ارتفاع سقف الحرية في العمل الروائي هو ما يوفر فرصةً لتأمل المواضعات والقيم السائدة، بدون الامتثال للائحة الرقيب الذي لا يستوعبُ حقيقة ًأن المعرفة هي الأخلاق الوحيدة للرواية، على حد قول ميلان كونديرا. لذلك فإنَّ المادة الروائية معجونة بالمُتنافضات والأسئلة المضمرة. وما يميزُ الخطاب الروائي هو احتواؤه للظواهر المُختلفة، عدا عن احتفائه بالتنوع والحرية، لذا فمن الطبيعي أن تكون العلاقة بين الروائي والسلطة متوترة، بقطع النظر عن الأيديولوجيا أو المعتقد الذي تُمثله. وما عمّق الخصومة بين الطرفين أكثر أن الرواية أصبحت منبراً للفئات المقموعة والأصوات المهمشة، لذلك وجدت المرأةُ كونها كائناً مُغيباً في هذا الشكل الأدبي مساحة للبوح والتعبير عن هواجس الذات وكسر القيود وتمثيل الهوية النسوية، ولا يخرجُ مسعى شخصيات رواية «عذارى لندنستان» الصادرة من دار الآداب للروائية اللبنانية حنان الشيخ من هذا الإطار. إذ تقومُ الرواية على مُقاربة مفهوم الدين والجنس، انطلاقاً من مُتابعة حياة شخصيتي هدى وإيفون، فالأولى نشأت في بيئة دينية مُسلمة، كان أبوها رجل الدين ومرجعاً لأهالي منطقة البقاع في القضايا الشرعية. أما الثانية فهي ابنة أسرة مسيحية، ولا يبدو أنَّ الدين يتخذُ طابعاً إشكالياً في تكوينها الشخصي، بخلاف صديقتها هدى التي لا تنسحبُ ظلال تجربتها المؤطرة بالدين من ذاكرتها، على الرغم من مغادرتها للواقع المُتشبع بالمحرم، وإقامتها في كندا. وهي تستعيد وقائع من حياتها تُفسرُ سلوكياتها ورؤيتها للدين والجنس.
يذكرُ أنَّ الجنس إضافة إلى كونه رغبة طبيعية يكتسبُ وظيفة أخرى لدى حنان الشيخ، وهي التعبير عن فعل الاحتجاج تارةً ومقاومة الزمن تارة أخرى. كما ترى الحالة الأخيرة عند شخصية إيفون التي يتصاعدُ توترها كلما فشلت في العلاقة العاطفية.
التبذير الحسي
يطالعك في مفتتح الرواية مشهدُ يجمعُ بين الشخصيتين الرئيستين على شاطئ البحر، وتتشارك الاثنتان في استعادة خاطفة لذكرياتهما المُلتبسة بمشاعر مُتناقضة عن البحر، كما أنَّ القلق من غياب صديقيهما روبرتو ولوتشو وتأخر الإيطاليين هو ما يضعُ الاثنتين على خط الترقب والتخوف من الإخفاق في التواصل الجسدي. ومن ثُمَ يتحول الراوي نحو استبطان مشاعر إيفون وهي بصحبة صديقها لوتشو ومُحاولتها لإقناع الأخير بالذهاب إلى شقتها، مُتحدية النظرات المُتلصصة، غير أن لوتشو لا يحقق لها هذه الرغبة ويكتفي بلذة عابرة، وما ينقلهُ الراوي عن إيفون بأنها تمنت لو أن كل رجال العرب يتفهموا ضرورة الانسحاب من الالتحام الجسدي مع المرأة قبل اللحظة الأخيرة، مثلما فعل الإيطالي، يكشفُ عن الانحياز للثقافة الغربية في بعض تفاصيلها، ولكن خيبة أمل إيفون بصديقها وصدمتها بمناوراته للتفلت منها، يدحضُ الصورة المثالية للرجل الغربي، باعتباره مُتفهماً لحساسية الأُنثى، وبذلك يتعمقُ الحس النسوي في فضاء الرواية، وهذا الأمر يؤكدهُ موقف الشخصيتين من الجنس الآخر، ومحاولة إلغاء دوره بوصفهِ مُكملاً للهوية، واختزال حضوره إلى وظيفة آداتية مثلما يتضحُ هذا المستوى من الرؤية في علاقة هشام مع كل من هدى وإيفون، هذا عدا عن مبادرة هدى للتواصل الحميمي مع أستاذها الكندي، مُعلنة أنَّ هذه الرغبة هي ما يفكرُ فيها كلاهما، كما يتسقُ مع ما يتخيلُ لابنة الشيخ حول انطباع صديقها روبرتو، عندما يتفاجأُ برغبتها الحسية، وجرأتها غير المعهودة بالنسبة للمرأة الشرقية مع منحى السرد المعبر عن الذات النسوية.
ما يجب الإشارة إليه أنَّ مقولات وأمثال وعبارات محكية لبنانية وصيغ خبرية تتمفصل في بناء النص، ويستمدُ هذا العمل رشاقته وانسيابيته من حسن الاستفادة من تقنيات السرد، خصوصاً الحوار والاسترجاع.
وهذا الملمح من الشخصية لا يمكنُ فصلها عن تراكمات مرحلة الطفولة المُثقلة بالمُحرمات، وما يثيره من أسئلة وجودية عن الخطيئة والإثم. إذ تستعيدُ هدى معاناتها وما نُكل بجسدها الغض لأنها شاركت في لعبة النحلة والدبور، والدكتور والمريض حيثُ تتبين من التهامها لشفتي الرجل مداواةً لحرقة الفلفل التي لازمتها منذ أن عاقبتها الأمُ بهذا النبات. لذا فإنَّ ما تقوم به هدى انتقاماً لطفولة مهدورة، إلى ذلك فإنَّ تأنيب الضمير هو بعد آخر من تركيبة هذه الشخصية، التي ما تنفك تفكر بأن والدها مات بعدما رأها بالمايوه ولم يتحملْ رؤيتها بهذا الشكل. يذكر أن حنان الشيخ تختار التصريح لا التلميح للإبانة عن المستوى الحسي والرغبات الجسدية لشخصياتها. وتتواردُ في سياق السرد بمظاهره المختلفة عبارات ومفردات بهذا الشأن.
مُطارحة
مفصلُ آخر من الرواية تنبسطُ على مساحته سجالاتُ بشأن المفاهيم الُمحملة بالشحنة الحضارية والدينية. ويصبحُ ميدان هايد بارك في لندن مساحةً تعكسُ وجود آراء وخطابات مُختلفة.
ومن الواضح أنَّ شوارع ومنصات متوفرة في البلدان الغربية تُصبحُ فضاءً مُنفتحاً للأطياف الفكرية والسياسية المتعددة في متون الرواية العربية وذلك نتيجة غياب قيم الحرية في ظل النظام الشمولي. توظفُ الكاتبةُ تقنية الحذف المباشر لرصد شخصيتي هدى وإيفون في مناخ جديد بعدما مضت سنة على لقائهما في إيطاليا. وهذا التنوع في البنية المكانية ليسَ الغرض منه إضفاء التشويق إلى إيقاع الرواية بقدر ما يهدفُ إلى بيان الفكرة التي لا ينتظمُ العملُ بدونها. إذ أن تطور الحدث يتطلبُ مكاناً ملائماً لإضاءة ثيمة أخرى وهي التشدد الديني والتحولات في الشخصية التي تُمثله، وكل ذلك يأتي مصحوباً بأجواء مُشبعة بالانفعالات داخل هايد بارك، هناك تتصادم الأفكار ويكون المتلقي أمام نقاشٍ حول شتى المواضيع، بدءاً من النقاب بما يحمله من دلالات دينية، إلى التمييز العرقي والعمليات الانتحارية، إذ ينحو الأسلوب منحى ساخراً في بعض الفقرات، ونجحت الكاتبة في تفويض هدى لمُناقشة هشام المُتشدد في أمور دينية، لأنها تثقفت بمفردات الشريعة بفعل موقع والدها الديني والاجتماعي. ومايدور في ركن السبيكرز كورنر هو حلقة أساسية في تسلسل السرد نحو محور جديد وهو، علاقة هدى بهشام الذي تسميه تأبطَ شراً. فالأخير من أصول جزائرية كان مقيماً في فرنسا قبل انتقاله إلى لندن، حيث يتحول السجال العنيف بين الاثنين إلى مطارحة غرامية غريبة، بعدما ترجع هدى لهايد بارك وتنصب شركاً للمتعصب، إذ تتظاهر بالإعياء والدوار في إحدى المحطات على مرمى نظر هشام، فما كان من الأخير إلا أن يسارع إليها ويأخذها إلى غرفته في عمارةٍ يعملُ فيها بواباً. ما يستتبعُ هذا الموقف عبارةُ عن مشاهد كوميدية، حيثُ تبلغ حدة الشبقية بهشام لدرجة يمارس الحب أربع مرات مع ضيفته. وفي كل مرة يتزوجها بدون الشهود وما يتضاعف من غرابة الموقف هو ظهور ما يشير إلى عذرية المرأة، هنا تُظهرُ حنان الشيخ الرجل في صورة كائن ساذج لا ينتبه إلى لعبة المرأة التي تستخدم وصفتها الجديدة ومن ثُمَّ تغادره مُعلقاً في الحيرة من أمره. بموازاة ذلك تحاول إيفون استدراج جيمس إلى شباكها في حفلة العرس، وتصغي إلى قصة مكيدة زوجته التي تركته برفقة روبوت آلي مطابق في مواصفاته لشكلها، وفي ذلك تسبق جيمس الذي أراد هجرها. لا يشقُ على القارئ إدراك الأدلجة المُضمرة في هذه المَشاهد التي تنتهي بعلاقة جسدية بين هشام وإيفون.
ما يجب الإشارة إليه أنَّ مقولات وأمثال وعبارات محكية لبنانية وصيغ خبرية تتمفصل في بناء النص، ويستمدُ هذا العمل رشاقته وانسيابيته من حسن الاستفادة من تقنيات السرد، خصوصاً الحوار والاسترجاع، فضلا عن الوصف الخارجي والتدوير، لكن يلاحظُ فقدان الشخصيات لاستقلاليتها في بعض المقاطع ما يجعلها نمطا في الحركة والتفكير.
٭ كاتب من العراق