تجري «الانتفاضة الصامتة» في القدس منذ شهرين تقريبا. وهي «صامتة» لأن وسائل الاعلام لا تتحدث عنها. فغزة وداعش والجولان أمور مهمة قطعاً لكن القدس أصبحت تُقسم في هدوء دون أن نفكر في ذلك. وقد وقعت آلاف الاحداث من هجوم على يهود ورشق بحجارة واطلاق مفرقعات نارية والقاء زجاجات حارقة على يهود في خطوط التماس؛ فضلاً عن عشرات الأحداث التي نفذ خلالها يهود محبطين هجمات استهدفت عرباً، ولا يتم الحديث عن كل ذلك إلا في حواشي نشرات الاخبار.
إن القدس أصبحت تقسمها من جديد «جغرافية الخوف» – وهذا مصطلح صُك في أيام الانتفاضة الاولى – فقد صار عدد أقل من اليهود وعدد أقل من العرب يتجاوزون أحياءهم الى «الجانب الآخر»، وأخذت تقل «الاختلاطات» الكثيرة بين اليهود والعرب التي لم نكثر السماع عنها في الايام المعتادة.
إن نسيج الحياة المعتادة والتعايش والتعاون مثل المستشفيات وفرع النقل العام أو سوق العمل، ما زال موجوداً لكن تظهر شقوق فيه أيضاً. إن مستشفى هداسا في جبل المشارف – وما حوله – الذي يعالج اليهود والعرب بمساعدة فريق يهودي وعربي لا يكف عن تلقي الحجارة والزجاجات الحارقة؛ ويضرب السائقين العرب الذين يعملون في «إيغد» أو في شركات نقل، يضربهم مشاغبون من اليهود.
بل أصبح البدو في شارع معاليه أدوميم في القدس جزءاً من تلك «القصة». ففي أحياء التماس مثل أرمون هنتسيف بازاء جبل المكبر أو التلة الفرنسية بازاء العيسوية بدأ اليهود ينظمون انفسهم للدفاع عن انفسهم. واصبحت جزر الاستيطان اليهودية الصغيرة في مدينة داود وكدمات تسيون والحي الاسلامي أو في بيت يونتان تجد نفسها في حصار اكثر من مرة. بل إن ظاهرة الحرائق التي يبلغ عددها عشرات كثيرة في المدينة وما حولها بل بالقرب من الكنيست تتصل بنشاط معاد. هناك مبنيان احدهما في ارمون هنتسيف والآخر في نفيه يعقوب يرمزان الى الازمة في العلاقات بين اليهود والعرب في القدس والى الانفجار الذي يصيب العاصمة الآن. وقد وثق اليشع بن كيمون من الصحيفة المحلية «أنباء القدس» (يديعوت يروشاليم)، وثق تدهور العلاقات بين العرب واليهود الذين يسكنون في هذين المبنيين معا (القسيمة 353 في شارع «همحتروت» في ارمون هنتسيف، والقسيمة 700 في نفيه يعقوب)، وليس ذلك امرا يمكن الافتخار به، فهناك الكثير من العنصرية والعداوة المتبادلة لكن هذه هي اعراض الجو العام فقط.
إن ورقة الاختبار الحقيقية التي سيكتب فيها بالمستقبل أمر توحيد القدس أو تقسيمها هي القطار الخفيف الذي يقطع المدينة من الجنوب (جبل هرتسل) الى الشمال (بسغات زئيف) ماراً بالحيين العربيين شعفاط وبيت حنينا. وقد كان هدف وسيلة النقل المتقدمة هذه في الاصل أن تخفف من الزحام في الشوارع والنقل العام في القدس، واصبح القطار في واقع الامر رمزا للتعايش الهش، وقد خدم في السنوات الثلاث الاخيرة في كل شهر مئات آلاف اليهود وعشرات آلاف العرب وكان عدد المناوشات صفرا. وجسد القطار كل ما هو سوي العقل في القدس. لكن قتل الفتى محمد أبو خضير، بعد اختطاف الفتيان الثلاثة وقتلهم، جعله بمرة واحدة رمزا لاحداث الشغب حينما صب مئات الشباب العرب من شمال القدس غضبهم عليه فدمروا محطات وافسدوا معدات نفيسة.
وعاد القطار للعمل بعد بضعة أيام لكنهم منذ ذلك الحين وفي كل يوم تقريباً يرمونه بالحجارة والزجاجات الحارقة، وقد كان نحو من مئة واقعة الى الآن (أي واقعتان أو ثلاث في كل يوم). وتصر البلدية والشرطة – وبحق كبير – على الاستمرار على تحريكه في الاحياء العربية ايضا واصبح القطار الآن راية التعايش المتعثر، فالذي ينزل هذه الراية يرفع راية بيضاء في واقع الامر.
تفخر الشرطة بعدد ضخم من المعتقلين يزيد على 600 شخص وبنحو 250 لائحة اتهام، لكن من الحقائق المهمة أن كل هذا لم يردع أحداً ولم يوقف الهجمات، فالمطلوب قدر أكبر من الابداع من الشرطة أيضاً لا من الجيش الاسرائيلي فقط، ويجب عليهم تحسين الاستخبارات وإغراق المدينة برجال شرطة وجنود آخرين والوصول الى رؤساء المشاغبين. ويجب اذا لم يوجد مناص إبعادهم عن القدس كما فعلوا بالمحرض الكبير الشيخ رائد صلاح. فالمحكمة ستجيز ذلك بشرط أن تأتوا بأدلة واذا لم تسارعوا الى التنبه فان التحول الى انتفاضة ساخنة في العاصمة مسألة وقت فقط.
اسرائيل اليوم 3/9/2014
نداف شرغاي