خالد خليفة: “لم يصلّ عليهم أحد”

حجم الخط
0

يقول الناشر على الغلاف الأخير إنّ هذه الرواية “تحفر في سرديات المنطقة، وتقترح سردية جديدة ومختلفة لمدينة حلب في القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، عبر قصص متشابكة عن الحبّ الموؤود، والموت المحقق عبر المجازر والطاعون والزلازل والكوليرا، ومفهوم الهوية والانتماء وأسئلتهما. إنها ليست مجرّد رواية عن طفل مسيحي ناجٍ من مجزرة ماردين، تربّيه عائلة مسلمة في حلب، بل ملحمة إنسانية حقيقية عن الطوفان والقلق البشري، عن وهم النجاة من هذا الطوفان، وعن ورطة الحياة بحدّ ذاتها. مصائر صغيرة تقودنا إلى مصائر أكبر لمدينة حلب التي شهدت عبر تاريخها الطويل تحوّلات اجتماعية وسياسية ودينية عميقة، يرصدها خليفة بتقنيات جديدة، في هذه الملحمة المسكونة بالحبّ والموت”.

والحال أنّ “لم يصلّ عليهم أحد” ليست، بالفعل، الرواية الأكثر ملحمية بين أعمال خليفة السابقة، فحسب؛ بل لعلها ليست بعيدة عن أن تكون إنجازه الأفضل حتى الآن؛ سواء لجهة البناء، المتكامل والفسيفسائي، لمعمار سردي بالغ التشابك والتعقيد، لا يسهل ضبط توازناته وإيقاعاته؛ أو لجهة الإدارة البارعة لعشرات الشخصيات التي تتقاطع وتتبادل الأدوار أو تتنافى، في مجاميع من الأزمنة المركبة والأمكنة المتباعدة. هذا الاحتشاد، البشري والجغرافي والتاريخي والرمزي، يقتضي من القارئ مشقة إضافية في متابعة الوقائع والشخوص والحبكات الفرعية الكثيرة؛ ولكنه، في الآن ذاته، يتولى تشييء المناخات الملحمية بتؤدة تشويقية مبهجة، ويسبغ على سيرورة القراءة طرازاً خاصاً من المشاركة الفاعلة.

قبل هذه الرواية كان خليفة قد أصدر “حارس الخديعة” في سنة 1993، ثمّ “دفاتر القرباط”، “مديح الكراهية”، “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة”، و”الموت عمل شاقّ”؛ وقد وصلت أعماله مرّتين إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية. هنا فقرات من ختام الرواية:

لم تصدق وتفهم حتى رأت عشرات الشباب يتشاورون ثم يغوصون خلفه في النهر، كانت الألوان تبدو لسعاد جديدة، تتغير كل لحظة، وبقايا حوش حنا التي لم يتوقف زكريا وحنا وماريانا عن الحديث عنها كفردوس مفقود لم يبق منها سوى هذه الغرفة المتربعة على التلّ.

قبل أن ينتصف النهار بقي زكريا مكانه على الكرسي يراقب كل شيء، قطع من جسده تتساقط منه وهو غير مبالٍ، رأت سعاد آلاف البشر ينزلون من الباصات والسيارات التي ملأت المكان، ويتجهون نحو ضفة النهر، كأنّ مدينة انبثقت من جديد، عشرات الشباب يغوصون في المياه الباردة يبحثون عن حنا الذي اختفى في الأعماق التي سار إليها قبل الفجر بقليل، كان القمر مكتملاً، يسطع على صفحة النهر الهادئ، لم يتهمل طويلاً، غاص في أعماق النهر، هناك كان ابنه كابرييل وجوزفين وابن زكريا والخوري وخطيب إيفون وأبوه صاحب المطحنة وباقي الغرقى ينهضون من موتهم مرحين، اصطحبوه من يده إلى ملكوتهم في أعماق النهر حيث الحياة هناك طرية والأسماك لا تموت”.

نوفل، بيروت 2019

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية