قصة فيلم قاتل حقاً تتغير الدنيا!

حجم الخط
0

قصة فيلم قاتل حقاً تتغير الدنيا!

عزت القمحاويقصة فيلم قاتل حقاً تتغير الدنيا!زمان كنا نتخذ من الأفلام المتقنة فرصة لمزاولة أفلامنا الخاصة. لم يكن الجمهور يقبل علي السينما ذات الجماليات العالية. وكانت الصالة الخالية، أو شبه الخالية لوكيشن مكانا مناسبا للحب، يباشر فيه العاشقان الوحيدان أو العشاق القليلون ألعابهم الخاصة. بالطبع، هناك من ينتصرون للصالة المزدحمة مكاناً لمباهج اللمس والخمش، لكن الصالات الخالية أفضل بما لايقاس. إلي الآن لم تتغير الجماهير الغفيرة ولم تتزحزح عن ضجرها من الجماليات بشكل مطلق، وهذا في الحقيقة ما يستحق البحث. لكن ثبات الجماهير علي مبدأها لاينفي أن الزمان تغير، أو أنني تغيرت. في حفل العاشرة مساء كنت واحداً من خمسة نشاهد فيلم العطر في إحدي صالات القاهرة. كنت مع ابني، وكانت سيدة مع ابنتها، وكان رجل آخر مع نفسه. عرض خاص لخمسة، ليس لديهم من الانشغالات ما يشوش المشاهدة.. وجدوا الفرصة في الاستراحة للتعارف والتساؤل حول لغز فرز الجماهير للأفلام الجيدة ومناصبتها العداء، علي الرغم من أن فيلماً مثل العطر لاتنقصه الإثارة التي تجلل الأفلام البوليسية. بعد الختام ظل السؤال معلقاً، سألت أحد العاملين بالصالة إن كان هذا هو مستوي الحضور في كل الحفلات، فنفي بحماس: لا، ليس دائماً هكذا، فحفل الثالثة ظهراً حضره خمسة وعشرون!*** الخبرة ذاتها؛ خبرة الانفراد بالصالة عايشتها في العديد من الأفلام الجيدة التي تحقق المتعة إلي جانب شروطها الجمالية العالية مثل فيلم ساعي البريد عن رواية أنطونيو سكارميتا التي تتناول بابلو نيرودا مع ساعي بريده نصف المعتوه نصف الثائر، نصف الشاعر، العاشق الكامل الذي مات في الفيلم، ومات في الواقع بعد إنجاز الفيلم. الفيلمان كلاهما عن نص أدبي، لكن مجرد إنتاج رواية العطر لباتريك زوسكيند كان حدثاً يستحث الفضول، فالرواية واحدة من النصوص التي لايبيت المرء مطمئناً إذا لم تكن علي رفوف مكتبته. نادرة هي الروايات التي توصلنا إلي هذا الاستحواذ وإلي رهبة فقدها: مدام بوفاري، الليدي شاترلي، الجميلات النائمات، ومائة عام من العزلة، لكن زوسكيند أضاف إلي متعة القراءة التي تقدمها هذه الروايات الكلاسيكية بعداً جديداً علي التخييل الروائي يتمثل في ثقافة الإتقان، وفي احتياج بعض العوالم الروائية إلي خبرة تقنية في مجالها، وإمكانية أن تقدم الرواية معرفة أو (وهم معرفة مقنع) بعوالم خاصة مثل عالم صناعة العطور، وقد بدا زوسكيند خبيراً به.غرونوي بطل الرواية الذي يستطيع أن يميز ملايين الروائح في الحياة، بما فيها روائح الأحجار الميتة، ولد وسط نتانة سوق السمك، غادرها إلي نتانة المدابغ، ومنها إلي بهجة العطر، في محل خبير عطور مفلس تجاوزه الزمن.وللمفارقة فإن اليتيم المتجول بين عوالم الحدود القصوي من الرائحة مولود بلا رائحة خاصة به. وطبيعي لمن يمتلك هذه الموهبة أن يتلخص العالم لديه في الرائحة وأن يعتبر نفسه غير موجود. علماً بأن أي مخلوق ـ عادي بالرائحة ـ عاش حياة العبيد التي عاشها غرونوي هو غير موجود بالنسبة للمجتمع، لكن غرونوي بموهبته بني عزلته صياداً للروائح، إلي أن صار مجرماً لأن قدراته الخارقة علي الشم قادته إلي اكتشاف رائحة الحياة في العذاري فتحول إلي قاتل غامض، لايقتل بهدف سرقة الذهب كما فعلت عصابة الأختين ريا وسكينة في مصر، بل كان يسرق الأرواح ليستقطر روائحها. المثير للتأمل أن غرونوي الذي ماتت أمه بائعة السمك يوم ولادته كانت المرضعات يهربن منه لشراهته في الرضاعة، مارس شراهته فيما يبدو بعلاقته مع مؤلفه، فامتصه امتصاصاً، وبدت الرواية بيضة ديك يصعب الاعتراف بجوارها بأي عمل آخر يكتبه زوسكيند، قرأنا له قصصاً قصيرة في مجموعة هوس العمق ، ورواية الحمامة القصيرة، وكان من الممكن أن يعود القاريء راضياً، لولا أن هذه الأعمال جاءت بعد العطر .وشأن كل كتابة عظيمة تنطوي الرواية علي العديد من مستويات القراءة، ابتداء مما يقدمه عنوانها الفرعي قصة قاتل مروراً بسؤال الكينونة والحياة والموت، وأسرار الروح، والجسد، وليس انتهاء بشخصية مؤلفها اليهودي وتكوينه الثقافي، وما إذا كان غرونوي تجسيداً لغواية أو جبلة الغيتو اليهودي، حيث يمثل غرونوي المنقطع عن العالم غيتو من شخص واحد !هذه المستويات كلها جعلت من تحويل العطر مخاطرة كبيرة، قيل إن مخرجين كباراً مثل ستانلي كوبريك ومارتن سكورسيزي أعرضوا عنها، وكان زوسكيند نفسه متخوفاً من المصير السينمائي لغرونوي لأن أحداً لايمكن أن يعرف جماله مثلما يعرفه هو بوصفه مبدعه. لكن المخرج الشاب توم تويكر تصدي للمهمة وأضاف درساً جديداً في الإتقان الفني يجعلنا نتساءل، ما إذا كان غرونوي توم تويكر أجمل من غرونوي زوسكيند، بعد أن خلص الفيلم الرواية من كل ما هو نافل وغير ضروري.***الرائحة، موضوع صعب التجسيد علي الشاشة، لكن المخرج استطاع أن ينقل إلي صالات العرض عبر الصورة روائح المدابغ ومحلات العطور والمروج من خلال تحفيز الحواس الأخري إلي حدها الأقصي لتصبح حاسة الشم محمولة فيما بينها.استخدام ذكي لألوان الملابس والديكور (الرمادي والأسود لغرونوي وللأماكن النتنة، والأبيض للعذراوات والألوان الساخنة للزهور ومستهلكات العطر). الموسيقي كانت رافعة أخري، مع التنويع الرهيف علي الصورة مستخدما حركة الريح: الوسيط الضروري لحمل الرائحة. يبدأ الفيلم بأنف شره يخرج من الظل ليحتل الشاشة في حركة شهيق يحتوي بها العالم، أنف يسبق صاحبه ويقوده إلي حتفه، في أداء يشبه المعجزة للممثل البريطاني بين ويشو الأكثر شباباً من مخرج الفيلم. والذي قام بواحد من أصعب أدوار البطولة، فغرونوي شبه أخرس، لم يتبادل سوي القليل من الكلمات مع الآخرين. هو البطل في وجود داستين هوفمان، الذي قام بدور قصير ومؤثر.والفيلم كله تحفة فنية تستحضر بإتقان زمن الرواية، وكلاهما يترك حقنا في التأويل مفتوحاً، بما في ذلك اعتبارها تنويعة من سيرة عدم الاندماج اليهودي ابتداء من السعي إلي اجتثاث روح العالم وانتهاء بالانتحار. ثيمة لاتتغير، والجمهور أيضاً لم يتغير ففاتته فرصة مشاهدة فيلم ظالم الحسن. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية