بغداد-“القدس العربي”:تحرص حكومة عادل عبد المهدي على إعادة ترتيب علاقتها بالفصائل المسلحة الشيعية، في أعقاب تطورات وقعت مؤخرا وهددت هيبة الحكومة ووضعتها في حرج شديد أمام العراقيين والمجتمع الدولي، كما عرضت علاقات البلد الخارجية إلى المخاطر، أبرزها استهداف القواعد العسكرية والشركات النفطية الأجنبية بالصواريخ، واقتحام السفارة البحرينية في بغداد، ومعلومات عن قصف منشآت سعودية من العراق وغيرها.
وجاء صدور المرسوم 237 عن رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، بتنظيم العلاقة بين الحكومة والحشد الشعبي، لينهي جدلا طويلا حول استمرار عمل الحشد من عدمه بعد الإعلان الرسمي عن انتهاء تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق”(داعش).
ويقضي القرار بإنهاء جميع المظاهر المسلحة خارج نطاق الدولة والمؤسسة العسكرية الرسمية، كما يهدف لإعادة هيكلة “الحشد الشعبي” بوصفه تشكيلا عسكرياً رسميا منذ عام 2015 وتابعاً إلى القائد العام للقوات المسلحة، لضمه إلى القوات النظامية، مع إنهاء جميع التسميات التي كانت تستعملها الفصائل خلال فترة الحرب على “داعش” واستبدالها بتسميات عسكرية (فرقة، لواء، فوج… الخ). كما يقضي بغلق جميع مقراتها، وحصرها في معسكرات محددة. والأمر المهم هو إمهال عبد المهدي، الفصائل المسلحة غير المرتبطة بالحشد الشعبي، شهرا واحدا للاختيار بين التحول إلى العمل السياسي أو عدها خارج إطار الدولة، وهو اعتراف ضمني بوجود فصائل مسلحة خارج الحشد الشعبي.
وكما هو متوقع، فقد تسارعت ردود الأفعال على القرار بين ترحيب القوى المستفيدة ورفض المتضررة. وكانت أول استجابة للقرار، من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي أمر بحل سرايا السلام التي تعمل بإمرة التيار وإغلاق مقراتها وتغيير اسمها السابق والارتباط بالأجهزة الحكومية، معربا عن الأمل بان “لا يلحق الظلم بعناصر السرايا” أي استبعادهم عن القوات المسلحة الرسمية.
كما أيدت معظم الفصائل المسلحة الشيعية هذا القرار وخاصة تلك التي سيخدمها الوضع الجديد بمزيد من الارتباط بالقوات الرسمية والتمتع بالرواتب والتجهيزات إضافة إلى منحها الحصانة اللازمة للعمل. وكذلك رحبت أغلب الأحزاب ومنها السنية بتوجه الحكومة لاحتواء الفصائل المسلحة وإنهاء حالة تفرد بعضها بالتصرف في ساحات عملها وعدم انصياع عناصرها إلى القيادات العسكرية الحكومية ضمن المناطق التي يتواجدون فيها.
أما أبرز المعترضين على القرار الجديد فهو بعض الفصائل المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني والتي لديها تجارب سابقة في التمرد على أوامر بغداد، وأبرزها كتائب حزب الله العراق، التي علقت على القرار الحكومي ببيان ادعت فيه، انه “لولا وقفةُ فصائل المقاومة الإسلامية، لما بقي للدولة العراقية كيان، ولكان مصيرها الانهيار والتفكك”. وطالبت الحركة الحكومة بدل ملاحقة “المجاهدين” ان “تقوم بمعالجة جماعات تأتمر من الأجنبي، منها ميليشيا البيشمركه الكردية التي حاربت القوات الاتحادية” كما دعت إلى “معالجة ميليشيات النجيفي” في إشارة إلى حرس نينوى الذي انشأه محافظ نينوى السابق اثيل النجيفي لمحاربة “داعش” إضافة إلى إخراج القوات الأمريكية من العراق، مع تأكيد الكتائب أنها “لا توجد لديها نية بالانخراط في العمل السياسي”.
وعلى خلفية القرار الجديد طالبت قوى سياسية منها كتلة القانون الشيعية، بشمول قوات البيشمركه بهذا القرار وضرورة خضوعها إلى بغداد وليس لقادة الحزبين الكرديين الرئيسيين، وهو الأمر الذي رفضته وزارة البيشمركه.
وعن مبررات القرار فإنه جاء بعد عقد اجتماع الرئاسات الثلاث (الجمهورية والوزراء والبرلمان) الذي بحث إعادة هيكلة الحشد الشعبي وزيادة ربطه بالقوات المسلحة مع حصر السلاح بيد الدولة بالنسبة للفصائل المسلحة خارج الحشد، وذلك لقطع الطريق على قيادات بعض الفصائل التي تتصرف بدون الرجوع للحكومة والتي سببت احراجات للبلد أمام المجتمع الدولي وبلدان المنطقة، وخاصة بعد اقتحام السفارة البحرينية في بغداد وقصف بعض المعسكرات ومواقع الشركات النفطية التي يتواجد فيها أجانب، إضافة إلى تهديدات متواصلة من بعض الفصائل باستهداف المصالح الخليجية والأمريكية في المنطقة إذا نشب نزاع بين إيران وأمريكا.
إلا ان ضربة قوية تلقتها جهود الحكومة، عندما أعلن النائب السابق، مشعان الجبوري، وصحيفة أمريكية، أن الأمريكيين قدّموا لعبد المهدي “أدلة من شأنها إدانة طرف عراقي” في عملية استهداف منشآت نفطية سعودية أواسط أيار/مايو الماضي. ورغم انكار عبد المهدي وتأكيده أن “كل أجهزتنا الاستخبارية وكل قواتنا لم ترصد ولم يثبت لها هذا الشيء” إلا ان هذه المعلومات تعززت بعد قيام السلطات السعودية بنصب منظومات مراقبة ورصد جوي على حدودها مع العراق عقب ذلك الهجوم، ما جعل المخاوف من هجمات تنطلق من العراق، أكثر إثارة لقلق دول الخليج، وهو ما عجل في إصدار حكومة بغداد قرارها بشأن فصائل الحشد لتطمينها.
وتزامنا مع محاولات الحكومة الترويج بأن القرار سينهي الازدواجية في العلاقة التي تحكم الفصائل المسلحة بين الخضوع للقائد العام وبين تعدد ولاءات أفرادها لقياداتها، فإن المراقبين يتفقون على ان فصائل الحشد الشعبي الأساسية باقية ضمن القوات الرسمية، بأسماء مختلفة وبحصانة أكبر، وبسياقات عمل أكثر تنظيما، مع صعوبة إنهاء تأثير قياداتها الحالية عليها، وانه من شبه المستحيل ان تتخلى بعض الفصائل عن ولائها لطهران. وهكذا سيكون هذا القرار، بمثابة الاختبار الأكثر صعوبة لحكومة عبد المهدي في قدرتها على تنفيذ القانون على الجميع، بما يتطلبه من حزم وقوة للسيطرة على تلك الفصائل المسلحة، والذي في ضوء نتائجه ستتحدد إمكانيتها في تخفيف قلق المحيط العربي والولايات المتحدة من خضوع فصائل منفلتة للتأثير الإيراني.