اوباما من ليبيا الى سورية

حجم الخط
0

صحف عبريةثمة شك كبير في أن تكون الخطبة التي ألقاها الرئيس اوباما في الاسبوع الماضي، ورسم بها الخطوط الهيكلية للاستراتيجية الامريكية في ليبيا، تستحق تعريف ‘مبدأ’، لأنه بخلاف الصبغة الواضحة والراسخة والتي لا لبس فيها لمبادئ رئاسية سابقة (مبدأ ترومان وآيزنهاور ونيكسون وبوش الابن، مثلا)، فإن الحديث هنا عن طائفة ضعيفة مليئة بالتحفظات من اتجاهات العمل وخطوطه.

وبرغم الظروف القسرية، تثور رسالتان مركزيتان ذاتا صلة وعلاقة بطوائف اخرى ايضا. المبدأ الاول هو مبدأ التقليص. فالرئيس الذي التزم أمام مجلس النواب ان يعتمد ‘على قوة ليّنة’ وأن يعمل على ابتعاد سريع قدر المستطاع عن ميادين القتال في العراق وأفغانستان، سيؤيد تدخلا امريكيا بريا في حالات يكون فيها تهديد محسوس مباشر لأمن الولايات المتحدة القومي فقط.

وفي حالات اخرى، وهذا هو المبدأ الثاني في نظرية البيت الابيض، سيكون النشاط العسكري (البحري أو الجوي) للقوات الامريكية جزءا لا ينفصل عن قوة متعددة الأطراف (مثل حلف شمال الاطلسي) ويجري تثبيته بصورة دبلوماسية أو استراتيجية واسعة. مرت ايام التدخل العسكري المباشر من جانب واحد الذي ميز عصر الحرب الباردة وعصر الرئيس بوش الابن. أحل اوباما محل ذلك التحالفات الواسعة ويتم التعبير عن هذا الامر في السياق الليبي إذ يجري النشاط العملياتي (المتضائل) للجهاز الامريكي الآن تحت قيادة بريطانيا وفرنسا ورعاية حلف شمال الاطلسي ومباركة الجامعة العربية (المتحفظة). فيما يتعلق بأهداف العمل، لم يترك اوباما هامش غموض عندما عرّف المجموعة الانسانية والاخلالات الواضحة والمكثفة لحقوق الانسان من قبل القذافي (التي كانت مع عدم التدخل الخارجي قد تتصاعد بحسب قوله الى درجة مذبحة شعب) بأنها مركزة نسيج العناصر التي تُسوغ عملية مشتركة.

وهكذا فعلاوة على ظل الرئيس بوش الابن المثقِل (ظل التدخل البري من جانب واحد)، الذي يريد اوباما الابتعاد عنه، فانه يطمح الى إبعاد نفسه عن الظل القاتم لتركة اخرى ـ وهي التنحي إزاء قتل شعب جرى في رواندا في فترة ولاية كلينتون للرئاسة. إن الرئيس الحالي برغم انه لم يشمل في حدود التدخل ذي الجذور الانسانية سوى اوضاع متطرفة لاعمال قتل جماعية من قبل سلطة قمعية، قد انحرف عن شكل السلوك السلبي لكلينتون إزاء القتل الجماعي في رواندا (مثل رده في البوسنة حيث بدأ نشاطه ايضا في اطار حلف شمال الاطلسي بتأخر كبير). النتيجة المباشرة لهذا النظام (المركبة من الحاجة الى تأييد دولي واسع ووجود سبب انساني ثقيل الوزن للتدخل) أن واشنطن لم تُغير سلوكها حتى الآن برغم اخلال منهجي لحقوق الانسان في البحرين وسورية واليمن، واكتفت بتوصية حكامها بالسلوك بضبط للنفس وتقديم اجراءات اصلاح فيها. لا شك في أن هذا الرد في الحد الأدنى قد عبر تعبيرا صادقا في سياق البحرين واليمن على الأقل، عن حقيقة ان الحديث عن كنوز استراتيجية مهمة بالنسبة للادارة. لكن اذا تجاوزنا هذا المعيار المزدوج الذي يتعلق فيه الاهتمام بحقوق الانسان بمقدار هذا الاخلال بالحقوق وبمقدار التأييد الدولي للتدخل فان خطبة اوباما تنطوي على رسالة قد تبلغ الينا. الحديث عن تأكيد التزامه العمل ـ في المجال السياسي وفي الصعيد الاستراتيجي ايضا ـ في أطر متعددة الأطراف مشتركة، تمنح كل اجراء غلاف موافقة وشرعية.

إن ما يُشتق من هذا قد يجري التعبير عنه في ايلول (سبتمبر) القريب في شأن الدولة الفلسطينية، فالبيت الابيض سيحجم عن اتخاذ خطوة اعتراضية على اعلان انشاء دولة فلسطينية تتمتع بتأييد دولي واسع. قد يفضل اوباما في الحقيقة ان يجلس على الجدار ويُمكّن جهات اخرى (كالجامعة العربية) من قيادة هذه المبادرة في طريقها الى مجلس الامن، لكن يصعب ان نفترض ان يستعمل حق النقض لها. إن معارضته المبدئية لكل خطوة موسومة بسمة التدخل من جانب واحد كما كانت الحال عند سلفه بوش، قد تصل الى محيطنا في المستقبل القريب ايضا. هذا الشيء يقتضي تفكيرا واستعدادا مسبقين.

إسرائيل اليوم 3/4/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية