الغليظ ـ رؤيا مُستوحاة: حين يرتقي الإعداد الجيّد بالعرض المسرحي
الغليظ ـ رؤيا مُستوحاة: حين يرتقي الإعداد الجيّد بالعرض المسرحيدمشق القدس العربي ـ من يارا بدر: (نحب أن تحبوا المسرح، نحب أن يمتلئ المسرح بالجمهور..؟!! والمضحك أنّ الجمهور يُحب المسرح، وهو سيكون مُمتلئً. ولكن، سألت حالي، أين المشكلة؟!!).بهذه الكلمات البسيطة يوقع زهير ألبقاعي معدّاً ومخرجاً عرضه المسرحي الغليظ مع فرقة شباب القنيطرة، ضمن فعاليّات مهرجان الهواة المسرحي الأول في سوريا بدورته الثانية.يؤسس زهير انطلاقاً من بحثه عن الإشكال في العلاقة بين المسرح وجمهوره، عرضاً مسرحياً يحاول سد الثغرة، عرض يُعرّفه كرؤيا مُستوحاة من مسرحية الدب لأنطوان تشيخوف. يبتعد فيه عن الأدلجة والشعاراتية، ليتخذ من البساطة جوهراً له، بساطة أجيد التعامل معها فانتشلت العرض من كم الإشكالات التي وقعت بها معظم عروض المهرجان الأخري، مقتربة به من الحرفية كعرض ينافس بقوة علي جائزة أفضل عرض أمام فرسان عبّاد الشمس لكميل أبو صعب وفرقة شباب ريف دمشق.الأرملة الشابة بثوبها لأسود وغطاء رأسها الحجاب تهاجم صورة الزوج المتوفي علي خياناته لها وسوء معاملته، وخادمتها الأندُنيسية تحاول مواساتها وإخراجها من عزلتها التي فرضتها علي نفسها. فجأة يرن جرس الباب ويدخل الغليظ عبدو الضايج إلي صالون منزلها الأنيق، مُطالباً بدينه علي زوجها لتسديد فوائد البنك العقاري، محطماً بفجاجته وسوقيتهِ أسوار عزلتها الزائفة من جهة، ولاغياً كل ثقل الماضي المرتبط بالزوج الفاسد وخياناته وديونه لهذا الغليظ، أمام لحظة لقاء الرجل بالمرأة.هذه الحكاية هي مزحة الكاتب الروسي أنطوان تشيخوف (1904 ـ 1860) المعروفة باسم الدب ، إلا أنّ إعداد زهير البقاعي للنص يقود المتلقي مُشاهداً وناقداً إلي الحديث عن مفهوم الدراماتورجيا والإشكالات التي وقع بها النص، لتحضر كلمة رؤيا مستوحاة منقذة ً النص ببراعة وخفة من هذه الإشكالات!مزحة تشيخوف الصغيرة تبتعد عن أعماله الكبيرة (النورس ـ الخال فانيا ـ الشقيقات الثلاث ـ بستان الكرز) من حيث البناء الدرامي، ففي حين تتشابه هذه الأعمال الأربع بموضوعاتها وبُنيتها وفضاءاتها، تختلف الدب كل الاختلاف، فالماضي الذي يحضر ثقيلاً مُقيّداً بشكل ٍ دائم لحاضر الشخصيّات في تلك الأعمال، يتساوي هنا مع الحاضر. تؤسس هذه النصوص الكبري لعظمة تشيخوف المسرحية باعتباره الاسم العابر للتجريب في القسم الأول من القرن العشرين، وتطرح ديناميكية النص التشيخوفي، في حين تقوم الدب علي ديناميكية مختلفة. لا يهم تشيخوف هنا كشف العالم النفسي لشخصياته بقدر رغبته بكشف تناقضات الطبيعة البشرية في اصطدامها مع زيف القوانين الاجتماعية، والبُعد النفسي في المزحة هو بُعد يتجاوز الفردي إلي الاجتماعي بعمق داخل الاقتصادية العالية في النص عوض الثرثرة الحاضرة في نصوصه الكبري والمسحوبة من إيقاع الحياة اليومية ورتابتها إلي بنية النص المسرحي وديناميكيته.ہہہيكتب أنطوان تشيخوف نصّه بزمن (الآن.. هنا)، الريف الروسي في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ويُقدّم زهير البقاعي عرضه الغليظ بزمن (الآن… هنا) أيضاً، سوريا في بدايات القرن الواحد والعشرين، عارضاً لشكل ثقافة يخالف شكل الثقافة الروسي، ويشف عن طبيعة الحياة في المجتمع السوري. فالفوج العسكري المرابط بالقرب من منزل الإقطاعية ايلينا إيفانوفنا بوبوفا ألغي تماماً، كما ألغيت إقطاعيتها ودينها المسيحي وبالتالي فكرة الترهب في الدير، التي كانت مثال الرِفعة الأخلاقية في المجتمع الروسي آنذاك. وحضر عوضاً عنها امرأة دمشقية بثقافتها الإسلامية وقوانين هذه الثقافة التي تفرض حجاباً يُغطي الرأس، وعزلة داخل المنزل، وخادمة بدل الخادم ـ الرجل. أمام هذه التغيّرات الدراماتورجية التي تراعي مفهوم الدراماتورجيا من حيث فهم طبيعة النص الثقافية وتاريخيته، يؤكد المخرج زهير البقاعي من بعد أنطوان تشيخوف علي عدم استقلاليّة المرأة وخضوعها لعادات مجتمعها الزائفة انطلاقاً من أسباب اجتماعية ونفسيّة، فالمرأة في المجتمعين واحدة، تريد النيل من زوجها وإن كان ذلك بغباء ظاهر. ولكنها أيضاً المرأة المخادعة، الملتوية والزائفة، كإعادة إنتاج للفكرة المقدسة في كلا الدينين المسيحي والإسلامي حين تماهت صورة المرأة مع الأفعي التي أعطتها التفاحة بدلالتها التحريمية.يوجه العرض علي المستوي الفكري إدانة صارخة للمجتمع السوري علي مستويين، الأول لزيفه وقوانينه التي تعتمد الظاهر وتتجاهل الباطن، والثاني لوضعيّة المرأة في تركيبة هذا المجتمع، صحيح أنّ النظام الإقطاعي قد ألغي ولكن المرأة التابعة كموضوع ناقص لرجولة الرجل مؤسس المجتمع البطريركي، والفاقدة لحقوقها كذات إنسانية مُستقلة، ما تزال حاضرة في سوريا كما كانت في روسيا منذ قرن ٍ مضي.هذه الضربة الموجهة إلي مختلف شرائح المجتمع السوري، يُحددُها العرض نوعاً ما باتجاه الشريحة الأعرض في هذا المجتمع التقليدي، ألا وهي الفئة الدمشقية المعروفة بأهل الميدان، وهي تتقارب من حيث البُنية الفكرية مع أثرياء المدن الكبري في سوريا كحلب وحماة. المتمسكة بالظاهر الديني والمالي، والقائمة علي أسس بطركيّة تساعد في إرساء ركائز المنظومة الاجتماعية السائدة والمتحكمة بالمجتمع السوري كافة. يطرح زهير البقاعي عن طريق خطاب الشخصيّات اللغوي، وتفاصيل الجست الحركي نموذجاً لهذه الشريحة. كالأرملة التي ترتدي الحجاب في لقاءها الأول بالرجل الغريب عبدو الضايج ، ثم ترميه بعيداً لتظهر بشعر ٍ أشقر كعادة نساء تلك الطبقة في تقليد الأوربيّات، ليكون ظهورها الثالث لحظة الذروة للمواجهة بالمسدسات في لباس المنزل العادي والشعر المسدول علي الكتفين وماكياج الوجه الكامل. أما الغليظ فأسلوب كلامه اللفظي بمط نهايات الكلمات والتشديد علي بعض الحروف، ومشيته المحكومة بساقيه المتباعدين في سخرية واضحة من هذا لنموذج المتفاخر بذكورته، والتي يكشف تهديده للأرملة بالانتحار شنقاً إن لم تعطه أمواله عن مدي هشاشتها، إذ يجبُن حين تقدّم له الحبل جاهزاً ليشنق نفسه!! كل هذه التفاصيل تحيل إلي الطبيعة الذهنية والجسدية لرجال تلك الفئة المُحافظة.كذلك يُحافظ المًُعدْ والمخرج زهير علي تقنيّات إيصال المعلومات التي يبنيها تشيخوف، بالرغم من اختلاف طبيعة هذه المعلومات بنسبة كبيرة جداً عن تفاصيل النص الروسي. خطاب الشخصيّات الثلاث، الغليظ الدائن، والخادمة والزوجة المخادعة يبني الماضي بشكل متواصل في النص والعرض، إلا أنه يطرح في الكثير من الرموز التي تغنيه كالحصان توبي في الذي كان يحبه الزوج المتوفي، وهو رمز الرجولة والجنس في مقابل فجاجة الدب الكبير بوحشيته والمعروف كحيوان برّي علي عكس الحصان دليل النبالة وواحد من مظاهرها البراقة. في العرض يحذف زهير كلا الفكرتين مُتجهاً أكثر نحو علاقة الرجل بالمرأة، والصداميّة في العرض بينهما جوهرياً أكثر من الصداميّة في السياقات المتنوعة التي يطرحها النص. وكذلك المسدسات الحاضرة في النص كرمز للجنس والعنف، يخرجها زهير البقاعي أيضاً من هذا السياق لتغدو مُجرّد آلية مواجهة في لحظة حاسمة دراميّاً بين الأرملة والغليظ، وإن كانت وظيفتها الدرامية أن تكون لحظة الذروة، فقد أفقدها تتابع اللعب بين الاثنين في العرض تشويقها كلحظة درامية حرجة. كما أنّ المساحة المفردة لخطاب شخصيّة جريجوري سميرنوف ـ الدب في النص تؤسس للتحوّل الذي ينحو به باتجاه طرح مغاير عن السياق الذي بدأ به في علاقته بالسيدة، ويُساعد في فهم وجهة نظره بالمرأة من جهة ويكشف عن بُنيته النفسيّة والذهنية من جهة ثانية، في حين افتقد غليظ البقاعي لمثل هذا الخطاب، ليبدو التحوّل الذي طرأ عليه غريباً عن النص، مُفاجأ ً. يبقي المستوي اللغوي العامل الأهم الذي يلعب عليه المخرج لخلق الكوميديا، وهو عامل يُتيح كشف طبيعة الشخصيات ويطرح تفاصيل (الآن.. هنا). فعوضاً عن الفودكا التي يطلبها ميرنوف ، تحضر الخادمة للغليظ كأس شاي وهو في انتظار سيدتها التي ادعت المرض بسبب ارتفاع درجة حرارتها. يُفكر الغليظ أنها- الأرملة ـ حلوة ولكن باردة، فتصحح له الخادمة أنّ الشاي سخنة.. الكوميديا في النص كانت من أهم عوامل كسب الجمهور، وخاصة أنها لم تبدو مفتعلة، إلا أنّ استبدال الخادم بالخادمة ذات الأصل الاندونيسي تجاوز وظيفته الدرامية ليغدو مساحة يلعب عليها المخرج لخلق شيء من كوميديا الموقف أحياناً والفارس أحياناً أخري كشكل أداء وسم عمل الممثل الذي يلعب دور الخادمة وسيم قشلان ، إلا أنّ كم الكوميديا المطروح في النص من خلال شخصية الخادمة أضاع علي العرض الكثير من الثقل الدرامي الذي يحمله النص الأصلي، وخاصة أمام حذف المُعد للكثير من الرموز ذات السياقات الدلالية المتعددة، والتي تعطي للنص الروسي غناه الثقافي.ہہہتبرز أهميّة النص الروسي بكثافته الزمنية التي تحكم كثافته الدراميّة، كما تتحدّث د. ماري الياس في محاضرة لها حول هذا النص. حيث أنّ زمن الأحداث هو اقل من يوم واحد (فترة ما بعد الظهر)، وهو مُساو ٍ تقريباً لزمن العرض، أي أنّ الخشبة لا تبقي فارغة أبداً فلا شيء هام يحدث خارجها. والعلاقة مع المكان هنا هي علاقة ولوج هذا الغريب بفجاجته من العالم الخارجي إلي العالم الواقعي الذي يمثله صالون منزل الأرملة الثرية بمختلف المنظومات الفكرية والاجتماعية التي تحكمه، ليحطمها واحداً إثر واحد. وبالتالي إنّ ما نراه علي الخشبة هو سيرورة أكثر من التحوّل بالمعني الدرامي ـ الأرسطي ـ للكلمة. مما يقود بُنية هذه المسرحية الدرامية لأن تكون مغلقة علي ذاتها، وإن اتخذت مساراً لها فهو نحو العمق. يستفيد زهير البقاعي من قصر المسرحية والظاهر الذي تقوم عليه كمزحة، ليبني عرضاً يُضحك الجمهور دون تهريج، وإن أضاع بعضاً من كثافته الفكرية أحياناً. يستحضر لممثليه جستاً لغوياً وجسدياً ميزاً لكل شخصية، ومن تقاطعات هذه الجستات وسياقاتها المعرفية تتوضح البنية العميقة للنص. أمّا علي مستوي المشهديّة المسرحية، فقد اختار زهير لخشبته ديكوراً بسيطاً مؤلفاً من مقعد عريض وكرسي وطاولة، ولوح لتعليق الملابس عليه بقايا مرآة، في منتصف الخشبة لوح خشبي يُمثل باب الصالون الذي يفصله عن باقي غرف المنزل الداخلية. ديكور ناسب خشبة مسرح القباني الصغيرة نسبياً، موفراً للممثلين فضاءً مريحاً للعلب، مُتناسقاً بألوانه الهادئة، كالرمادي والأخضر الغامق، والخشبي مع إضاءة المكان وطبيعة الحالة الدرامية لهذا المنزل، يبتعد عن القطع الضخمة التي تكسر الإضاءة وتشتت أبعاد الصوت التمثيلي.إنّ إعداد زهير البقاعي وإن وقع في مطب الكوميديا الزائدة، إلا أنه نجح بتجاوز عملية تبيئة النص التقليدية عبر تغيير الأسماء والملابس، للوصول فعلاً إلي اللعب علي الحكاية، وتقديم رؤيا مسرحية متوازنة عن إشكالات المجتمع السوري، مستوحاة من نص الكاتب الروسي أنطوان تشيخوف.ـ بطاقة العرض:ـ العرض: الغليظ”- رؤيا مستوحاة من مسرحية لأنطوان تشيخوف.ـ إعداد وإخراج: زهير ألبقاعي.ـ الممثلون: – فيحاء أبو حامد: بدور الأرملة.ـ وسيم قشلان: بدور الخادمة.ـ زهير ألبقاعي: بدور الغليظ.ـ الإضاءة: عصام مسكي.ـ الديكور: زهير ألبقاعي.ـ الملابس: جيانا عني.ـ اختيار الموسيقي: وسيم قشلان.ـ مساعد المخرج: ياسين بشار.0