فاضل السلطاني: “عند منتصف الذاكرة”

حجم الخط
0

 

في سنة 1982 أصدر الشاعر والمترجم العراقي فاضل السلطاني مجموعته الشعرية الأولى “قصائد”، أعقبتها مجموعات “النشيد الناقص”، “محترقاً بالمياه”، “ألوان السيدة المتغيرة”، ولا أحد يعود”. هذه هي المجموعة السادسة، وتضمّ 26 قصيدة قصيرة أو متوسطة الطول؛ تعتمد سيولة عالية من حيث الشكل، فتتكاتف في سطورها صياغات تفعيلية خفيفة الوَقْع متباطئة الإيقاع، تكاد من براعة ضبطها الوزني أن توحي بقصيدة النثر. يشدّد نجاحات هذا الخيار، المعقد والشاقّ في الواقع، أنّ السلطاني يستقرّ على موضوعات تُحسن الانفلات من أثقال الأغراض الذهنية أو التأملية أو التجريدية، وتذهب أكثر نحو التفصيل الشعوري الشفيف، وبصمات الأمكنة، واستعادات الذاكرة الشخصية أو الجَمْعية؛ على خلفية ناظمة كبرى هي ضمير المتكلم الذي يدير غالباً علاقات حوارية مع الآخر الخارجي، كائناً بشرياً أو عنصراً طبيعياً أو رمزاً متعدد الدلالات.

جدير بالذكر أنّ السلطاني أنجز في الترجمة عدداً من الأعمال المتميزة، بينها “قاعة الرقص الرومانسية” للقاصّ الإيرلندي وليم تريفور، و”العيون الأشدّ زرقة” رواية توني موريسون، ومختارات من أشعار ميروسلاف هولوب، وأنطولوجيا لستة وخمسين شاعراً بريطانياً.

هنا قصيدة “جدار” من المجموعة الجديدة:

وأخيراً.. وصلتَ الجدار!

الجدار الذي سوف يصبح بيتاً:

نوافذه تنمو وعشبٌ طويلُ

ويطولُ

قطةٌ في الزوايا

تحاور أصحابها الميتين،

وشراشف مفتوحةٌ للهواءِ

وزوجان خلف الشراشف يختبئان

ثمّ ينسحبانِ

إلى الظلّ ــ كلٌّ إلى ظلّه ــ

بانتظار الصباح الذي سيجيءُ

بحبل الغسيلِ،

وقطته وأصحابها الميتين.

يا لهذا الجدار الغريب!

كيف يخلدً، مثلك، للنومِ

ثمّ يقوم صباحا

مع الشمسِ، أطول من أمسِ

يحضنه الزهر والفجر يهديهِ

ماءَ السماء،

كلما جفّ منه وتدُ

ويرفعه ربُّك، حين يميل،

بلا عمدِ.

يا لهذا الجدار الطويل!

كيف تفتح أبوابهُ،

وتكسّر أحجارهُ،

وتجمع أخشابهُ

ثمّ تصنع منه..

قاربا؟

دار المؤلف، بيروت 2018

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية