في 26 حزيران (يونيو) خسر الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، مدينة غريان التي سيطر عليها في بداية حملته التي بدأها على العاصمة طرابلس لاستعادتها من “الجماعات الإرهابية”. وتؤذن هزيمته في غريان المدينة الاستراتيجية بتعثر حلمه للسيطرة على طرابلس وبالتالي تنصيب نفسه زعيما قويا على كل ليبيا بعدما سيطر على منطقة الشرق والجنوب ومعظم آبار النفط التي يعتمد عليها الاقتصاد الليبي. ويبدو أن الجنرال فقد أعصابه نتيجة للهجوم المفاجئ الذي قامت به الميليشيات التي تدعم حكومة الوفاق الوطني التي تحظى بدعم من الأمم المتحدة.
وتأتي نكسة حفتر الأخيرة رغم الأصدقاء الدوليين الذين أصبحوا يعولون عليه للبروز كرجل قوي في ليبيا أسوة بمصر، بل وجرى التسويق له باعتباره سيسي جديد في ليبيا، في إشارة إلى الرئيس المصري الذي أطاح برئيس منتخب. إلا أن الجنرال الذي قضى ربع قرن في المنفى الأمريكي وعاد إلى ليبيا بعد سقوط القذافي يعتقد مثل الزعيم السابق أن ليبيا ليست جاهزة للديمقراطية ويجب أن يحكمها رجل قوي، يعني حفتر نفسه.
وما فعله حفتر بعد عودته إلى ليبيا هو أنه جمع حوالي 20.000 من المقاتلين تحت مظلة ما أطلق عليه “الجيش الوطني الليبي” وبدأ في عام 2014 حملته للسيطرة على ثاني مدن ليبيا، بنغازي ولم يحكم احتلالها إلا بعد ثلاثة أعوام. وعلى خلاف بنغازي، فقد غاصت قواته في رمال العاصمة وجمدت خطوط القتال بين قواته والمقاتلين المدافعين عن العاصمة الذين توحدوا ضده رغم ما بينهم من خلافات حادة. وبسقوط غريان أصبحت قواته بعيدة حوالي 1.000 كيلومتر عن قاعدتها في الرجمة.
وتقول مجلة “إيكونوميست” (4/7/2019) إن المدافعين عن طرابلس يستطيعون العودة إلى بيوتهم والاستحمام بعد يوم قتال طويل تاركين قوات حفتر تنتظر في الصحراء في وقت باتت فيه القبائل التي تدعمه مترددة في إرسال مزيد من المقاتلين. وترى المجلة أن حفتر الذي خسر غريان لم يخسر أصدقاءه بعد رغم حال الإحباط التي نبعت من فشله في احتلال طرابلس سريعا. وتنظر إليه السعودية ومصر والإمارات التي زودته بالسلاح والمقاتلات والمال لدفع رواتب المقاتلين كحليف في الحرب ضد الإسلاميين الذين قوتهم الانتفاضات العربية.
شرق وغرب
وفي الوقت نفسه ترى هذه الدول في ليبيا الثروة النفطية والموقع الاستراتيجي والموانئ ولا تريد أن تكون تحت تأثير الأعداء في المنطقة خاصة تركيا وقطر. وبمساعدة منهم كان حفتر يأمل بالسيطرة على العاصمة كما فعل في المدينة الثانية، بنغازي. ومثلما دعم الحلفاء الإقليميون حفتر فقد دعمت تركيا وقطر حكومة الوفاق الوطني والجماعات التي تدافع عنها بالناقلات المصفحة لتدعيم دفاعات العاصمة. وتقول الدولتان إنهما تدعمان القوى الديمقراطية والتغيير الشعبي وكذا الجماعات التي تشترك معهما بالأيديولوجية الإسلامية. وترى المجلة أن التدخل الإقليمي قد يحول الحرب الأهلية لإقليمية. وفي حزيران (يونيو) هدد أتباع حفتر بضرب السفن التركية التي تصل للمياه الإقليمية الليبية. وقاموا باحتجاز ستة بحارة أتراك أفرجوا عنهم بعدما هددت تركيا بعمل عسكري. ودعمت إيطاليا وفرنسا أطرافا مختلفة، من أجل مصالحهما النفطية. فشركة توتال الفرنسية تدير آبار النفط في الشرق أما إيني الإيطالية فمصالحها في الغرب. ودعمت روسيا التي تدافع عن الديكتاتوريين في المنطقة حفتر. وتقف أمريكا التي يمكن أن تلعب دور الحكم على الجانب متفرجة. وقررت منذ باراك أوباما القيادة من الخلف. واتصل دونالد ترامب مع حفتر- الحامل الجنسية الأمريكية- لتهنئته عندما اعتقد أن حملته على العاصمة ناجحة. وعندما طالبت الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار هددت أمريكا باستخدام الفيتو. ومنذ فشل حملة حفتر تلاشى اهتمام ترامب في “حرب حمقاء” جديدة من حروب الشرق الأوسط. وتقول المجلة إن النزاع لم يؤثر على قيمة الدينار الليبي المستقر ولا على إنتاج النفط الذي وصل إلى 1.1 مليون برميل في اليوم. وفي السعر الحالي للبرميل فإنه قد يعود على ليبيا هذا العام 27 مليار دولار.
النفط
وفي النزاع الحالي يحاول كل طرف تجنب أي ضرر على حقول النفط لأن موارده تساعد على دفع رواتب الموظفين والمقاتلين. وفي الوقت الذي يحاول فيه حفتر استعادة المبادرة إلا أن هذا قد يتغير. وتحظر الأمم المتحدة على الكيانات غير الحكومية بيع النفط بشكل يمنعه من زيادة خزينته. ومنعت أمريكا بيع النفط بشكل مستقل إلا أن حفتر يحاول الضغط مرة أخرى. وهناك تقارير عن توقيع شركات نفط أمريكية عقودا مع حكومة الشرق.
وبعد خسارته غريان زاد حفتر من حملة القصف على طرابلس. ودمر القتال المطار الدولي. ويهدد استهداف المطار الثاني بتعطيله. وتتعرض أنابيب نقل المياه من الصحراء لخطر القصف فيما انخفض مستوى الطاقة الكهربائية إلى تسع ساعات في اليوم. وهرب حوالي 100.000 من سكان النواحي إلى مركز العاصمة. وتعلق المجلة أن سكان العاصمة ربما رحبوا بحفتر قبل قصفه العاصمة بالطائرات إلا أنه بات يخيفهم بزيه الباذخ وترفيعه لأولاده ودعم عناصر النظام السابق، ولا يريدون قذافي جديد ولكن باسم مختلف.
حل سياسي
وترى “إيكونوميست” في افتتاحية لها أن حفتر لم يعد رابحا حيث بدأت أوروبا تضيق مساحة الخلافات بينها وبرد الموقف الأمريكي منه. وتساءلت عن الكيفية التي يمكن من خلالها تجميع ليبيا من جديد. وأشارت إلى أهمية الوحدة لليبيا قبل سقوط القذافي ونقلت ما كتبه في “الكتاب الأخضر” “لو فقدت الشمس الجاذبية فستنفجر منها الغازات وتفقد كتلتها. ولهذا فالوحدة هي أساس البقاء”. وتحولت ليبيا بعد الثورة التي أطاحت به لساحة صراع بين الجماعات المتنافسة وتحولت إلى ميدان خصب للجهاديين ونقطة انطلاق للمهاجرين اليائسين. وترى المجلة أن الجولة الجديدة من الحرب الأهلية تجعل السلام بعيدا. فقد لعبت دول الناتو خاصة بريطانيا وفرنسا دورا في دعم الثورة لكنها جلست تتفرج على البلد وهو يدخل دوامة الحرب الأهلية. وقال باراك أوباما إن الفشل للتخطيط لمرحلة ما بعد القذافي “كان أكبر خطأ” ارتكبه في رئاسته. وبعيدا عن هذا التاريخ يمكن لأوروبا وأمريكا أن تضع ثقلها وتساعد في العملية السلمية التي تدعمها الأمم المتحدة. بدلا من التعويل على فكرة الرجل القوي التي تدعمها دول المنطقة. وتشير إلى أن قدرة حفتر على تحقيق الاستقرار مجرد وهم لأنه لم يسيطر على بنغازي إلا بعد 3 أعوام والتي سواها بالتراب. وبدلا من تحقيق الاستقرار في ليبيا يقوم بزرع الفوضى. وتقول إن أي طرف في النزاع غير قادر على تحقيق النصر، فقوات حفتر مثقلة ومتعبة أما حكومة الوفاق الوطني فضعيفة ولا تحظى بشعبية. واستمرار القتال لن يزيد إلا من معاناة المواطنين. ففي غارة واحدة قتل 44 في مركز احتجاز للمهاجرين قرب طرابلس، ولام كل طرف الآخر. وتعتقد أن أي تقدم لن يتحقق طالما لم يتوقف القتال وتم تشديد العقوبات على الدول التي تخترق الحظر المفروض على تصدير السلاح إلى ليبيا منذ عام 2011. وترى أن الجهود السلمية في إطارها الحالي لن تنجح لأنها تركز على طرفين متنازعين وحكومتين كل منهما يتمسك بحلفائه وقدراته. والأسلم هو بناء حوار وطني يضم ممثلين عن الشرق والغرب والجنوب فيما يجب أن يكون للدول التي لها مصلحة في استقرار ليبيا صوت في مستقبلها. وهذا لا يختلف عما كانت الأمم المتحدة تحضر له عندما شن حفتر هجومه على العاصمة. فقد اقترح المبعوث الأممي غسان سلامة مؤتمرا للحوار الوطني لجمع كل الأطراف كي تتفق على دستور جديد وقانون للانتخابات. وهي خطة معقولة في إطارها ولكنها تحتاج لدعم الأطراف الدولية التي لم تعد جزءا من الحل بل من المشكلة. وفي غياب الحل يصبح القتل مثلما حدث في تاجوراء بداية الشهر أمرا عاديا. بل وأدت خسارة حفتر الأخيرة لاستهداف تركيا وفرض حملة مقاطعة على المنتجات التركية والطائرات، وملاحقة العمال، والكباب والشاورما التركية والطيران.
القرصان
ولم يجد الرئيس رجب طيب اردوغان ما يصف به جنرال ليبيا سوى “القرصان”. ويبدو أن “القرصان” غاضب من الدعم التركي، فبحسب “أويل برايس” (5/7/2019) تحضر تركيا لإرسال كمية جديدة من الطائرات المسيرة التي باتت من الدول الأكثر إنتاجا لها. وكانت هذه الطائرات سببا في هزيمة الجنرال الأخيرة. وتقول المجلة إن هدف تركيا النهائي هو توحيد ليبيا في ظل حكومة الوفاق من أجل رسم الملاحة البحرية في منطقة البحر المتوسط. وقال مسؤول في الخارجية التركية إن اتفاقية كهذه ستخرج كلا من مصر وإسرائيل وقبرص واليونان من المعادلة. وبعبارة أخرى تعتبر ليبيا مهمة في معركة الطاقة التي تخوضها تركيا اليوم في البحر المتوسط، خاصة في مجال التنقيب على الغاز الطبيعي في الشواطئ القريبة من مناطق القبارصة الأتراك. وهناك مقترحات تقول إن تركيا مستعدة لنقل المواجهة أبعد “عسكريا” فليبيا ليست بعيدة عنها كما يعتقد البعض.
لعبة أمم
وتبدو ليبيا اليوم ساحة للعبة الأمم وكأنها تكرار لتلك اللعبة التي تمت في القرن التاسع عشر، وهي صورة عن التناحر الجديد الذي يمتد من منطقة الشرق الأفريقي تدفعه المصالح التجارية والاقتصادية والجيوسياسية ويتم بأسماء عدة مثل محاربة الإرهاب والإسلام السياسي والعداء لتطلعات الشعوب التي ثارت ضد سنوات الظلم. وعندما يفشل “رجل قوي” في متابعة ما تريده القوى الطامحة تبحث عن رجل جديد. وكما لاحظ ليونيد بيرشدسكي في “بلومبيرغ” (8/4/2019) فلو فشل حفتر في السيطرة على طرابلس وضعفت سيطرته على مناطق النفط فسيحاول فلاديمير بوتين البحث عن شخص آخر يقويه من أجل العودة إلى مصادر النفط والغاز وفرص الملاحة البحرية. وما حدث بعد العثور على أسلحة أمريكية تركتها قوات حفتر، له دلالة خاصة بالموقف الإماراتي التي حاولت إبعاد نفسها عن الجنرال. رغم ما أوردته تقارير عدة من دعم الإمارات لحفتر بل وبنائها قاعدة عسكرية في مطار الخروبة العسكري. فالإمارات باتت تخشى على سمعتها في واشنطن كما ورد في تقرير لوول ستريت جورنال الأسبوع الماضي قالت فيه إنها بدأت بسحب قواتها من اليمن. وكان اكتشاف أسلحة أمريكية لدى قوات حفتر كافيا لرسالة من السيناتور الديمقراطي عن ولاية نيوجرسي والعضو البارز في لجنة الشؤون الخارجية، روبرت ميننديز طالب فيها وزير الخارجية مايك بومبيو، بالتحقيق في الأسلحة الأمريكية التي عثر عليها بحوزة ما يعرف بالجيش الوطني الليبي، الذي يقوده الجنرال المتقاعد خليفة حفتر. وعبر فيها عن قلقه بشأن التقارير التي تتحدث عن تزويد الإمارات صواريخ (جافلين) المضادة للمصفحات للجنرال حفتر والجيش الوطني الليبي “ولو صح قيام الإمارات العربية المتحدة بنقل هذه الصواريخ فإن هذا سيكون خرقا واضحا لقانون الولايات المتحدة، ونقل للأسلحة كهذا سيكون انتهاكا لقرار الأمم المتحدة بحظر تصدير السلاح إلى ليبيا”. وطالب بتحقيق فوري مؤكدا أن بومبيو “ملزم قانونيا بوقف صفقات السلاح كلها للإمارات في حال ثبتت صحة هذه المزاعم”. ويقول ميننديز إن هذه ليست المرة الأولى في هذا العام الذي قامت فيها الإمارات بتزويد حفتر بالسلاح المصنع في أمريكا، في خرق واضح لقانون الولايات المتحدة، مشيرا إلى تقرير شبكة أنباء “سي أن أن” في شباط (فبراير) الذي كشف عن تزويد الإمارات بعربات مضادة للألغام إلى جماعات وكيلة لها في اليمن، واحدة منها مرتبطة بجماعة مصنفة إرهابية.