الخرطوم: بعد أشهر من الغموض السياسي أخذ السودان أولى خطواته نحو انتقال ديموقراطي، غير أن تنفيذ المجلس العسكري لاتفاق لتقاسم السلطة مع المحتجين لا يزال يطرح تحديا.
وقال كبير محللي مجموعة الأزمات الدولية آلان بوزويل إنّ “المسار الوحيد للمضي قدما هو التوصل لاتفاق تفاوضي بين الطرفين”.
توصّل المجلس العسكري الحاكم وقادة الاحتجاجات في السودان في الساعات الأولى من صباح الجمعة إلى اتّفاق لتقاسم السلطة، ينص على تشكيل هيئة مشتركة يُفترض أن تقود المرحلة الانتقاليّة المقبلة.
واتفق الطرفان على إنشاء “مجلس سيادي” يشرف على تشكيل حكومة انتقالية ولمدّة ثلاث سنوات، وهو المطلب الرئيسي للمتظاهرين.
وستكون رئاسة المجلس بالتّناوب بين العسكريّين والمدنيّين، وهو ما شكّل اختراقا بعد أشهر من الأزمة السياسية التي اعقبت إطاحة الجيش بالرئيس السابق عمر البشير في نيسان/أبريل إثر انتفاضة شعبية.
وبلغ المأزق السياسي ذروته في 3 حزيران/يونيو حين اقتحم رجال بملابس عسكرية اعتصاما للمحتجين امام مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم، ما أسفر عن مقتل العشرات وإصابة المئات.
وأدت حملة القمع الدامية لتنديد دوليّ رغم إصرار قادة الجيش على انهم لم يأمروا بفض الاعتصام.
وتوصل الطرفان لاتفاق على تقاسم السلطة بعد أسابيع إثر وساطة مكثفة من إثيوبيا والاتحاد الأفريقي.
وقال بوزويل إنّ “أي اتفاق يعد خطوة إيجابية. التحدي سيكون حقا جعل المجلس العسكري ينفذ ما وعد به”.
والسبت تعهد رئيس المجلس العسكري الفريق أول عبد الفتاح البرهان “تنفيذ” الاتفاق “بتعاون وثيق” مع قادة الحركة الاحتجاجية.
وسيتكون المجلس السيادي من ستة مدنيين وخمسة عسكريين. وسيسمي تحالف الحرية والتغيير المنظم للاحتجاجات خمسة من المدنيين الستة.
سيرأس “المجلس السيادي” في البداية عسكري لمدّة 18 شهراً، على أن يحلّ مكانه لاحقاً مدني حتّى نهاية المرحلة الانتقاليّة.
وعلى خلفية الهجوم الدامي في 3 حزيران/يونيو، يشكك خبراء في ما إذا كان المجلس العسكري سيلتزم بتعهداته بموجب الاتفاق.
وقال الأستاذ المساعد في جامعة كينغز كولدج في لندن أندرياس كريغ إنّ “السؤال الرئيسي يتعلق بما إذا كان الجيش أو القطاع الأمني بشكل أوسع سيتعاونان بشكل كامل مع الأعضاء المدنيين أم أن التعاون سيكون مجرد واجهة”.
وتابع إنّ مدى “رغبة القطاع الأمني في قبول سيطرة المدنيين ستحدد إذا كان السودان يمضي لحكم مدني كامل في المستقبل” أم لا.
وحكم البشير، الذي وصل إلى السلطة إثر انقلاب دعمه الإسلاميون في عام 1989، بقبضة من حديد بدعم من الأجهزة الأمنية خصوصا جهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني الذي يتهمه حقوقيون بانتهاك حقوق الإنسان والحريات.
ويقول خبراء إنّ اتفاق تقاسم السلطة اختراق تحتاج إليه البلاد بشدة، لكنّه ليس حلا طويل الأمد للأزمة السياسة في السودان.
وإحدى الخلافات المحتملة ستكون حول التشكيلة النهائية للبرلمان الانتقالي.
وأرجأ اتفاق الجمعة تشكيل البرلمان الانتقالي المكوّن من 300 مقعد والذي اتفق الطرفان في محادثات سابقة على أنّ 67 في المئة من مقاعده سيشغلها نواب من الحركة الاحتجاجية.
وقال المحلل بوزويل إنّ “العجز عن التوصل لاتفاق بشأن الهيئة التشريعية يشكل خطرا. ومن شأن ذلك أن يصبح معضلة جديدة”.
وأضاف: “حتى في أفضل السيناريوهات، ستمضي السودان في مرحلة انتقالية مليئة بالتحديات خلال السنوات المقبلة”.
وأكّد بوزويل أنّ حركة الاحتجاج “ستحتاج بالتأكيد لمواصلة حشد قوتها المتمثلة في الشارع للضغط على المجلس العسكري للالتزام بتعهداته”.
وقال القيادي في حركة الاحتجاج بابكر فيصل “في أجواء الاحتقان، يعتبر الاتفاق على مجلس سيادي وحكومة خطوة الى الامام”.
وتابع أنّ “الخيار الثاني كان طريق المواجهة”.
وبات التحالف الآن مسؤولا عن تعيين رئيس وزراء وحكومة تكنوقراط انتقالية.
وأقر فيصل أنّ “الأوضاع الاقتصادية في غاية الصعوبة. مستوى الغلاء مرتفع جدا على المواطنين”.
وتابع أنّ “هذه إحدى التحديات الرئيسية. هذه الثورة فجرتها أيضا أزمة الخبز”.
واندلعت التظاهرات أساسا في 19 كانون الأول/ديسمبر الفائت احتجاجا على رفع أسعار الخبز ثلاثة أضعاف، قبل أن تتحول سريعا لحركة احتجاج ضد البشير في أرجاء البلاد.
وقال الصحافي السوداني البارز خالد التيجاني إنّ التصدي للمخاوف الاقتصادية سيكون أحد التحديات العديدة التي ستواجه قادة الاحتجاج في مسؤولياتهم الجديدة.
وأوضح “الحكومة ستضم قوى الحرية والتغيير” مضيفا أن التحالف “حمل نفسه مسؤولية كبيرة، ففي النهاية سيلقى اللوم عليه في أي فشل”. (أ ف ب)