■ دأبت جماعة الحوثي الدينية المسلحة على الاتكاء على الشعار الديني، وشعارات أخرى إيديولوجية، ترتبط بمقاومة «قوى الاستكبار العالمي»، وغيرها من الشعارات التي دأبت تلك الجماعة على ترديدها سنوات طويلة، وهي شعارات خارجية لا علاقة لها بحاجات قطاعات واسعة من اليمنيين.
في الماضي كانت الحركة الحوثية تغترف من الدين شعاراتها التي تدغدغ بها مشاعر البسطاء من الناس، لتخفي وراء تلك الشعارات حقيقة طموحاتها السياسية والعسكرية. وقد ساعدها في ذلك وجود حصيلة كبيرة وغزيرة من الأدبيات في هذا السياق لدى القاموس الإيراني وترجمته العربية لدى حزب الله اللبناني بشكل خاص.
كان لفظ الجلالة «الله» من أكثر الكلمات التي استهلكها ـ للأسف ـ الخطاب الحوثي في سعيه الحثيث لتحقيق طموحاته التي أشرنا إليها. وقد كانت تسمية «أنصار الله» التي طلع بها الحوثي لأنصاره مؤخراً، هي قمة الاستفادة من القاموس الديني الذي رصع به الحوثي خطاباً سياسياً بحتاً، لا علاقة له بالله ولا بالدين، ولكن له علاقة بالسياسة والمكاسب المادية والسلطوية. كما تأتي مظلومية «أهل البيت»، والحسين بوجه خاص في مقدمة مفردات الخطاب الديني المسيس للحوثيين، الذين استعاروا صرخة «لبيك يا حسين» من القاموس الإيراني وفروعه العربية، مع العلم أن رأس المذهب الزيدي، الذي يزعم الحوثيون بقاءهم عليه هو الإمام زيد، الذي قتل على يد جيش الأمويين، وليس الإمام الحسين، الذي قتل على يد جيش أموي كذلك.
وعلى الرغم من ذلك اختار الحوثيون الرموز الدينية الطائفية المرتبطة بالإمام الحسين لا بزيد، وذلك لتلافي الصدام مع فكر الولي الفقيه الذي يدور في شقه الديني حول ثيماته الحسينية المقدسة، التي لا يعد الإمام زيد بموجبها إماماً معصوماً، ولكن رجلاً خرج عن «منهج أهل البيت» بادعائه ما ليس له، إلى الدرجة التي استحق فيها منزلة «الكافر»، عند عدد من كبار أئمة الإمامية التي آلت أخيراً إلى ولاية الفقيه. ولسنا في حاجة إلى أن نقول إن التكتيكات الحوثية اقتضت ـ حالياً ـ تنحية زيد لصالح الحسين، تماشياً مع مقتضيات سياسية تلقي بظلالها على المحتوى الديني لهذه الحركة، التي تستعمل الخطاب الديني مع ميل واضح لمنهج الخميني ذي المحتوى الحسيني لا الزيدي. وبعيداً عن المحتوى الديني للشعارات، دأبت الحركة الحوثية، كذلك، لسنوات طويلة على ترديد شعارات ذات محتوى سياسي وإيديولوجي مرتبط بشكل أكثر وضوحاً بمحتوى ولاية الفقيه، غير أن تلك الشعارات تردد من قبل عناصر هذه الحركة بطريقة آلية، لا تعكس واقع هذه الحركة البعيدة عن مضامين هذه الشعارات. ومن أهم الشعارات التي رددها «أنصار الحوثي» شعار «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل»، وغيرها من الشعارات التي تدعي مقاومة أمريكا وإسرائيل، رغم أن الحوثي لم يخض معركة واحدة ضد الأمريكيين أو الإسرائيليين، وقد كانت قيادات حوثية تشعر بالحرج إزاء ترديد هذه الشعارات الفارغة، نتيجة لإدراكهم البون الشاسع بين واقع الحركة وشعاراتها.
والملاحظ على الشعارات التي وظفها الحوثيون سابقاً، سواء أكانت دينية أم إيديولوجية، أنه لم تكن لها علاقة بمعاناة الناس اليومية، وأنها ليس لها محتوى وطني، وأنها فوق ذلك أصبحت مستهلكة بشكل يجعل ترديدها غير ذي جدوى. وقد أدرك الحوثيون في ما يبدو ذلك، حيث قرروا أخيراً تغيير طبيعة الشعارات المستخدمة للمرحلة الحالية، وما سيليها من مراحل، وذلك بالبحث عن شعارات ذات طابع محلي، مرتبط في مضامينه وألفاظه بالداخل المحلي، على عكس الشعارات التقليدية لهذه الحركة المرتبطة بالسياقات الإقليمية والعالمية.
وبعد سنوات طويلة من ترديد الشعارات الدينية والإيديولوجية الملتبسة، وجد الحوثيون ضالتهم الجديدة في شعارات تحشيدية أخرى، ولكنها هذه المرة ذات طابع محلي اقتصادي. وقد جاءت الجرعة السعرية التي رافقت رفع الحكومة الحالية الدعم عن المشتقات النفطية، جاءت هذه الجرعة بمثابة «الكنز الثمين» الذي وفرته الحكومة بسياساتها التي دأبت على العمل بأيسر الحلول من وجهة نظر القائمين عليها، وهو تحميل المواطن العبء الأكبر في سياساتها الاقتصادية، بدلاً من تدشين سياسة حقيقية لمكافحة الفساد، والازدواج الوظيفي والتهرب الضريبي، وتقليص النفقات العامة.
استغل الحوثيون الوضع الاقتصادي المتأزم، الذي شاركوا ـ أصلاً – في ترديه بفعل حروبهم المتواصلة، التي تسببت في هروب رأس المال والشركات الاستثمارية، استغلوا هذا الوضع في ابتكار شعاراتهم الجديدة التي يرددها أنصارهم اليوم في شوارع صنعاء، ومسلحوهم على تخومها. ومن واقع هذا الوضع رفع الحوثيون اليوم شعار «إلغاء الجرعة، إسقاط الحكومة، تطبيق مخرجات الحوار الوطني». وهذه شعارات محلية بعيدة عن قتال الأمريكيين والإسرائيليين، وبعيدة عن القاموس الديني في شقه الطائفي الذي استمد منه الحوثيون شعاراتهم في الماضي.
وبالنظر إلى تلك المطالب التي صيغت على شكل شعارت نلحظ أنها لا تختلف عن الشعارات السابقة للحركة، التي صيغت لغرض التحشيد والكسب السياسي، وكما كانت الشعارات الدينية والإيديولوجية للحركة فارغة من مضامينها، فإن الشعارات ذات الطابع المحلي فارغة من مضامينها كذلك.
وبالنظر إلى المطالب الثلاثة السابقة واحداً واحداً، نلحظ أن الأول منها «إلغاء الجرعة»، الذي هو مطلب مشروع، استغل بشكل ميكيافيلي واضح، ففي الوقت الذي يخرج فيه الحوثيون «من أجل الشعب» كما يقول زعيمهم، فإنهم هم الذين أرهقوا المواطنين بالإتاوات التي تؤخذ من المواطنين في المناطق التي يسيطرون عليها باسم «صندوق الجهاد»، و»إطعام المجاهدين» وغير تلك من الإتاوات لدعم جهاد الحوثيين ضد الدولة والمجتمع اليمني، ثم إن الحوثيين هم الذين جرعوا اليمنيين ويلات الحروب ونشروا مخيمات اللاجئين والنازحين في محافظات صعدة وحجة وعمران، حيث يعيش مئات الآلاف بلا مأوى ولا غذاء سوى ما توفره لهم منظمات الإغاثة الدولية والمحلية.
أما في ما يخص إسقاط الحكومة، فهو شعار فارغ من مضمونه، لأن ذلك هو مطلب جميع القوى السياسية الحالية، وهناك توجه بتشكيل حكومة جديدة، غير أن الحوثيين يرفضون حتى اللحظة الدخول في تشكيلتها، لأنهم يريدون البقاء على هذه الحال التي تعطيهم المزيد من المكاسب، بدلاً من الدخول في حكومة سيكونون مسؤولين عن فشلها حال فشلت. بقاء الحكومة الحالية يخدم الحوثيين أكثر من ذهابها، وهذه هي المفارقة التي يدركها الحوثيون ويشتغلون عليها. ومن المفارقات كذلك أن الحوثيين الذين يتهمون الحكومة بالفساد – وفيها فساد بلا شك – هم أنفسهم الذين يتحالفون مع لوبيات تجارة السلاح الفاسدة، وهم الذين عينوا تجار السلاح في مناصب عليا في محافظة صعدة، مع أن أسماءهم موضوعة ضمن قوائم سوداء وطنية وعالمية، ثم إن الحوثيين معروفون بعلاقاتهم بلوبيات التهريب وعصاباته المنتشرة على ساحل البحر الأحمر، وفوق ذلك كله، فإن الحوثيين احتضنوا مؤخراً الفاسدين الذين انضموا إليهم، وأعلنوا تأييدهم لهم من شخصيات عامة ورجال أعمال وشخصيات حزبية معروفة بفسادها الكبير الذي يغض الحوثيون اليوم الطرف عنه اليوم لاستفادتهم من انضمام مثل هذه الشخصيات لهم.
وأما شعار «تطبيق مخرجات الحوار الوطني»، فهو ثالثة الأثافي – كما يقال – فقد جاء في خطاب عبدالملك الحوثي، الذي أعطى فيه إشارة البدء لمسلحيه لمحاصرة العاصمة: أن «المبادرة الخليجية» لا تعنيه، ثم قال: إن من مطالبهم «تطبيق مخرجات الحوار الوطني»، وهو تناقض عجيب، إذ أن الحوار الوطني مؤسس أصلاً على المبادرة الخليجية التي يقول إنه يرفضها، في الوقت الذي يطالب بتطبيق مخرجات حوار منبثق عنها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن البيان الرئاسي الأخير لمجلس الأمن الدولي سمى زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي وقائدها الميداني أبو علي الحاكم معرقلين للمبادرة الخليجية ولتطبيق الحوار الوطني، لأن الحوثيين إلى الآن يرفضون تسليم محافظة صعدة لسلطة الدولة، ويرفضون تسليم سلاحهم، بل ويتوسعون بشكل يومي، وبطريقة لا تنبئ عن نية التزامهم بمخرجات الحوار التي ينادون بتطبيقها.
وأخيراً فإن الشعارات المحلية التي يرفعها الحوثيون اليوم لا تختلف عن الشعارات الدينية والإيديولوجية التي رفعوها من قبل، وهي شعارات ليست للتطبيق، ولكن للتحشيد الجماهيري ولتحقيق مكاسب سياسية لا علاقة لها بمعاناة الناس الذين عانوا من حروبهم وتهجيرهم، ولا بالحوار الوطني الذي كانوا أول من خرج على مخرجاته، ولا بإقالة الحكومة التي كان من فسادها أنها مكنت لهم الأمر حتى أصبحوا اليوم يحاصرون العاصمة صنعاء.
٭ كاتب يمني من أسرة «القدس العربي»
د. محمد جميح