عن عاصفة رواية «سيدات القمر»… هل نحن شركاء في الفرح؟

فوز «سيدات القمر» للكاتبة العُمانية جوخة الحارثي بجائزة «مان بوكر العالمية 2019»، كان يفترض أن يكون مناسبة سعيدة للأدب العربي، يحتفي بها الأدباء العرب جميعًا، خاصة أنها أول رواية عربية تفوز بهذه الجائزة، ولكن فوزها أثار عاصفة من ردود الفعل المرحبة والمنتقدة، المؤيدة والمعترضة، المناصرة والمهاجمة.
عاصفة ردود الفعل، أثارت بدورها جملة من الأسئلة والقضايا، تتناولها هذه المقالة بإيجاز:

الاختلاف والحسد

من الطبيعي أن تختلف ردود الفعل حول أي عمل أدبي، فكيف إذا نال جائزة عالمية مرموقة؟ فاختلاف الآراء والأحكام طبيعي، ومن النادر التوافق على أي عمل مهما كان كاتبه محترفًا ومبدعًا. وزادت حدة الاختلافات بسبب نيل رواية من إحدى دول «الهامش» الجائزة في سابقة خدشت مكانة البعض، وربما أحرجتهم، وثالثة الأثافي أن تنال الجائزة امرأة لا رجلا، محجبة لا سافرة! يمكن بأريحية إرجاع كثير من الانتقادات إلى الحسد، فالتحاسد مألوف بين أبناء الفن الواحد، ولسان حال كل حاسد «أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ». ولكن المؤسف أن معظم منتقدي الرواية لم يقرأوها، وأطلقوا أحكامهم بناء على موقف إقصائي تحيزي وسلبي، وهذا لا يليق بأي مثقف، إذ يفترض أن يكون موضوعيًا منصفًا، لا ينتقد إلا عن بينة ودراية، وبناء على منهجية نقدية واضحة. إن ما تعرضت له الرواية من انتقاد شرس، يضع مصداقية المثقف العربي على المحك، وأنه مثقف هوائي غير موثوق، ينتقد من فراغ، ويتهم بلا دليل، ويقيم بلا معايير، ويحكم وفق هواه.

طبيعة الجوائز

تعدد الجوائز، يعني بالضرورة اختلاف اللجان وآليات التحكيم والتقييم، وبالتالي اختلاف الأعمال الفائزة، ومهما حرصت اللجان على الموضوعية والشفافية والمصداقية، فستبقى نتائجها نسبية لن ترضي الجميع، لأن ثمة عوامل كثيرة تلعب دورًا في تحديد العمل الفائز، مثل خبرات ومعارف أعضاء لجان التحكيم، ولا يمكن إغفال العوامل السياسية والأيديولوجية والتدخلات والضغوطات أيضًا. ومن المعروف، أن الأعمال المرشحة لأي جائزة لا يمكن أن يقرأها جميع أعضاء لجنة التحكيم، فهذا مُحال، ولذا تلجأ كل جائزة إلى آلية للغربلة والفلترة قد تسقط بعض الأعمال الجيدة، كما حدث تمامًا مع رواية «سيدات القمر» التي لم تدخل أي قائمة من القوائم الطويلة أو القصيرة، لأي من جوائز الرواية العربية، على الرغم من صدورها عام 2010. هذا يعني باختصار أن الضحايا كثر، والأعمال الجيدة قد تسقط سهوًا أو جهلًا، وهذا يثير تساؤلًا كبيرًا: ما الحل؟ وما الآلية الأنسب والأكثر مصداقية لغربلة الروايات، وترشيح الأجدر منها؟ هو تساؤل يستوجب أن تعيد كل جائزة التفكير بآليات التحكيم، وآليات اختيار أعضاء اللجان، للتقليل من الفاقد الجيد، وترشيح الأقل جودة.

النسوية والحجاب

من الأحكام الغريبة التي صدرت عن بعضهم بعد فوز رواية «سيدات القمر» لجوخة الحارثي، بأن «المرأة المحجبة لا يمكن أن تبدع في الأدب، شعرًا أو قصة أو رواية»، وهو حكم ساقط بالطبع يدل على سخافة وسقوط أخلاقي ممجوج، ولا يستند إلى أي منطق. صاحب هذا الرأي، وحسب منطقه السقيم، يرى بالضرورة –وإن نفاه- أن المرأة تزداد إبداعًا كلما ازدادت عريًا، وهو رأي لا يتقبله عقل، ولا يقول به حتى أعتى المنادين بتحرر المرأة وسفورها. لم يكن حجاب الجسد يومًا عائقًا أمام الإبداع، وإنما العائق الحقيقي هو حجاب العقل أينما وجد، سواء أكان لامرأة محجبة أو سافرة، لامرأة أو رجل لا فرق، فحجاب العقل هو الذي يقيد الإبداع ويحجبه، ويطمس بصيرة صاحبه. إن صاحب رأي «المرأة المحجبة لا يمكن أن تبدع» يتبنى رأيًا مضمرًا وهو، أن المرأة العربية لا يمكن أن تبدع، من منطلق ذكوري بحت، فهو وإن يتظاهر أنه يناصر المرأة ويدعو إلى تحررها وانطلاقها، إنما يفعل ذلك لغايات لا علاقة لها بالمرأة كإنسان، والمرأة كشريك حياة، والمرأة كمخلوق كرمه الله وجعل له المكانة والمنزلة الكبيرة، أمًا وأختًا وبنتًا وزوجة. ويزيد الطين بلة بقوله إن «أروع الأعمال كتبها متهتكون وشاربو خمر ومتعاطو مخدرات ومثليون وأصحاب سوابق ومتشردون..»، ويستشهد بأبي نواس وامرئ القيس وبودلير وميللر وسيلفيا بلاث وجان جينيه، وتجاهل ألوف المبدعين غيرهم ملتزمين أخلاقيًا واجتماعيًا ودينيًا.

من الظلم أن نقول إن النقد لا يواكب الإبداع، فليس كل ما يصدر إبداع؛ فمع هذا الكم الهائل مما ينشر، توجد نسبة محدودة يمكن أن نعدها إبداعًا حقيقيًا، وهذا الإبداع يضيع ـ غالبًا- تحت الركام.

غياب النقد

من الظلم أن نقول إن النقد لا يواكب الإبداع، فليس كل ما يصدر إبداع؛ فمع هذا الكم الهائل مما ينشر، توجد نسبة محدودة يمكن أن نعدها إبداعًا حقيقيًا، وهذا الإبداع يضيع ـ غالبًا- تحت الركام. ويفضل معظم النقاد الصمت إزاء الغث الذي ينشر طلبًا للسلامة وراحة البال. والأدب العُماني ربما يعاني أكثر من غيره من محدودية الأعمال النقدية التي تتناوله، سواء كان نقدا أكاديميا أو انطباعيا أو حتى قراءات، ربما بسبب محدودية انتشار الأدب العُماني عربيًا.
بالنسبة لرواية «سيدات القمر» فقد حظيت بعدد من الكتابات المقبولة نسبيًا قبل ترشحها لجائزة «مان بوكر العالمية»، أهمها دراسة نشرت في كتاب لمحمد سيف الإسلام بـوفلاقـة بعنوان: «سيميائية الخطاب السّردي العُماني رواية «سيّدات القمر»  للأديبة جُوخة الحَارِثي  نموذجًا». ومن المقالات التي تناولتها: «رواية «سيدات القمر» والعبور بين أزمنة التحديث الخليجية» لفاطمة المحسن (صحيفة «الرياض» السعودية، 14 إبريل/نيسان 2011)، و«خصائص السارد في «سيدات القمر» لجوخة الحارثي» لهلال البادي (مجلة «نزوى»، عدد يوليو/تموز 2018)، و««سيدات القمر» رواية التحولات في المجتمع العُماني. جوخة الحارثي تغرز إبرتها في قماش الذاكرة» لمي ياسيل (صحيفة «الحياة» 5 يوليو 2010)، و««سيدات القمر».. الخيبة في رواية» لمفيد نجم (صحيفة «الاتحاد» الإماراتية، 4 مايو/أيار 2011)، و«نسوة عُمانيات في مواجهة سطوة الماضي» لمحمد برادة (صحيفة «الحياة» 7 يونيو/حزيران 2012 ). وبعد فوز الرواية تتابعت الكتابات النقدية والقراءات بشكل كبير، ففوز الرواية أثارة شهية الكثيرين للكتابة مادحين وقادحين، وهذا يصب في مصلحة الرواية خصوصًا، والأدب عمومًا، والبصير من يستخلص ما ينفعه ويعدل مساره.

الترجمة

أرجع البعض فوز «سيدات القمر» للنص المترجم «أجرام سماوية» «Celestial Bodies» للأمريكية مارلين بوث، غامزين ضمنيًا من النص العربي، وأن الترجمة رتقت ما فتق منه، ورفعت من سويته، وارتقت به إلى مكانة لا يستحقها. هذا الرأي المشكك يحيلنا إلى مسألة الترجمة ودورها في «خيانة النص»، وهل حقيقة تستطيع الترجمة الارتقاء بالنص؟ تتقاطع الترجمة مع التحرير الأدبي في تدوير زوايا النص، وإعادة صياغة بعض عباراته الركيكة، وتغيير بعض المفردات، ولكنها لا يمكن أن تضيف شيئًا أو تحذف شيئًا يذكر، وتحاول أن تحافظ على روح النص وأسلوبه، وإلا وقعت في المحظور وتجاوزت حدها. ومن هنا، فإن الترجمة، يمكن أن تضعف النص أو تهبط بمستواه إذا كان المترجم لا يجيد عمله. أما إذا كان متقنًا، وله باع في الترجمة والإبداع فيستطيع أن يحافظ على مستوى النص وجودته، وقد ينجح في تحسينه قليلًا، ولكن هذا التحسين مبني في الأساس على جودة النص الأصلي، وما لم يكن جيدًا في الأساس، أي كان نصا باهتا أو ميتا، فلن يستطيع محرر أو مترجم بث روح الحياة فيه، فلن يصلح العطار ما أفسد الدهر! وهذا يقودنا إلى سؤال آخر: يهتم العرب بترجمة كثير من الأعمال من لغات مختلفة إلى العربية، ولكن ترجمة الكتاب العربي إلى اللغات الأخرى محدودة جدًا، فلم لا تتواجد مؤسسة عربية تتخصص في ترجمة الأعمال العربية إلى اللغات الأخرى، وتسويقها ونشرها لتعريف الآخرين بها، فلدينا بالتأكيد أعمال تستحق أن تكون بين يدي الآخرين، لا يقل مستواها عن أعمالهم، وربما فاقتها في كثير من الأحيان؟ الكرة في مرمى الكثيرين دولًا ومؤسسات ودور نشر وروابط ثقافية وجامعات وغيرها من المهتمين بالثقافة والأدب.
وبعد، يكفي رواية «سيدات القمر» بفوزها بجائزة «مان بوكر العالمية» أنها أثارث عددًا كبيرًا من الأسئلة، وفتحت بعض الملفات، ونبهت الكتاب والنقاد إلى حقائق كانت طي النسيان، وأن لا أحد بمعزل عن المسؤولية، وأنه من الضروري أن نكون شركاء في الفرح، ولا داعي للطم الخدود وشق الجيوب، وإتقان الاتهام والتشكيك فحسب، وفوز أي عربي/عربية هو فوز عربي يجب أن يُقابل بكل احترام وتقدير وفخر واعتزاز، ويكفينا جلدًا للذات، وقفزًا عن البدهيات، وإثارة النعرات، وممارسة الإقصاء بدون مبرر أو ضرورة أو منطق.

٭ كاتب أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية