الخرطوم: يستعد السودان الأحد لتظاهرات حاشدة مرتقبة في العاصمة ضد المجلس العسكري الحاكم، وسط تزايد الدعوات لضبط النفس لمنع أي عملية أمنية جديدة للجيش ضد المحتجين.
وتشكل التظاهرة “المليونية” اختبارًا لمنظمي الاحتجاجات بعد العملية الأمنية الدامية التي استهدفت ساحة الاعتصام في الخرطوم في الثالث من حزيران/يونيو وانقطاع الإنترنت الذي حدّ من قدرتهم على حشد المتظاهرين.
وقتل العشرات وأصيب المئات بجروح عندما هاجم مسلحون بلباس عسكري ساحة الاعتصام خارج مقر القيادة العامة للجيش، حيث أطلقوا النار على المتظاهرين الذين كانوا في المكان منذ 6 نيسان/أبريل وضربوهم.
وتأتي التظاهرة الجديدة في وقت تُجري فيه إثيوبيا والاتحاد الإفريقي وساطة بين المحتجين والقادة العسكريين.
وحذّر نائب رئيس المجلس العسكري الفريق محمد حمدان دقلو، السبت، من أنه لن يتسامح مع محاولات “التخريب” التي قد تتخلل التظاهرة.
وقال دقلو الذي يقود “قوات الدعم السريع”: “هناك مخربون، هناك أناس عندهم أجندة مدسوسة. نحن لا نريد وقوع مشاكل”.
بدورهم، أعرب المتظاهرون عن قلقهم من احتمال حصول أعمال عنف مجددًا.
وقال مصطفى (25 عامًا)، والذي لم يفصح إلا عن اسمه الأول لأسباب أمنية إذ ينوي المشاركة في التظاهرة: “أتوقع أعدادًا كبيرة. من المحتمل جدًا أن تستخدم قوات الأمن القوة ضد المحتجين”.
وأكد متظاهر آخر هو طلال (29 عامًا) أنه يتطلع لمسيرة الأحد، الأولى منذ العملية الأمنية.
وقال: “حتى ولو لم تخرج إلا بضع تظاهرات في الخرطوم، إلا أنها ستكسر حاجز الخوف وسيشارك المزيد من الناس في الأيام المقبلة”.
وأفاد تحالف “إعلان قوى الحرية والتغيير”، المنظّم للحركة الاحتجاجية، أن المتظاهرين سينطلقون في مسيرات متفرقة من مناطق عدة بالخرطوم وأم درمان، وسيتوجهون نحو منازل بعض المتظاهرين الذين قتلوا في عملية فض الاعتصام مطلع الشهر الجاري.
وقتل نحو 130 شخصًا منذ العملية الأمنية، معظمهم في الثالث من حزيران/يونيو، بحسب لجنة الأطباء المركزية المقربة من التحالف. وتشير وزارة الصحة من جهتها إلى مقتل 61 شخصًا يومها في أنحاء البلاد.
تحذيرات
ويصرّ المجلس العسكري الحاكم أنه لم يأمر بتفريق المتظاهرين لكنه أقر بحدوث تجاوزات بعدما صدر أمر بتطهير منطقة قريبة تشتهر بتجارة المخدرات.
وحمّل المجلس العسكري حركة الاحتجاج مسؤولية أي عنف قد يقع الأحد.
وجاء في البيان: “ننبّه إلى خطورة الأزمة التي تعيشها بلادنا، كما أننا نحمّل قوى الحرية والتغيير المسؤولية الكاملة عن أيّ روح تزهق في هذه المسيرة أو أيّ خراب أو ضرر يلحق بالمواطنين أو مؤسسات الدولة”.
من جهة ثانية، أعلن “تجمّع المهنيين السودانيين”، أحد الأطراف الرئيسة في حركة الاحتجاج، أنّ قوة عسكرية اقتحمت السبت مقرّه ومنعته من عقد مؤتمر صحافي.
وقال أحمد الربيع القيادي في التجمع: “قبل بدء المؤتمر الصحافي، وصلت إلى مقرّنا ثلاث سيارات محمّلة بمسلحين من قوات الدعم السريع ودخلوا المبنى وأمروا من كانوا به بالمغادرة”.
ولا يزال منسوب التوتر مرتفعًا بين الطرفين منذ عملية فض الاعتصام في الثالث من حزيران/يونيو التي أعقبت انهيار المحادثات جرّاء الخلاف على مسألة إن كانت الشخصية التي ستقود هيئة الحكم الجديدة مدنية أم عسكرية.
وقدمت إثيوبيا والاتحاد الإفريقي اقتراحًا لتشكيل هيئة انتقالية مكونة بغالبيتها من المدنيين اعتبر قادة المجلس العسكري أنها قد تشكل أساسًا لاستئناف المحادثات.
وتجمّع المتظاهرون في بداية الأمر أمام مقر القيادة العامة للجيش للحصول على دعم المؤسسة العسكرية للإطاحة بالرئيس عمر البشير.
لكنهم واصلوا اعتصامهم لاحقًا للمطالبة بتسليم السلطة للمدنيين بعدما تولى العسكريون الحكم.
العالم يراقب
ودعا الاتحاد الأوروبي ودول غربية عدة ومجموعات حقوقية المجلس العسكري لتجنب استخدام العنف الأحد.
وقال الاتحاد الأوروبي إن “الأساس يبقى حقهم في التظاهر بشكل سلمي والتعبير عن آرائهم إن كان ذلك في 30 حزيران/ يونيو أو أي يوم آخر”.
أما أمين عام منظمة العفو الدولية كومي نايدو فقال إن على المجلس “عدم السماح للبلاد بالانزلاق إلى مزيد من القمع. العالم يراقب”.
لكن حشد المتظاهرين بات يشكل تحديًا منذ العملية الأمنية وقطع المجلس العسكري للإنترنت بشكل واسع.
وفي الفترة التي سبقت الإطاحة بالبشير، تم حشد عشرات آلاف المتظاهرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكن بات على قادة الحركة الاحتجاجية الآن اللجوء إلى تنظيم الحملات داخل الأحياء لضمان استمرارية الحراك.
انتشار أمني
وانتشرت عناصر من الشرطة وقوات الدعم السريع السودانية، بشوارع العاصمة الخرطوم، قبيل ساعات من انطلاق المظاهرات الحاشدة التي دعت لها قوى إعلان الحرية والتغيير تحت اسم “مواكب الشهداء وتحقيق السلطة المدنية”.
وانتشرت قوات الدعم السريع والشرطة في أغلب شوارع العاصمة السودانية الرئيسة والفرعية.
وفي السياق ذاته، رصد شهود عيان زيادة تواجد قوات الشرطة في نقاط التجمع والانطلاق التي حددتها قوى الحرية والتغيير لمظاهرات اليوم الأحد.
كما ذكر شهود عيان أن عددًا من المحلات أغلقت أبوابها، فيما لوحظ انحسار حركة السير بالمدينة.
وكانت قوى الحرية والتغيير (الإطار الجامع للقوى المنظمة للاحتجاجات) قد أعلنت تنظيم مواكب جماهيرية، الأحد، تحت اسم “مواكب الشهداء وتحقيق السلطة المدنية”، محذرة المجلس العسكري من “التضييق” و”ممارسة العنف” ضدها.
فيما قال المجلس العسكري السوداني، السبت، في بيان له، إن قوى الحرية والتغيير تتحمل مسؤولية أي روح تزهق، أو تخريب يحدث، جراء تعطيل المرور وإغلاق الطرق في التظاهرات المعلن عنها الأحد.
وتتصاعد مخاوف في السودان، على لسان قوى التغيير، من احتمال التفاف الجيش على مطالب الحراك الشعبي للاحتفاظ بالسلطة، كما حدث في دول عربية أخرى.
ويشهد السودان تطورات متسارعة ومتشابكة ضمن أزمة الحكم، منذ أن عزلت قيادة الجيش، في 11 أبريل/نيسان الماضي، عمر البشير، من الرئاسة، بعد 30 سنة في الحكم، وذلك تحت وطأة احتجاجات شعبية بدأت أواخر العام الماضي، تنديدًا بتردي الأوضاع الاقتصادية.
وكالات