الناصرة – “القدس العربي”: يتوقع باحث إسرائيلي ان إحراز أي اتفاق لتسوية الصراع مع الشعب الفلسطيني سيشعل حربا أهلية بين الإسرائيليين أنفسهم أو بينهم وبين الفلسطينيين. ويقول بروفسور مناحيم كلاين إن أي حلّ للمواجهة الإسرائيلية – الفلسطينية سوف يجرّ تمرداً مسلحاً ضد الحكومة الشرعية، بل سيجر حرباً أهلية بمدى معيّن. يشار إلى ان كلاين كان أحد واضعي “مبادرة جنيف”، وهو أستاذ جامعي متخصص في تاريخ القدس مع التشديد على العلاقات اليومية بين العرب واليهود فيها. ووردت أقواله هذه في سياق مقالة نشرها أخيراً في الملحق الأسبوعي لصحيفة “هآرتس” ترجمها المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية ( مدار). وقال ان النقاش المتواصل بين مؤيدي حل الدولتين وبين أنصار الدولة الواحدة هو نقاش حول الهدف: هل أحدهما حل مثالي أم واقعي وكيف سيبدو هذا الحل؟
ويضيف ” في ثمانينيات وتسعينيات القرن الفائت كان الجواب على هذين السؤالين واضحاً: حل الدولتين يحظى بدعم دولي، وإلى حد ما بدعم غالبية الإسرائيليين والفلسطينيين، والسبيل للوصول إليه هو بواسطة مفاوضات مباشرة بين الطرفين. ترتكز هذه المفاوضات على حدود 4 يونيو/ حزيران 1967 مع تبادل أراضٍ”. ويقول انه على النقيض من الإجماع الدولي، فإن “صفقة القرن” لصاحبها ترامب تسعى إلى فرض مخطط آخر، مفصّل وفقاً لمقاس اليمين الإسرائيلي. معتبرا ان فشل المفاوضات التي أطلقها اتفاق أوسلو، وتوسيع المستوطنات خلال المفاوضات ومنذ العام 2000، زاد لدى الإسرائيليين والفلسطينيين من أسهم حل الدولة الواحدة. ولفت إلى تطور رؤية في إسرائيل مفادها غياب الحل وضرورة إدارة الصراع. ويقول إنه حتى لو كان الجدل حول الهدف مهماً، فإن المتناقشين يتجاهلون السؤال بشأن السبيل للوصول إليه. ويوضح انه ليس المقصود إن كان السبيل فقط بواسطة “عملية سياسية” أو فرض حلّ من قبل المنظومة الدولية. ويتابع ” لا أقصد أيضاً سؤال ما إذا كانت حركة BDS هي وسيلة ناجعة لدفع الحل. مناقشة هذه المسائل تفترض أنه لو لم يكن الطرفان قادرين على جسر الفجوة بين مواقفهما خلال المفاوضات، فإن المنظومة الدولية سوف تجبرهما على فعل ذلك. مع ذلك، يجب طرح السؤال عما إذا كان المجتمعان سيقبلان بالحل الذي يتوصل إليه قادتهما، سواء توصلوا إليه بقواهم الذاتية أو وافقوا على قبوله تحت ضغط دولي كبير”. ويعتقد كلاين انه مع أن الاتفاق أو الضغط الدولي لا يلوحان حالياً في الأفق فمن الجدير التفكير في هذا السؤال؛ لأنه سوف يصبح راهناً في مرحلة مقبلة. ويضيف “أريد طرح الفرضية التالية: كل حلّ للمواجهة الإسرائيلية -الفلسطينية سوف يجرّ تمرداً مسلحاً ضد الحكومة الشرعية، بل حتى سيجر حرباً أهلية بمدى معيّن. لست من حملة لواء الحتمية التاريخية. ممكن بالتأكيد ألا يندلع التمرّد، لأن كل طرف سيعرف كيف يتعامل مع المتطرفين لديه، ويتغلّب على التمرد قبل أن يتحول إلى حرب أهلية. لكن هناك حاجة، كي يحصل ذلك، في طرح السؤال والخوض فيه، لغرض معرفة كيفية تقليص الأضرار في حال تحقق أحد هذين الاحتمالين”.
وفي موضوع خديعة “انعدام الشريك” الفلسطيني يقول إنه سيركز على الجانب الإسرائيلي، لأن الأسباب التي قد تؤدي إلى تمرّد أو إلى حرب أهلية، تختلف عن تلك التي قد تتطور في الجانب الفلسطيني.
حق العودة
واعتبر ان الرفض الفلسطيني لاتفاق دائم وفقاً لمقاييس مبادرة السلام العربية سوف يستند إلى تسويغات دينية وقومية رمزية: تنازل عن عودة كاملة للاجئي 1948 إلى إسرائيل، منح الشرعية للصهيونية وإسرائيل والتنازل المطلق عن أرض فلسطين، التي تقوم عليها إسرائيل. في المقابل، فإن الرفض في إسرائيل لن يكون مدفوعاً بأسباب رمزية فقط، بل أيضاً بفعل مصالح مادية. ولذا يعتبر الباحث الإسرائيلي أنه علاوة على ذلك، فإن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق استقلال كامل سيشكلان إنجازاً فلسطينياً تاريخياً يخفف من ألم التنازلات لديهم. أما في الجانب الإسرائيلي، فنحن نتحدث عن فشل مدوٍّ: إمكانية اندلاع تمرّد أو حرب أهلية ليست افتراضية. وتحققها يحوم في الفضاء العام ويشغل وعي متخذي القرارات. ويتابع “الفيل القابع داخل الغرفة يسبب تشدّداً في المواقف. الجانب الإسرائيلي، بفعل أسباب مختلفة، ولكن أيضاً كي يهرب من مواجهة داخلية، يفضّل الإعلان أنه لا يوجد شريك، أو عرض مواقف من شأنها منع أي احتمال للبدء بمفاوضات “. في المقابل يرى كلاين انه بموازاة ذلك، يسود في المجتمعين تشاؤم بخصوص استعداد الطرف الآخر لقبول التسوية، لافتا لوجود المزيد من الأصوات التي تؤيد حل الدولة الواحدة، بتسويغ استحالة إخلاء المستوطنين. وبعد السؤال لماذا يشكل إخلاء المستوطنين عائقاً بهذه الدرجة من الجدية يؤكد ان الجواب موجود بالحقيقة ان مشروع التوسع الاسرائيلي والسيطرة على السكان الفلسطينيين هو مشروع الدولة الأكبر الذي أدارته إسرائيل في أية مرة بتاريخها معتبرا ان حجمه من حيث الزمن والمساحة وتكاليفه غير مسبوق في تاريخ إسرائيل. ويضيف “أخمّن أن إقامة الدولة كلّفت أقلّ من توسعتها بعد 1967. كل الدولة تقريباً مستثمرة في المشروع. ونبه إلى ان الحديث ليس عن استثمار ايديولوجي ونقل سكان إلى مناطق فلسطينية فقط، بل أيضاً عن توفير عمل لمئات ألوف أو ملايين الإسرائيليين، ومراكمة أرباح من تصدير معرفة، تكنولوجيا ومنتجات أمنية تم تطويرها لغرض السيطرة الإسرائيلية على أرض وسكان فلسطينيين.
انعطافة كبيرة
ويرجح ان وجود دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة سيجبر إسرائيل على القيام بانعطافة شاملة في نهجها، بما يتجاوز كثيراً اتخاذ قرار سياسي أو إخلاء نحو مئة ألف مستوطن. ولذا يؤكد كلاين إن الاستثمار الإسرائيلي في السيطرة على السكان الفلسطينيين قد ازداد كلما ازداد التوسع الإسرائيلي. ويقول انه في العام 2002 أعادت إسرائيل احتلال الضفة الغربية وحوّلت السلطة الفلسطينية الى مقاول ثانوي، بواسطة التنسيق الأمني. منذ ذلك الحين نشأ واقع لسلطة واحدة بين نهر الأردن والبحر المتوسط. تحت هذه السلطة، تسيطر المجموعة الإثنية اليهودية على تلك الفلسطينية. ومقابل الفجوة العميقة بينهما في علاقات القوة، حقوق الإنسان ومنالية الموارد، هناك تكافؤ ديمغرافي بين المجموعتين الإثنيتين العدوتين.
ويلفت إلى ان الميزان الديمغرافي الذي ترجح كفته في غير صالح اليهود، يلزمهم بتعميق سيطرتهم على الفلسطينيين. وفي نظرته للعمق يشير الى أن المستوطنات لا تنتج ضماً على أرض الواقع فقط، بل تشكل أيضاً أداة سيطرة على الفلسطينيين: كلما ازداد الاستثمار يصبح من الأصعب على المجموعة اليهودية – الإسرائيلية التحرر منه، والتنازل عن الامتيازات التي توفرها لها مكانتها كمسيطرة. ويوضح أن الأغلبية اليهودية تقوم بتجنيد سلسلة من التسويغات لغرض إضفاء الشرعية على مسيرة الحماقة التي تواصلها. ويقول انه في رأس تلك التسويغات هناك الأمن لافتا الى ان الجانب اليهودي يشعر بما يهدد استعلاءه وقدرته على السيطرة. ويزعم ان هذا التهديد لديه ما يثبته على أرض الواقع، لكن كثيرين في الجانب اليهودي يفسرون ذلك، خطأً، كتهديد وجودي. هذا يصعّب عليهم القيام بتغيير الوجهة.
من هو المستوطن؟
وبخلاف تقديرات كثيرة يعتبر كلاين أنه من الخطأ التفكير أن المشكلة المطروحة هنا نابعة بالأساس من عدد المستوطنين. ويقول صحيح أن جمهور المستوطنين كبير، أكثر من نصف مليون شخص، وليسوا جميعاً متطرفين على شاكلة قتَلة عائلة دوابشة وثمة منهم من يؤمن فعلا بالتعايش المشترك مع جيرانهم الفلسطينيين، أو بالحاجة إلى قبول حسم الأغلبية الديمقراطية. ولكن يجب تذكّر أن المستوطنين كفصيل سياسي، ديني واجتماعي، لا ينحصرون في نطاق الضفة الغربية. بكلمات أخرى، ليس موقع السكن ما يحدد من هو “المستوطن”. ويضيف ” من هذه الناحية هناك “مستوطنون” في نطاق إسرائيل أيضاً – أي من تماثل رؤيتهم الدينية والسياسية والأمنية والقومية تلك التي لدى المستوطنين المتطرفين. وحسب تقديرات كلاين فإن قسما منهم قد يحمل السلاح من أجل إحباط قرار ديمقراطي يسمح بسيادة فلسطينية كاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة، بما يشمل القدس الشرقية والحرم الشريف، ويمكّن من عودة عدد متفق عليه من اللاجئين إلى إسرائيل مقابل “وهم السلام”. ويقدر ايضا أن الديمقراطية الإسرائيلية سوف تتواجه عندها مع مسألة مجرّد شرعيتها: لن تكون هذه مواجهة مع عدو خارجي بل ضد قسم من مواطنيها وقسم من جنودها. باسم قداسة البلاد وانعدام الثقة العميق بنوايا الفلسطينيين، قد تقوم تلك المجموعة بتصويب السلاح الذي في حوزتها، والمعرفة العسكرية التي اكتسبتها، ضد الجيش وأجهزة الأمن التي تطبق قرار أغلبية المواطنين. ويرجح ان هذا سيحدث بعد نقاش داخلي صعب ونضال ديمقراطي شرعي من قبل رافضي الاتفاق.