«الصبي الخادم» للكاميروني فرديناند أويونو: افريقيا وملامح رواية ما بعد الكولونيالية

■ تكتسب الرواية في افريقيا هويتها الفنية والأيديولوجية من التجربة ما بعد الكولونيالية التي تأتي بوصفها أحد أهم مصادر الكتابة السردية، فالرواية في افريقيا تحفل بالإرث الاستعماري، الذي يكاد يستغرقها. ومن هنا نسعى في هذه المقالة إلى تحديد ملامح الرواية ما بعد الكولونيالية، من خلال نموذج رواية «الصبي الخادم» للكاتب الكاميروني فرديناند أويونو، التي نشرت لأول مرة عام 1966، في حين نشرت طبعتها العربية الأولى سنة 1981 بترجمة محمود قدري، مع مقدمة وضعها الروائي العربي إلياس خوري.
تتأتى قيمة الرواية من كونها تقدم صورة للوعي الاستعماري المدرج في صيغ الخطاب ما بعد الكولونيالي، إذ يمكن أن نتبين بجلاء بعض مستويات الخطاب التي ما انفكت تشكل سمات الرواية الافريقية، ونعني العرق، والعنصرية، والفضاء الجغرافي، والاستيهام الجنسي، كما اللغة، والأهم أنها تندمج مجتمعة في آلية لغوية وخطابية، باتت تشكل ثقل الكتابة ما بعد الكولونيالية، ونعني التمثيل Representation.
الرواية في مجملها تنهض على الرؤية بشقيها: البصري والذهني، أي تلك المعاينة التي تتضافر بين عاملي البصر، أو التلصص، والتأمل في الذات والآخر، عبر محاولة فكفكة التمثيلات التي تأتي من لدن الذات السوداء تجاه الوجود الأبيض، ولهذا يمكن القول بأن حبكة الرواية تتحدد بتلك اليوميات التي تهدف إلى بناء وعي جديد، في ما يتعلق بالإنسان الأبيض، بالتضافر مع منظومة من المتعاليات التي تعكس طبيعة علاقة القوة والضعف، ولكن في تكوين جدلي متبادل، غير أن السمة الأبرز، ذلك الوعي للحضور الأبيض، حيث تنقله لنا الشخصية الرئيسة التي نقرأ تجربتها عبر يوميات يعثر عليها الراوي، وتشكل الأثر المتبقي لهذا الوعي الذي ينتقل من تجربة سكنت الذاكرة، إلى تشكيل لغوي مستمر في العالم، ولاسيما بعد أن يموت مؤلف اليوميات، وهنا نشدد على أهمية أن تتحول الكتابة إلى تفعيل للوجود، فبغياب اليوميات سوف تُطوى التجربة، ويدركها النسيان، فكان لابد من تفعيل الخطاب اللغوي المضاد، القادر على ممارسة شكل من أشكال الرد، والتذكر. ولعل هذا ما تعلمه المستعمَر من الرجل الأبيض، فقد قام الأب «غيلبرت» بتعليم الفتى الافريقي «تاوندي» القراءة والكتابة… فالأب «غيلبرت» لديه دفتر يوميات، وهي من عادات الرجل الأبيض، كما يقول الطفل، الذي أفاد من المستعمَر كيفية توظيف النموذج الكتابي كي ينقل لنا تجربته، بحيث تحولت عملية الكتابة إلى وسيلة أو آلية استولى عليها المستعمَر من المستعمِر كي يتخذها أداة للمواجهة والرد.على مستوى البناء السردي، تتخذ الرواية تقنية السرد عبر يوميات يعثر عليها الراوي لدى شاب افريقي، ما لبث أن فارق الحياة نتيجة مرضه، وفيه يحكي قصته في مجال رؤيته للرجل الأبيض، حيث ينتقل للعمل خادما بعد أن يهجر عائلته وديانته معتنقا الديانة المسيحية، بتأثير من عمليات التبشير التي قامت بها الكنيسة، ولاسيما الأب «غيلبرت» الذي سرعان ما يموت في حادثة دراجة، لينتقل الطفل أو المراهق إلى العمل في خدمة القومندان الفرنسي وزوجته، هنا يدرك الطفل بأنه بات خادما للرجل الأبيض، حيث يقول:»سأكون خادم رئيس الأوروبيين وكلب الملك هو ملك الكلاب». وهنا لا ننكر ما للعبارة السابقة من تجذّر عميق في وعي بناء صورة الذات مقابل الآخر المتعالي.

من ملامح الصيغ الكولونيالية هدم الذات، أو اضطراب الهوية، وهذا ما يمكن أن تمثله الرواية، من حيث نسخ الوجود، فالطفل بعد انتقاله من الحاضنة الأصلانية، إلى الحاضنة البيضاء يغادر اسمه الافريقي «تاوندي» ويصبح «جوزيف».

من ملامح الصيغ الكولونيالية هدم الذات، أو اضطراب الهوية، وهذا ما يمكن أن تمثله الرواية، من حيث نسخ الوجود، فالطفل بعد انتقاله من الحاضنة الأصلانية، إلى الحاضنة البيضاء يغادر اسمه الافريقي «تاوندي» ويصبح «جوزيف»، وهذا يعني شكلاً من أشكال التخلي عن الذات أو الأنا، بتأثير من تداعيات العلاقة المتوترة مع الأب البيولوجي (والده)، وإغراءات قطع السكر التي يقدمها الأب الفرنسي «غيلبرت» للأطفال الذين يخدمون الكنيسة.
تتبدى الهوية ضمن بناء مضطرب… فإذا كانت قد بدأت من تعديل الاسم، غير أنها لا تنتهي بتحول الذات الافريقية إلى ذات فرنسية، إنما تبقى في حالة إرجاء مستمر، فعند لقاء الراوي مع «تاوندي» المحتضر حيث يقول: «أخي، ما نحن؟! ما نحن، الرجال السود المسمون فرنسيين؟! وصار صوته يقطر ألماً». إن ذلك الاستغراق بالعالم الأبيض قد تسبب بهذه النتيجة، فالحضور الأبيض على الأرض السمراء، أطلق نزعات الطمع لدى بعض السكان الأصلانيين، بالتجاور مع الرغبة بتمثّل صورة القوي، كما تجسدها الذات البيضاء، حيث ينبهر الطفل بهذا الحضور في مستهل الرواية: «سأعيش طويلا حتى تشيخ عظامي لو كنت طيبا ولزمت بيتي». تشكل عملية التبشير صيغة تتكرر في العديد من الروايات الافريقية، التي تعالج التسلل الاستعماري للأرض الافريقية، ونموذجه الأكثر شهرة رواية تشينو أتشيبي، «الأشياء تتداعى»، فالتبشير يعني الخطوة الأولى من خطوات فكفكة الهوية الافريقية، علاوة على محاولة فصم العلاقة الروحية بين الأرض والإنسان، كما أنه يقوم بخلخلة الوعي الافريقي، وهنا تلعب قطع السكر مجالا للإغواء لدى الأطفال الذين يتخلون عن وعي أسلافهم، بينما يتحول الإيمان بالمسيح، وتعاليم الكنيسة إلى شكل من أشكال الخنوع، وقبول الهيمنة بحجة أن تكون رجلاً صالحاً يرضى عنه الرب.
كانت الرغبة بالتماهي مع القوة والتفوق الدافع الأهم لانحراف «تاوندي» عن هويته، من أجل امتلاك الهوية البيضاء التي بهرته: «إني مقدم على اكتشاف المدينة والتعرف على الرجال البيض، والعيش كما يعيشون». ولكن «الفتى» سرعان ما يكتشف أنها غير حقيقية وزائفة، وهذا يتضح من خلال السلوك، ونعني الاستحواذ ممثلاً بالاستيهام الجنسي من حيث الرغبة بامتلاك الجسد الأبيض، وهنا نقرأ نمطا جدليا يتعلق بالاستحواذ من كلا الطرفين، فتاوندي يشتهي جسد زوجة القومندان، التي تؤسطر في وعي الطفل بوصفها النموذج المثال للجسد السوبر، ولكنه سرعان ما يكتشف أن هذا الجسد ملوث، ورخيص، شأنه في ذلك شأن أي جسد آخر، حيت تهبه زوجة القومندان لآمر السجن في غياب زوجها، و«تاوندي» شاهد على هذه الخيانة التي يفتضح أمرها، غير أن الثقافة البيضاء لن تسمح بأن تخترق بهذه الصورة، فيتجاوز القومندان وزوجته أزمتهما، ويتحولان للانتقام من «تاوندي»، بوصفه من قام بنشر هذه العلاقة بين سكان القرية، فيُنتقم من الفتى عبر إرساله إلى عشيق الزوجة (آمر السجن) بعد أن يتم تلفيق تهمة للفتى المسكين، ليقوم آمر السجن بالإجهاز على الفتى، وهكذا نقرأ هذا التضافر في الوعي الغربي، حيث يتحد المستعمرون متناسين خلافاتهم لمواجهة حضور الآخر. لا يمكن أن نقرأ الرواية بمعزل عن الاستيهام الجنسي المعاكس، إذ نواجه فتاة افريقية يتخذها الأبيض عشيقة له، بيد أنها أمام الملأ تحتقر، ويعاملها كخادمة، إنه شكل من أشكال الهيمنة، والامتلاك، في حين تدعي فتاة سوداء أخرى بأنها اتخذت عشاقا كثرا من الرجال البيض، رغبة منها بعكس الاستحواذ، في حين نقرأ في يوميات «تاوندي» عن رجل افريقي خاض حروباً مع الأوروبي، وضاجع الكثير من النساء البيضاوات. في حين يلاحظ – من المنظور الافريقي- أن ثمة نظرة سلبية تطال الجسد الأبيض (الذكر)، إذ ينظر له على أنه نجس، أو أقل فحولة، كونه غير مختون، هذا النزاع على تمثيلات الجسد، هو شكل من أشكال الخطاب السائد في الرواية ما بعد الكولونيالية، بل يكاد يحضر تقريبا في كثير من النصوص من أجل بيان تمثيلات علاقة السيطرة والهيمنة بين المستعمِر والمستعمَر على حد سواء.

تتحطم المتعاليات البيضاء في وعي الطفل، الذي يدرك شيئا فشيئاً بأن وجوده لن يبرح المرتبة الدنيا بوصفه خادماً من العرق الأسود.

إن فعل انكسار النموذج المثالي للأبيض، يأتي مجسداً بزوجة القومندان التي تهب جسدها، علاوة على فقدانها لأعصابها عند اكتشاف خيانتها، بل إن جسدها يحيض كسائر الأجساد الأنثوية، وعلى الافريقي أن يتعامل مع حيضها عبر غسل الفوطة، وأن يزيل الأكياس المطاطية المانعة للإنجاب من تحت السرير، وهكذا تتحطم المتعاليات البيضاء في وعي الطفل، الذي يدرك شيئا فشيئاً بأن وجوده لن يبرح المرتبة الدنيا بوصفه خادماً من العرق الأسود. ولعل عبارات الخادمة الافريقية لتاوندي قادرة على تفسير سر هذا التحول في التعامل من قبل البيض الذي انكسر كبرياؤهم: «إنهم لن يستطيعوا النسيان ما دمت موجوداً لأنك تعرف تفاصيل قضيتهم، ولذلك فإنهم لن يغفروا لك أبداً. إذ كيف يمكنهم أن يسيروا أمامك بخيلاء، والسيجارة تتدلى من بين شفاههم ما دمت تعرف».
تبقى تمثيلات الافريقي قائمة في صيغ الدونية، فهو إما طفل أو أبله، وكلا النعتين خلع الوجود العقلاني أو الرشد من منظور الأوروبي. إن فعل مجانسة العنصر الافريقي، وإفقاده لهويته، يبدو ضمن المقولات السردية الشائعة التي تكمن في وعي الشخصية الافريقية، فتاوندي يوضح هذا حيث يسرد لنا بأن القومندان وضيوفه لم يروه، وهو على الشجرة: «القومندان كان يضحك أيضاً، ولم يتعرف عليّ، وكيف يمكنه ذلك؟ فجميع الأفارقة يبدون لهؤلاء الأوروبيين متشابهين». هذا النسيج من التمثيلات يكاد يشمل أجزاء كثيرة من الرواية.
ومن الصّيغ التي تبرز بوصفها ملمحاً للرواية ما بعد الكولونيالية، تشييد الفضاء الجغرافي للمكان، حيث نرى الحي الافريقي القذر مقابل الحي الأوروبي النظيف، فالثاني يتمتع بخدمات، ورفاهية معينة، في حين أن الحي الافريقي بما في ذلك المرافق، والعيادة الصحية تعاني من الإهمال، كما يُعامل السكان بطريقة سيئة جدا، فلا يحصلون على أي رعاية حقيقية. هذا التوصيف سبق وأن أشار له فرانز فانون في تنظيره المتبصّر للوقائع الثقافية للذات الافريقية، التي فقدت الكثير نتيجة الاستعمار، علاوة على التشوه الذي طالها، وهنا نرى «تاوندي»، وقد انتهى به الأمر إلى السجن، ومن ثم الموت نتيجة الإهمال الطبي، والتعذيب، بيد أن السبب الحقيقي يبقى قائما في الوجود الأصلاني الذي لا يمكن أن ينصهر في الذات الأوروبية، وهنا أستعيد تنظير إدوارد سعيد الذي قام بقراءة الوعي الأوروبي تجاه الفضاء المستعمَر، بما في ذلك الإنسان، حيث لن يقبل الأوروبي بأي شكل من الأشكال أن تنصهر الذات الأخرى في كيانه، حتى لو تخلت عن هويتها، في حين سوف تبقى الذات المستعمَرة تعاني نتيجة الإرث الاستعماري الذي صاغ ماضيها وحاضرها ومستقبلها.

٭ كاتب أردني فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية