقات والمصالح الأمريكية في منطقة الخليج العربي التي تعد تأريخيا منطقة مصالح ونفوذ أمريكية منذ منتصف القرن الماضي. فقد دشن الرئيس ترامب جولاته الخارجية بزيارة الرياض وحظي باستقبال أسطوري حينها، ووقع على أكبر سلسة صفقات في تاريخ المنطقة، إذ وصلت أرقام مبيعات الأسلحة والتقنيات الأمنية إلى حوالي 500 مليار دولار. وكان السعوديون فرحين بما حصلوا عليه برغم الفاتورة الباهظة التي دفعوها، إذ حصلوا على وعود بوقوف إدارة ترامب إلى جانبهم في ملف صراعهم مع إيران.

الملفت في أمر علاقة ترامب بالسعوديين هو تصريحاته الإعلامية التي تجاوزت كل حدود اللياقة والدبلوماسية وإشاراته المتكررة إلى ان على السعوديين دفع فواتير حمايتهم التي نقدمها لهم. وقد وصل أمر الاستهانة بالسعوديين من ترامب حدا جعل المراقبين يشيرون إلى إن ترامب كلما أراد جذب انتباه الجمهور في أحد خطاباته، حدثهم عن آخر مكالمة هاتفية مع الملك سلمان وكيف طالبه بأموال إضافية.

بينما كانت بقية الملفات في العالم العربي تبدو هامشية بالنسبة لترامب حتى إن بعضها حفل بلغط إعلامي مثل قرار ترامب سحب قوات بلاده من شرق سوريا، وإن مثل ذلك القرار ترك حلفاء الولايات المتحدة من أكراد سوريا يلاقون مصيرا خطيرا بين فكي كماشة الجيش التركي والجيش السوري. كما ان زيارة ترامب المتخفية اليتيمة للعراق والتي لم يلتق أثناءها بأي مسؤول عراقي تشير إلى مدى عدم اهتمامه بالملف العراقي وسعيه إلى تخفيض التواجد الأمريكي في العراق وسوريا إلى الحد الادنى.

لذلك يرى المراقبون إن تأثير ولاية ترامب الثانية على الملف العربي سيتركز في الخليج العربي ومحاولة توجيه حكومات دوله للتعاون مع إسرائيل سواء عبر المنصات الاقتصادية التي يعمل عليها ترامب ونسيبه كوشنر، أو عبر تمتين العلاقات السياسية والعسكرية لمواجهة تمدد النفوذ الإيراني. لكن ربما في لحظة مارقة من عمر هذه المنطقة المنكوبة تتغير كل معطياتها السياسية نتيجة إطلاقة مجهولة لا يعلم أحد من أطلقها لتشتعل المنطقة وتنقلب كل السياسات المرسومة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية