الاقتصاد الرقمي ومستقبله في العالم العربي

لينا وهب
حجم الخط
0

تتوجه المساعي العربية اليوم للاستفادة من الانتشار الرقمي في سبيل النهوض بالوضع الاجتماعي والاقتصادي الحالي للأقطار العربية، الأمر الذي انعكس بصورة واضحة في أكثر من مؤتمر اقتصادي ومحفل رسمي أبرزها على الصعيد العربي كان في القمة العربية التنموية الاقتصادية والاجتماعية الرابعة. فقد شهد هذا العام انعقاد عدّة فعاليات بتنظيم من منظمات دولية، وأيضاً من القطاعين العام والخاص، جميعها تصب في موضوع الاقتصاد الرقمي؛ وقد صدرت عنها توصيات وبنود هامة مؤثرة في صنع القرار وتقدم البلاد وازدهارها بالنظر لأهمية ما جاء في تلك المؤتمرات المتعلقة بشكل مباشر أو ضمني بالاقتصاد الرقمي. وللاستفادة من المقابلة الخاصة التي أجريناها مع وزير شؤون الاستثمار والتكنولوجيا اللبناني عادل أفيوني، قمنا بنقل المشهد الاقتصادي الذي خرجنا منه في تلك المحطات الاقتصادية، وشَرَعنا الباب على مصراعيه نحو الرؤية المستقبلية للاقتصاد في الوطن العربي والتنمية المستدامة فيه.

إن الاقتصاد الرقمي هو ذلك الاقتصاد الذي يعتمد على الإبداع وتفاعل العنصر البشري من خلال استخدام الهواتف الذكية وما تشمله من تطبيقات، وعناصر التكنولوجيا كافةً وخصوصاً الانترنت من أجل تحقيق التبادل التجاري والمعرفي الرقمي، بشكل يعود بالأرباح المادية على المستثمرين. لابدّ في الاقتصاد الرقمي من توفر الشروط التالية: التحول الرقمي في إدارات ومؤسسات الدولة، سن القوانين والتشريعات اللازمة، وتوفير البنى التحتية والدعامات اللازمة لنموه وازدهاره. يبدو جلياً من خلال ما سبق، عولمة الاقتصاد والاستفادة من التكنولوجيا للانتقال نحو اقتصاد رقمي في ظل وجود بيئة بشرية متفاعلة وفاعلة.

فالاقتصاد الرقمي هو الاستخدام الأمثل للمعلومات والبيانات الضخمة big data وتكنولوجيا المعلومات ووسائل الاتصال في تحقيق التنمية المستدامة والنمو الاقتصادي والاجتماعي وتحسين توفير خدمات القطاع العام، ولخلق مجتمعات ذكية، ولتحقيق العدالة المجتمعية والمساواة بين أفراد المجتمع كافةً.

 

 

خطوات استباقية

 برز الاهتمام العربي بموضوع الاقتصاد الرقمي، بصورة خاصة في مطلع هذا العام، في القمة العربية التنموية الاقتصادية والاجتماعية الرابعة التي انعقدت في بيروت في 20 كانون الثاني/يناير2019 حيث تم الاتفاق عربياً على ادراج الاقتصاد الرقمي ضمن البنود المعتمدة في القمة لما يشكله من أهمية في تحريك التجارة بين الدول العربية، وذلك بناءً على مبادرة واقتراح رئيس الجمهورية ميشال عون.

وفي هذا السياق، مهد لبنان الطريق بخطوات استباقية تسهم في المضي قدماً نحو الاقتصاد الرقمي، كالاهتمام بالتحول الرقمي الذي يرعاه ويكفله القانون. فتم في 21/10/2018 إقرار القانون رقم 81 “قانون البيانات الشخصية والمعاملات الإلكترونية” الذي اهتم بتشريع التحول الرقمي والتوقيع الالكتروني. فأصبحت هناك إمكانية من عقد الصفقات وإتمام عمليات البيع والشراء رقمياً، وبشكل قانوني، في ظل وجود تشريعات تسمح بالمصادقة على التوقيع الإلكتروني.

وانطلاقاً مما سبق، نظمت عدّة مؤسسات محلية ودولية في لبنان عديد الفعاليات حول الاقتصاد الرقمي، وحظي هذا الموضوع باهتمام كبير لدى الدولة، وأيضاً لدى المؤسسات في القطاع الخاص وكذلك في القطاع العام، ولدى خبراء الاقتصاد.

تدخل التكنولوجيا اليوم في معظم المجالات في حياتنا الأمر الذي يسهل انتشار المعرفة ويساهم بشكل أساسي في دخول عالم الاقتصاد الرقمي. وهذا ما تمحور حوله “المنتدى العربي رفيع المستوى للقمة العالمية لمجتمع المعلومات وأجندة 2030 للتنمية المستدامة” الذي نظمته الاسكوا على مدى ثلاثة أيام من 19-21 أذار/مارس في بيروت، حيث جمع المنتدى مجموعة من الخبراء وأصحاب القرار في البلاد لمناقشة سياسة التكنولوجيا وإدارة الابتكار في سياق يتأثر إلى حد كبير بديناميكية التغيير والتوازن الضروري بين إنشاء ونشر المعرفة. والجدير بالذكر أن تحقيق النمو السريع للاقتصاد الرقمي يدخل في عدد لا يحصى من جوانب الاقتصاد العالمي التي تؤثر على القطاعات المختلفة من الخدمات المصرفية إلى قطاع الطاقة أو النقل أو التعليم أو النشر أو الإعلام أو الصحة.

وفي حين تم تكريس قدر كبير من الاهتمام للتكنولوجيا الرقمية، فإن النقطة الأكثر أهمية هي الحاجة المتزايدة للمعرفة وتسخيرها من خلال استخدام التكنولوجيا لتحقيق الرخاء الاقتصادي والنمو المعرفي للمجتمع. ومن أهم التوصيات التي خرج بها هذا المنتدى في بيانه الختامي بخصوص الاقتصاد الرقمي يتمثل في البند الخامس الذي ينص “البحث والتطوير والابتكار في بناء اقتصاد رقمي قوي مزدهر ومتطور على الصعيدين الوطني والإقليمي، مما يسمح بالتنافس مع الاقتصادات الوطنية الأخرى وتأمين فرص عمل للشباب”.

الشراكة بين القطاع الخاص والعام

وفي هذا السياق، تم انعقاد مؤتمر”تأثير التكنولوجيا على الاقتصاد اللبناني” الذي أكدّ فيه وزير الاتصالات اللبناني محمد شقير على أهمية الاستفادة من التكنولوجيا لدخول عالم الاقتصاد الرقمي. وأشار أيضاً إلى عمل وزارة الاتصالات في هذا الاتجاه، لتدعيم البنية التحتية للاتصالات من خلال نشر تقنية الـ 4G كما وعد بالعمل على إدخال تقنية الـ5G  إلى لبنان بحلول العام 2021.

على هامش هذا المؤتمر، وفي مقابلة خاصة مع وزير الدولة لشؤون الاستثمار والتكنولوجيا اللبناني عادل أفيوني، أكدّ أفيوني على أهمية تشجيع الشراكة بين القطاع الخاص والقطاع العام لتحقيق النجاح في الدخول بالاقتصاد الرقمي. هذا الأمر من شأنه أن يؤدي إلى تحقيق التكامل في الإمكانيات والموارد بين القطاعين من حيث جذب الاستثمارات والشركات الأجنبية والعالمية وما لديها من موارد مالية وتقنيات، ومن حيث استخدام الموارد البشرية اللبنانية وتشجيع تلك الشركات على توظيف الشباب المبدع اللبناني وخلق فرص عمل لهم.

وفي محادثة قصيرة مع المتحدث جيمس تايلور، عُقبَ تقديمه عرضاً حول الإبداع والذكاء الاصطناعي في المؤتمر نفسه، أكدّ تايلور بأن الإبداع هو من أهم الأمور الأساسية لدى الإنسان والتي من دونها لا يمكن تحقيق ريادة الأعمال؛ وبالتالي لا يتحقق النمو في الاقتصاد الرقمي من دون الإبداع والأعمال الإبداعية. وشدّد تايلور على موضوع الإبداع الإنساني كشرط أساسي في جميع المجالات، وأكدّ أن الإبداع الإنساني لا حدود له ولا يمكن أن تحل الآلة محل الإنسان وسيبقى الإنسان وما لديه من إبداع الأساس للنجاح في مختلف الميادين ومنها الاقتصاد الرقمي.

مستقبل الاقتصاد

نتيجة الإبداع الإنساني في الأعوام القليلة الماضية يبدو واضحاً ارتفاع نسبة مستخدمي الهواتف الذكية وما تشمله من تطبيقات، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة مستخدمي شبكة الإنترنت في العالم العربي. ومن هذا المنطلق نشرت صحف عديدة عن هذا الأمر، حيث تطرقت إلى ارتفاع الاستهلاك الرقمي في العالم العربي إلى مستوى ينافس الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة في دول الخليج العربي ما يشير إلى مستقبل واعد للاقتصاد الرقمي. وتشير الاحصائيات الحديثة إلى ارتفاع ملحوظ في نسبة استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وجهاز المحمول الذكي بحيث تصل نسبة الاستخدام للفرد بمعدل 6 ساعات ونصف في اليوم داخل الوطن العربي، ما يقرب ثلث فترة استيقاظهم، وهذا ما أشار إليه الخبير في وسائل التواصل الاجتماعي علي أحمد في المنتدى الحواري الشبابي العربي الذي عقد بتاريخ 5-9 نيسان/ابريل الماضي مؤكداً على الاستخدام الكبير للإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي من قبل الشباب العربي. وسبق أن كشف تقرير صادر عن موقع “هوت سويت” في العام الماضي عن زيادة عدد مستخدمي الإنترنت بمليون مستخدم في كل يوم، أي أن أكثر من نصف أعداد سكان العالم مرتبط بشبكة الإنترنت. هذا الأمر انعكس بشكل ملحوظ على ارتفاع نسبة الاستهلاك الرقمي للسلع والتبادل التجاري الإلكتروني.

علاوةً على ذلك، تواجه البلدان العربية تحديات كبيرة نتيجة النمو الاقتصادي البطيء، والبطالة، وتحديات بيئية، وعدم توفر الاستقرار الأمني، فلا يمكن توقع مستقبل اقتصادي رقمي واعد في الدول العربية ما لم تقم كل دولة بإعداد التقارير الوطنية والإقليمية السنوية لتحليل وضع مجتمع المعلومات العربي من منظور التنمية المستدامة، والبناء عليه لتطوير إطار استراتيجي رئيسي في كل بلد لربط أهداف التنمية المستدامة بالاستراتيجيات الرقمية وخطط العمل. لذلك، فإن استخدام وسائل تكنولوجيا المعلومات والاتصال من شأنه أن يجد حلولا لتلك التحديات والمساعدة على تحقيق التنمية المستدامة والنمو الاقتصادي.

راهناً، ما زال هناك ضعف عربي في استثمار التكنولوجيا اقتصادياً على مستوى التبادل التجاري بين الدول، وتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة، من خلال الاستخدام التكنولوجي والشبكة العنكبوتية.

خلاصة القول، إن مستقبل الاقتصاد الرقمي في البلدان العربية مرهون بعدّة أمور أهمها وجوب عمل الحكومات العربية على تأمين بنية تحتية ملائمة، ووضع القوانين التي تدعم الاقتصاد الرقمي وتشرعه، وجذب الاستثمارات والشركات العالمية وإنشاء روابط التعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص، والاستثمار في الموارد البشرية والقدرات الشبابية المبدعة من خلال التشجيع على الإبداع ودعمه، والتشجيع على الاستهلاك الرقمي، وتسهيل عمليات التبادل التجاري الالكتروني واستخدام مزايا التكنولوجيا والإنترنت، ودعم برامج محو الأمية لنشر المعرفة والمعلومات؛ وبالتالي إشراك جميع شرائح المجتمع في عملية الاقتصاد الرقمي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية