صدر منذ فترة قليلة كتاب جديد للروائي الكولمبي غابريل غارسيا ماركيز، يحمل عنوان «فضيحة القرن»، وهو تجميع لمقالاته التي كان يكتبها في الصحافة، أيام كان يعمل صحافيا بدوام كامل، ومعروف أن ماركيز أصلا صحافي، وكان يعمل في صحيفة محلية في بلاده، وعمل أيضا مراسلا في أوروبا، كما ورد في كتاب «سيرة ماركيز» الذي أعده الأكاديمي البريطاني جيرالد مارتن، وحفل بالكثير من خفايا حياة واحد من أساتذة الكتابة الكبار.
ولأن ماركيز كان صحافيا، فقد أراد أن يعرف كصحافي، رغم ما حققه من شهرة ومجد في الكتابة الروائية، كان يقول إنه يود أن يعرف الناس ما قدمه في الصحافة بعيدا عن «مئة عام من العزلة» وغيرها من الروايات الساحرة التي عرف بها، وألف كتابه «خبر اختطاف» الذي يحكي حكاية امرأة من معارفه اختطفتها عصابات ملك المخدرات أسكوبار، في التسعينيات من القرن الماضي، بحبر الصحافة، بحيث أنه كان رواية واقعية صرفة، تخلو من أي خيال شيطاني، مما اشتهر به، ولعل الصنعة هنا تمت في تحويل مفردات قصة السيدة المحتجزة، إلى لغة أدبية كما أتصور.
أمنية ماركيز لم تتحقق بالطبع، ولم يتذكر الناس الصحافي حتى حين كان يداوم على العمل، وتذكروا الإبداع الذي تركه، لأن لا كتابة تقارير ولا حتى تغطية أخبار الحروب والكوارث والأوبئة، والانقلابات وسقوط الأنظمة وكل مصائب الدنيا، يمكن أن تنسي سطرا في رواية ساحرة، وأظن أن كثيرا من الكتاب والشعراء عاشوا من دون أن يعرف أحد وظائفهم أو تخصصاتهم العلمية، إن كانوا يملكون تخصصات علمية، وقد تلم بنتف من سيرة أحدهم، فتعرف أنه كان مهندسا أو محاميا أو قاضيا أو طبيبا، إلى آخر تلك المهن التي خصصت لكسب العيش، وليس كسب الشهرة العريضة، ولأن الغرب يتيح للكاتب المبدع أن يترك وظيفته في سن مبكرة ويتفرغ تماما للكتابة، فمن المرجح أن تدفن المهنة القديمة للكاتب عميقا في النسيان ولا يأتي ذكرها إلا عرضا في حديث أو مقابلة مع الكاتب. وربما تبدو المسألة طريفة، حين يكتشف القارئ أن الكاتب الذي ظل يتابعه سنوات، ولا يعرف كيف يعيش، كان يعمل مهندس ديكور، أو ممرضا، أو ربما بستانيا، وتعلم متأخرا ليكتب الروايات. ولدينا نماذج كثيرة من هؤلاء الكتاب العظماء، الذين ظلوا يعيشون على رواتبهم، ويعلمون تماما بخطورة الاندفاع مع شهرة الكتابة التي لن تحقق شيئا على صعيد المادة.
هناك مبدعون كثيرون في أي مكان، كتبوا وأخلصوا وعاشوا ورحلوا ولم يلحظ وجودهم إلا قليليون من الذين صادفوا أعمالهم هنا وهناك، وهؤلاء بالقطع اعتمدوا على وظائفهم أولا وأخيرا
موضوع شهرة الإبداع، الذي يلغي المهنة، الذي ذكرته، هو الغالب على المبدعين أصحاب الحرف، لكن في المقابل توجد نماذج أخرى من المبدعين الذي سرقت وظائفهم حمى إبداعهم، حيث كانوا يكتبون، وينشرون، ولكن يشار إليهم بوظائفهم، ذلك أن الوظائف هنا عامة، وينبغي أن لا تطمر، أو في الحقيقة لا أحد يستطيع طمرها، وكلنا يعرف ليوبولد سنجور الشاعر الذي كان كثيرون يعرفونه كأول رئيس لجمهورية السنغال، ولم يعرف كشاعر بصورة كبيرة، إلا بعد أن تنازل عن الحكم، كذلك قرأت رواية جميلة في التسعينيات، كان اسمها «سيد البحار» وهي عن قبطان قرصان، يسقط في دوامات شتى، وكان من الممتع معرفة أنها من تأليف الرئيس البرازيلي في فترة ما، جوزيه سارنيه، وأعتقد أنه لم يكتب غيرها، وقد اقتنيتها بناء على نظرة العين فقط، حين وجدتها على رف مكتبة في بيروت، ولم أعرف بمسألة الرئاسة هذه إلا حين قرأت المقدمة.
بالطبع ليس كل الكتاب أو المبدعين، قد نالوا حظا من الشهرة. هناك مبدعون كثيرون في أي مكان، كتبوا وأخلصوا وعاشوا ورحلوا ولم يلحظ وجودهم إلا قليليون من الذين صادفوا أعمالهم هنا وهناك، وهؤلاء بالقطع اعتمدوا على وظائفهم أولا وأخيرا، وربما لا يعرف حتى أصدقاؤهم ومعارفهم، أنهم مبدعون، وفي الحقيقة هم نماذج للذين لا يريدون من الإبداع إلا جذوته، يشعلونها ويشتعلون بها وكفى، ولو كان ثمة إنصاف، لطاردتهم الشهرة حتى عزلتهم ومنحتهم الضوء.
أذكر في بداياتي الشعرية في مدينة بورتسودان، أنني تعرفت إلى شاعر مجيد، يعمل موظفا في إدارة الموانئ البحرية، كان يركب دراجة نارية، ويدخن بكثرة، ويكتاب شعرا مليئا بالصور والإيحاءات، يقرأه لنا بصوت عال ضخم، ونحن لا نطرب فقط، لكن نتعلم أيضا، نتعلم كيف نتميز شعريا وكيف نؤاخي أسماع الآخرين لينصتوا بصبر ودهشة، كان ذلك منذ زمن طويل، ولم أعثر بعد تلك الأيام على ذلك الشاعر، أعني لم أعثر على ديوان مطبوع، ولا سيرة موثقة في محركات البحث، هو نموذج للمبدع الموظف، الذي لن يهمه عاشت قصيدته أو لم تعش، المهم هو أطلقها وقرأها لأشخاص يحبهم، وانتهى الأمر.
ولو جلست على المقاهي التي يتجمع فيها الأدباء عادة، في كثير من المدن العربية، ستعثر على كثيرين، لا تعرفهم لا مبدعين ولا موظفين حتى، ستتعرف إليهم شعراء وقصاصين وروائيين، وستفاجأ بأنهم يديرون وظائف تخفق لها القلوب، وظائف مثل التخصص في جراحة القلب، مثل قاضي محكمة عليا، مثل أستاذ القانون في إحدى الجامعات وغير ذلك كثير.
٭ كاتب سوداني