«المهباج، عنف الموسيقى» تحت هذا العنوان استضاف برنامج «ضيف الثقافة» على إذاعة «مونت كارلو الدولية» المغني السوري علي أسعد، بمناسبة تقديمة أطروحة جامعية بعنوان «انعكاس العنف في المجتمعات البدوية العربية».
قال أسعد لـ «مونت كارلو» «أحببت أن أفهم سياق العنف في سوريا وفي المجتمعات العربية من خلال الموسيقا». وأوضح: «الأطروحة متمركزة حول أن المجتمعات العربية بدوية، والسلوك العام في الجنازات أو الاحتفالات آت من البداوة العربية»، ويلفت إلى أن «السمات الجميلة في تلك المجتمعات، كالكرم والشجاعة يمكن أن تتحول إلى مقولات عنفية، كالهجوم على قبائل أخرى»، ويزعم أن «التاريخ العربي مليء بالأمثلة، من حرب البسوس والزير سالم، إلى يومنا هذا».
ويتحدث وردّاً على سؤال، عن بعض الآلات الموسيقية السورية أو المشرقية وما تحمله من رمزية عنفية. ويسوق المهباج مثلاً، يقول إنه «تحوّل من أداة لطحن البنّ إلى آلة إيقاعية»، ويضيف «هو رمزية لكي أسلط الضوء على انعكاس ثقافة البدو على المجتمعات العربية».
هكذا تحوّلت أداة طحن البن المصنوعة من خشب مزخرف، تتوارثه الأجيال مع بقايا البن، والأغاني، والحكايات، إلى رمزية مرعبة!
هنا تستوضحه مذيعة «مونت كارلو»، لينا محمود بسؤال: «ومن هنا يأتي العنف؟»، فيؤكد: «طبعاً. لأن هناك شيئاً اسمه الشاعر، من أيام العرب قبل الإسلام، هو نفسه يدفع للحماس في الحرب، وهجوم القبائل على بعضها. وهذا ما حدث في الحرب السورية الأخيرة. الـ 2011 كانت ذروة لسياق عربي موجود أصلاً، وهذه هي مقولتي في الأطروحة، إنها ذروة لسلوك المجتمعات العربية عموماً».
المغني السوري يذهب بعيداً إذن، أبعد مما يذهب شبيحة متمرّسون في بلده، فلا يبدو أنه يوافق على ما يوافق عليه موالون كثر للنظام من أن التظاهرات بدأت سلمية وبمطالب محقة ثم جرى خطفها. الـ 2011 ليست امتداداً للربيع العربي، ولا هي ثورة شعب، إنها امتداد للعنف المتأصل في بدو هذي البلاد منذ حرب البسوس، بل هي ذروة لذلك العنف البدوي.
أما رمز العنف، كما يتصوره المغني الشاب، فهو المهباج (ولا نستبعد أن يصمم العنفيون البدو غداً علماً لهم في وسطه مهباج). هكذا تحوّلت أداة طحن البن المصنوعة من خشب مزخرف، تتوارثه الأجيال مع بقايا البن، والأغاني، والحكايات، إلى هذه الرمزية المرعبة!
لكن إذا كان هذا هو حال أداة طحن البن المسكينة تلك، فما يقول الباحث في أطروحته في الطبول والآلات الإيقاعية الضخمة والأرغن والآلات النفخية هائلة الحجم، الموجودة في ثقافات أخرى مجاورة، والتي لم تبتدعها حتماً حرب البسوس؟!

مارسيل.. زلّة لسان؟
يبدو أن ما حدث مع الفنان مارسيل خليفة أخيراً، عندما طالبه جمهور حفله في بعلبك بغناء النشيد الوطني اللبناني ورفض قائلاً: «مش رح غني النشيد الوطني، رح غني شي أهم»، هو أقرب ما يكون إلى زلّة لسان، تلك الزلّة التي يقع فيها المرء، وبدل أن يتراجع يروح يتظاهر بأنه يقصدها بالفعل.
رفض مارسيل وسرعان ما وجد نفسه في قلب عاصفة من الانتقادات اللاذعة والسخرية والنبش في كل مسيرته من غناء ومواقف. ولعله تذكّر هنا أن في إمكان المرء فعلاً أن لا يغني النشيد، لمَ لا؟ ما دام يحدث في فرنسا، مكان إقامة الفنان اللبناني، بشكل مكرّر، حيث المارسييز، النشيد الوطني الفرنسي، مثار جدل دائم، مرة بسبب دموية كلماته، أو لأسباب أخرى، وعلى سبيل المثال فإن لاعب كرة القدم كريستيان كاريمبو كان قد قرّر التوقف عن النشيد الفرنسي بعد أن عرف أن فرنسا قد عرضت أسلافه في نيو كاليدونيا في حديقة حيوان بشرية العام 1931وفابيان بولوس لم يغن النشيد لأن الكلمات لم تكن تعجبه.
ماذا تغير في الوطن الذي كرّس مارسيل أربعين عاماً من حياته في الغناء له! إنه لبنان نفسه، إن لم يكن لبنان البيئة الملوثة، فهو لبنان المجازر، الخطف والقتل على الهوية، الخنوع لرستم غزالة وغازي كنعان، تكريس الزعامات العائلية والطائفية، إلى آخر السلسلة التي يسهل على المتصيدين إلصاقها بلبنان كما لو أنها وحدها هويته ورمزيته.
لعل مارسيل أراد أن يتماهى مع زلّة لسانه، فأصدر بياناً يؤكد رفضه لغناء النشيد قال فيه «شوارع الوطن تفيض بالزبالة. الكهرباء مقطوعة 24 على 24 البيئة ملوثّة: الأكل والشرب والأمراض. الناس تموت على باب المستشفيات. جبال الوطن تحولت إلى حصى ورمل».
وأضاف: «نشيدي في افتتاحية بعلبك كان لوطن عاصي ومنصور الرحباني وزكي ناصيف وتوفيق الباشا وفيلمون وهبة وصباح ووديع ونصري شمس الدين».
كان في إمكانه أن يقول أيضاً إن الوطن الذي يقصده في نشيد لبنان هو وطن عاصي ومنصور، لماذا قرّر هذه المرة أن يماهي بين النشيد وبين «شوارع الزبالة، والكهرباء المقطوعة»!
ماذا تغير في الوطن الذي كرّس مارسيل أربعين عاماً من حياته في الغناء له! إنه لبنان نفسه، إن لم يكن لبنان البيئة الملوثة، فهو لبنان المجازر، الخطف والقتل على الهوية، الخنوع لرستم غزالة وغازي كنعان، تكريس الزعامات العائلية والطائفية، إلى آخر السلسلة التي يسهل على المتصيدين إلصاقها بلبنان كما لو أنها وحدها هويته ورمزيته.
لعلها مجرد زلّة لسان، الله وحده يعلم ماذا أراد مارسيل من ورائها أصلاً، وقد يكون الرجل ببساطة غير جاهز موسيقياً لأداء النشيد، أو أنه لا يجد في اللحن والأداء ما يغريه.
مع ذلك، ماذا لو رفض مارسيل، أو سواه من اللبنانيين، حقاً أداء النشيد من كل عقله؟ هل يستحق الأمر إصدار حكم إعدام كما لو أنه «يوهن عزيمة أمة» ما، يحكمها نظامٌ شموليٌ ما؟
أبداً، إنها حريته الفردية التي لا يجوز التعدّي عليها، ولا يعني رفضه أنه ضد بلده أو أنه خائن له.
من حق الفرد أن يكون ضد النشيد لأي سبب مهما بدا تافهاً، من دون أن يتعرض للمساءلة، أو التخوين، أو الاستتابة.
كاتب فلسطيني سوري