يبدو أن الجزائر، في ظل المخاض العسر الذي تمر به بكل أفراحه وهزاته العنيفة، لا تنتهي من مشكل إلا لتكتشف تحته مشكلات أكثر توغلاً وتعقيداً، من بينها تلك التي تبدو شكلية، وهي ليست كذلك، قضية الرموز الوطنية القديمة، وعلى رأسها العلم. منذ بداية الحراك، ظهر بشكل معلن العلم الأمازيغي، أي خوف يثيره هذا العلم ونحن نعرف أن الظاهرة تفشت بشكل علني في الملاعب الوطنية منذ مدة طويلة؟ فنجد العلم الفرنسي الإيطالي، الألماني، الإسباني حسب الفريق الذي نشجعه، يضاف إليها أعلام فرق كرة القدم الوطنية مثل شباب بلكور، ومولودية الجزائر واتحاد العاصمة، ومولودية وهران، والفرق الأجنبية الكبيرة مثل برشلونة وريال مدريد، ويوفنتوس، ولايس روما وغيرها، لدرجة أن أصبحت جزءاً من المشهد العالم للملاعب الوطنية، وبعد انتهاء مقابلات كرة القدم.
ليست الأعلام إذن هي الإشكال، ولكن ما تمثله أو يفترض أن تمثله. ظهر العلم الأمازيغي مصاحباً للحراك في شكليه: شكله الوطني كتعبير عن هوية ثقافية طمست عبر السنوات المتتالية، ونوع ثان يعتبر جزائر اليوم بلداً استعمارياً دخيلاً يجب طرده، الذي عبر عنه رئيس حركة استقلال القبائل فرحة مهني الذي كون دولة مؤقتة وعلماً شبيهاً، أي أنه احتكر الخصوصية الثقافية الأمازيغية وجيرها سياسياً. وهو ما يرفضه كلياً الحراك الوطني، بما في ذلك مكونه الأمازيغي. رأيت في ساحة الجمهورية بباريس وبجانب البريد المركزي الأمازيغيين أنفسهم وهم يطردون جماعة الماك. لهذا، جمع كل الأطراف في سلة واحدة. والتخوين فعل لاوطني، بل يخدم في النهاية العناصر التقسيمية.
منذ التصريح الأخير لنائب وزير الدفاع الفريق ڤايد صالح، أصبح هو نفسه في خانة المغضوب عليهم شعبياً، مع أن دور المؤسسة العسكرية في وقوفها مع الشعب في بداية الحراك كان واضحاً، وهي التي دفعت بالرئيس باتجاه مخرج الاستقالة، وساقت رؤوس الفساد نحو المحاكم. صحيح أن الضغط كان له الدور الحاسم بسلميته وتصميمه، لكنه كان في حاجة إلى جهة وطنية تنفذ قراره.
لهذا، السؤال الذي يجب أن يطرح بصراحة: هل يعد اشتراك العلم الأمازيغي وظهوره بكثافة مزاحمة مضرة للعلم الوطني المعروف، أم أنه تعبير عن الخصوصية الثقافية والتاريخية والحضارية التي أهملت ويجب أن تظل جزءاً من خيارات الحراك الذي يناضل من أجل جمهورية ثانية؟ أثار ذلك حفيظة كثير من التيارات التي تواطأت مع نظام أصبح اليوم مكشوفاً للجميع أنه يسير بمنطق مافياوية وخراب البلاد، بل واشتركت بعض هذه التيارات من خلال المنظمات المختلفة في نهب المال العام وتشتيته.
ضيعت الجزائر سنوات طويلة خلقت فيها الفجوات وكثرت العداوات، بل إن معاداة اللغة العربية بوصفها لغة شرقية ولا علاقة للجزائر بها ليست في النهاية إلا ردات فعل قد تكون نتائجها ثقيلة على مستقبل البلاد.
لماذا لم تتميز في خياراتها الوطنية؟ لأن الجزائر كانت تنهب أمام أعينها وتدمر بشكل معلن. طبعاً، في رفع أي علم كان ثمة جزء معلن وآخر غير معلن؛ المعلن هو الخصوصية الثقافية الأمازيغية، وغير المعلن هو الانفصال، وهل هذا صحيح؟ إذا كان ينطبق على الماك MAK فهو لا ينطبق على الملايين التي اختارت الحراك والجمهورية الثانية التي تحل داخلها كل المعضلات الديمقراطية المؤجلة. شيء آخر عن العلم الأمازيغي، فقد كان دائماً يظهر في الاحتجاجات ضد النظام الذي يتحمل المسؤولية الكاملة عن أخطائه القاتلة مثل الربيع الأمازيغي. لو تمّ اعتماد الفكر والاستماع إلى المطالب الأمازيغية التي لم تكن متطرفة، لما حدث الربيع الأمازيغي الدموي ولاقتصدت الجزائر في ضحاياها ومشاكلها.
ماذا يقول اليوم الذين يرفعون العلم الأمازيغي؟ إن مطالبهم الوطنية والديمقراطية ما تزال قائمة وأن الحراك معني بها. فهو لا يعوض العلم الوطني الذي استشهد تحت ظله الملايين من الشهداء، منهم العرب والأمازيغ بكل مكوناتهم القبائلية والشاوية والميزابية، وحتى كثير من الأوروبيين الذين اختاروا عدالة القضية على ضيق الانتماء العرقي. فقد وقف ابن زرجب، والكومندار فراج، والعربي بن مهيدي، جنباً إلى جنب مع فاطمة نسومر، وأودان، والضابط مايو، ومجموعة جونسون من حملة الحقائب، لوسات حاج علي، وزبانا الذي مر عبر المقصلة، وعميروش، وديدوش مراد، والسي الحواس، وعبان رمضان، وعيسات إيدير، وغيرهم.
يحتاج الأمر حقيقة إلى وعي بالتاريخ بدل الذهاب نحو الحلول القمعية التي لن تنتج إلا ردات فعل متطرفة على الرغم من سلمية الحراك. سجْن بعض النشيطين في الحراك سيدفع بكل الحراك إلى حمل العلم الأمازيغي احتجاجاً، ووضع النظام أمام مسؤوليته التاريخية. إذن، في العلم الأمازيغي-كما في العلم الوطني-شحنة تاريخية ثقيلة هي تعبير طبيعي كما في كل الرموز؛ الأولى تحيل إلى النضال، بينما الثانية إلى الهوية التي تم نفيها وكأنها غير موجودة وفرضت مكانها هويات افتراضية. حدّنا كل شيء بالعروبة والإسلام ونسينا أن هناك أيضاً الملايين من الجزائريين ليسوا لا عرباً ولا مسلمين. كيف يمكن لهذه الملايين المقصاة أن تتصرف؟ هل نلوم ڤرانق أنه حمل السلاح في السودان ضد الحكومة المركزية وانفصل عن الدولة المركزية؟ التهم سهلة جداً، لأن أساس المشكلة هو النظام الذي فرض الشريعة بدل المواطنة على أغنى منطقة نفطية في السودان. ماذا لو وجدت في السودان حكومة وطنية حقيقية تأخذ بعين الاعتبار كل التعبيرات والخصوصيات الوطنية التي تعلن عن نفسها بحرية، ضمن الوطن الواحد.
المشكل في النهاية مشكلة مواطنة وليست غير ذلك. بقدر ما أشعر بجزائريتي فأنا ابن هذه الأرض. من هنا، سهل أن نرمي أنصار العلم الأمازيغي أو المزدوج بالخيانة والعمالة ومسؤولية تدمير الوحدة الوطنية ونسيان أنه لا وحدة وطنية بلا عدل ولا حرية ولا اعتراف بالحق، ولا مواطنة كاملة وغير منقوصة بدون الاعتراف بتاريخية التمايز.
الهوية مكون تاريخي وحضاري وليست قراراً فوقياً. ضيعت الجزائر سنوات طويلة خلقت فيها الفجوات وكثرت العداوات، بل إن معاداة اللغة العربية بوصفها لغة شرقية ولا علاقة للجزائر بها ليست في النهاية إلا ردات فعل قد تكون نتائجها ثقيلة على مستقبل البلاد. العدو اللغوي العربي هو عدو افتراضي وغير حقيقي. هل يمكن تجريد القبائل الصغرى مثلاً من بعدها العربي والإسلامي، الدولة الناصرية، أو من الخط العربي الذي تم الحفاظ به على تراث السي محند أو محند الشعري قبل أن يستلمه مولود فرعون ثم معمري ويؤرخون له؟ هل يمكن محو ابن خلدون من الذاكرة الجمعية لأن بجاية شكلت محطة من محطاته الثقافية؟ صناع النحو العربي ورجال الدين من أمثال الخوارزمي والغزالي والبخاري وغيرهم، كانوا من قوميات غير عربية. هل منعتهم العربية من أن يكونوا أبناء ثقافتهم وزمانهم؟ ابن ميمون كتب بالعربية واحداً من أهم كتبه دليل الحائرين، هل منعه ذلك من أن يكون يهودياً وعبرانياً؟ لهذا، التطرف أعمى من أي جهة كان، ويجب تفاديه وإحلال الحوار والعقل مكانه. أخطاء النظام لها حتماً النصيب الكبير في كل الخيبات، لكن هذا لا يمنع من إعادة النظر في اليقينيات المريضة واستبدالها بالحوار الحقيقي البناء، ثم تكون الجزائر المتعددة والملونة أساسه.