مشروع تعديل قانون المحكمة الاتحادية خطوة أخرى نحو الدولة الدينية في العراق

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”: أثار مشروع تعديل قانون المحكمة الاتحادية العراقية جدلاً واسعاً واعتراضات داخل الأوساط السياسية والقضائية والمدنية هذه الأيام، إضافة إلى رفضه من قبل ممثلين للأقليات الدينية والعرقية، وذلك جراء مخاوف حقيقية من أن يكون القانون خطوة جديدة ضمن محاولات تحويل البلد إلى “دولة دينية”.

وأنجز مجلس النواب مناقشة مشروع قانون المحكمة الاتحادية العليا والمقدم من اللجنة ‏القانونية. ودارت خلال جلسة المجلس، مناقشات ومداخلات لبعض النواب تناولت أهمية مراعاة الملاحظات والاعتراضات على قانون المحكمة، وخاصة ما يتعلق بترشيح خبراء الشريعة من قبل الوقفين الشيعي والسني، وامكانية اشراك فقهاء الدستور في الجامعات بالإضافة لبحث جعل مسار انعقاد المحكمة بالأغلبية المطلقة وتخفيض عدد الفقهاء من 4 أعضاء إلى 2 وجعل 2 الآخرين أعضاء احتياط. وقد شدد ممثلو المكونات والأقليات على جعل دور الفقهاء استشاريا من دون الحق في التصويت. ويتعين على اللجنة القانونية رفع الصيغة النهائية لمشروع القانون إلى البرلمان للتصويت عليه.

وحظي مشروع تعديل قانون المحكمة الاتحادية باعتراضات ورفض لبعض الفقرات فيه، وخاصة المتعلقة بالزج برجال دين (فقهاء مسلمين) في عضوية هيئة المحكمة الاتحادية المكونة حاليا من تسعة قضاة، يراد لهم ان يصبح عددهم 13 عضوا ضمنهم الرئيس ونائبه.

وانصبت معظم مخاوف المعترضين من ان تكون هيئة المحكمة تحت ضغط وتوجيه رجال الدين الذين يمثلون سلطة واقعية مؤثرة في المشهد العراقي في هذه المرحلة، وبالتالي فان المحكمة ستخضع في قراراتها إلى العامل الديني لمكون واحد (الإسلام) على حساب مكونات الشعب العراقي المتعددة، مع قلق من ان يكون ذلك ضمن سياق تقليد نظام الحكم في إيران.

وتعد المحكمة الاتحادية العليا، من أهم السلطات القضائية الرئيسية في البلد، وتقوم بمهمة الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة، وتفسير نصوص الدستور، والفصل في الخلافات عند تطبيق القوانين الاتحادية، كذلك الفصل في الاتهامات الموجهة إلى رؤساء الجمهورية ومجلس الوزراء والنواب وأعضاء الحكومة والبرلمان، والمصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب، وغيرها من المهام الخطيرة في المشهد العام للبلد.

الاعتراضات على القانون

 

النائب السابق في البرلمان يونادم كنا، أشار في حديث لـ “القدس العربي” إلى موقف المكون المسيحي من مشروع قانون المحكمة الاتحادية، بان الاعتراضات ليست من قبل المكون المسيحي فقط بل ومن الجانب الكردي ومنظمات المجتمع المدني ورجال القانون أيضا.

وبين كنا ان “الاختلاف الأول يتعلق بفقرة تصويت المحكمة الاتحادية على القرارات، هل يكون بالاجماع أو الثلاث أرباع أو غيره، والخلاف الآخر هو ان البعض يطالبون بحق الفقيه الإسلامي بالفيتو على قرارات المحكمة، وهل يكون في المحكمة أربعة فقهاء دين أم اثنين”.

وأضاف هناك أيضا خلاف ان البعض لديهم توجه لتحديد عمر الفقهاء، وهو غير متعارف عليه في دول العالم، هل يكون مدى الحياة أو عندما يكون غير قادر على القيام بمهامه فيترك منصبه، وهناك اتجاهان لتحديد فترة الفقيه في المحكمة بـ15 سنة وبان يكون العمر75 سنة، منوها إلى ان الجهة التي تختار الفقهاء في المحكمة عليها خلاف أيضا، علما بأن جميعهم مسلمون.

وأشار السياسي المسيحي إلى ان مشروع قانون المحكمة السابق الذي طرح في البرلمان عام 2015 كان يقترح وجود فقيهين والآن يطالبون بأربعة، منوها إلى ان “وجود الفقيه في المحكمة سيجعله يتدخل في كل تفاصيل الحياة التي قد يعتقد انها تتعارض مع الشريعة”.

وحول مبرر وجود فقهاء في المحكمة الاتحادية، أكد انه “لا حاجة لفقهاء مسلمين أو غيرهم لأن أعضاء المحكمة الحالية 9 بينهم ثمانية مسلمين، ألا يكفي ذلك، كما أنه لا توجد دولة في العالم تشرع تشريعات ضد الدين، فمن من الخوف إذا؟”.

وذكر كنا، أن قانون المحكمة الاتحادية القديم صدر في فترة الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر بعد الاحتلال، وهو لا يتبع الدستور وكان يحتاج إلى التغيير لكون أحد الشروط اللازمة في دولة المؤسسات، وجود قانون المحكمة الاتحادية والمجلس الاتحادي، ولكن التغيير لا يكون بهذه الطريقة.

وفي سياق حملة رفض قانون المحكمة الجديد، شن النائب المسيحي السابق جورج صليوا، انتقادات واسعة عبر وسائل الإعلام، رفض فيها صيغة مشروع القانون حول وجود رجال دين مسلمين بين أعضاء هيئة المحكمة الاتحادية، مؤكدا ان جهود النواب المخلصين في البرلمان السابق أفشلت ضم الفقهاء إلى المحكمة لأن وجودهم سيكون فيه ضرر على المكونات غير المسلمة في العراق. وأكد صليوا، ان هذه محاولات لجعل النظام في العراق شبيه بالنظام في إيران، مبديا رفضه القاطع لهذا التوجه وداعيا البرلمان والقوى الوطنية لرفضه أيضا.

ومن الاعتراضات الأخرى على مشروع القانون الجديد، التي حفلت بها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، ضرورة عدم منح صلاحيات التصويت لخبراء الفقه الديني في المحكمة الاتحادية، بل يفترض أن يمنحوا حق تقديم الاستشارة فقط، بينما أبدى العديد من المعترضين على القانون الجديد، مخاوف من إمكانية تحول العراق إلى “دولة دينية” بوجود الثقل الذي يمثله الفقهاء الأربعة على المحكمة، أو أن تتحول المحكمة الاتحادية إلى نسخة من “مجلس تشخيص مصلحة النظام” في النموذج الإيراني.

فرض الطابع الديني على العراق

 

وليست محاولة فرض سلطة رجال الدين على المحكمة الاتحادية الأولى لترسيخ صبغة دينية على النظام في العراق منذ عام 2003 حيث سبق وان اثيرت ضجة كبيرة على قانون البطاقة الوطنية، الذي اعتبرته المكونات غير المسلمة، بانه يلحق الضرر بهم كما يتعارض مع الدستور.

فقد أجبرت الضغوط المحلية والدولية، رئيس الجمهورية السابق فؤاد معصوم، على إعادة قانون البطاقة الموحدة إلى مجلس النواب لتعديله بما يتناسب وطلبات بعض القوى السياسية والنيابية، بالتزامن مع رفض نواب الأقليات غير المسلمة وبعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) لفقرة مثيرة للجدل في القانون المذكور.

وصوت مجلس النواب في 27 من تشرين الأول/أكتوبر 2015 بالموافقة على قانون البطاقة الوطنية الموحدة، الذي أثارت المادة 26 منه، رفضا واسعا من الأقليات غير المسلمة، حيث نصت على أنه “يجوز لغير المسلم تبديل دينه وفقاً للقانون، ويتبع الأولاد القاصرون في الدين من اعتنق الدين الإسلامي من الأبوين”. كما تنص على “تبديل الدين وتبديل الاسم المجرد إذا اقترن ذلك بتبديل الدين في محكمة المواد الشخصية”.

وأكد نائب رئيس البعثة الأممية، جورجي بوستن، في كلمة له خلال احتفالية اليوم العالمي للتسامح في بغداد، أن “المادة 26 من قانون البطاقة الوطنية الموحدة جاءت في وقت حرج يمر به العراق، فالتعايش مصدر السلم والسلم مصدر الأمان والأمان يعني الاستقرار وهذا كل ما تريده كل المكونات الدينية والعرقية في البلد”، موضحا أن “قانون البطاقة الوطنية الموحدة في العراق يهدد الأقليات الدينية وسيكون مصيرها مشابها لمصير اليهود”.

كما سبق ان دعت بعثة الأمم المتحدة في العراق، الحكومة العراقية إلى دعم وحماية الأقليات من الإيزيديين والمسيحيين والشبك والصابئة المندائيين، مؤكدة أن العراق في حاجة إلى جميع مكوناته لإعادة البناء في مرحلة ما بعد “داعش”.

وأكدت البعثة، إن “المسيحيين يمثّلون واحداً من المجتمعات القديمة في هذا البلد، والذي يعود تاريخه إلى الأيام الأولى للمسيحية وبلاد ما بين النهرين. وقد تضاءل حجم هذا المجتمع الأصلي، الذي بلغ تعداده في الثمانينات قرابة 1,3 مليون نسمة، إلى ما يُقدّر بنحو 400 ألف نسمة اليوم” مؤكدة ان “العراق يستمد قوته من تنوّعه الثقافي والديني وتاريخه الغني. وينبغي حماية هذه الثروة ورعايتها من قبل حكومة العراق وشعبه”.

وكان النائب السابق يونادم كنا، ذكر سابقا لـ”القدس العربي” “ان المادة 26 من قانون البطاقة الموحدة الذي صدر من مجلس النواب مؤخرا، هي خرق لمبادئ الإسلام وأسوأ مما كان عليه الحال أيام النظام السابق، مشددا على أن “هذا القرار يعبر عن وجود توجه نحو الدولة الدينية في العراق أكثر من السابق، وهو يرسل رسالة سيئة جدا للمجتمع الدولي عن توجهات الدولة وخاصة في مجال الحريات الدينية”.

وقد تصاعدت دعوات إلى البرلمان والحكومة والأحزاب التي تديرهما، بضرورة مراعاة مخاوف المسيحيين والمكونات الأخرى من قانون المحكمة الاتحادية العليا، بينما أشار آخرون إلى أن المشروع الحالي يعزز شعور الأقليات بالإقصاء والإهمال، ويمثل تهديداً للنسيج الاجتماعي الذي يميز العراق المتعدد الأديان والقوميات والمكونات.

ودعا آخرون إلى تجاهل مشروع القانون الجديد كون المحكمة الحالية تعمل وفق قانون نافذ لا يحتاج سوى تعديلات بسيطة، مشيرين إلى ان اقتصار الفقهاء في المحكمة على المسلمين يتعارض مع الدستور الذي يعد ضامناً لجميع مكونات الشعب العراقي.

ونبه بعض الكتاب والإعلاميين إلى أن محاولة تشريع قانون المحكمة الاتحادية بالشكل المطروح، يتعارض مع إعلان حكومة عادل عبد المهدي مؤخرا، توجيه دعوة رسمية لبابا الفاتيكان لزيارة العراق، حيث سبق ان دعا المرجع الأعلى للمسيحيين، الحكومة العراقية إلى الاهتمام بالمكون المسيحي وتوفير الحقوق والحماية الضرورية لهم لمنع إفراغ العراق منهم.

وفي النهاية فان مشروع قانون المحكمة الاتحادية الجديد وقبله قانون البطاقة الوطنية، وإجراءات أخرى تعرضت لها المكونات والأقليات التي تمثل مكونا أصيلا في المجتمع العراقي، كالتهميش والاستهداف والانتهاكات، على يد عناصر بعض قوى (الإسلام السياسي) التي تهيمن على الدولة في عراق ما بعد 2003 وعلى يد تنظيم “داعش” الإرهابي، ستعزز بالتأكيد مخاوف وشكاوى أبناء تلك الأقليات، وتزيد من حركة الهجرة والنزوح الواسعة من البلد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية