قرب البريقة (ليبيا) ـ ا ف ب: يتشاجر الثوار الليبيون ويضحكون ويتناقشون وهم يسيرون على الطريق على بعد كيلومترات من البريقة، وفجأة تسقط قربهم ثلاثة قذائف هاون في الرمل منذرة بان قوات القذافي ما زالت هناك.
وتقدم الثوار صباح امس الاثنين على غرار الاحد، على متن سياراتهم المكشوفة باتجاه المدينة النفطية شرق ليبيا (190 كلم جنوب غرب بنغازي). ومنذ ايام يسيطر الثوار على جزئها الشرقي في وجه عدو افضل تسليحا وتنظيما لا يتزحزح رغم غارات حلف شمال الاطلسي. ولم يعد بوسعهم سوى التقهقر والانتظار.
ويروي عيد مبادي وهو يقود سيارة تويوتا كبيرة رباعية الدفع، مبتسما تحت قناعه تعبيرا عن سعادته ‘امس، عندما كان جنود القذافي نائمين اقتربنا منهم واطلقنا عليهم الرصاص، ففزعوا هاربين تاركين سيارة تويوتا، استحوذنا عليها’. ويتمعن زميله في صور اقمار صناعية شديدة الدقة التقطت فوق البريقة سنة 2004، كانت في السيارة الرباعية الدفع التي ازيلت منها مقاعد الركاب لتثبيت عجلات بديلة ومؤن وعزز هيكل مقصورتها بقوس داخلي.
ويحمل عيد جهاز توكي ووكي على صدره. ويقول ‘في الطرف الاخر ليس هناك سوى اصدقائي (…) لا يتجاوز مدى (الجهاز) الكيلومتر الواحد (…) نحن في حاجة لمناظير للرؤية الليلية واجهزة لاسلكي ومناظير مكبرة. كل ذلك متوفر لديهم هم’. وبممارسة الكر والفر على مشارف البريقة بدأ الثوار يدركون ان امامهم قوات محترفة لن تتراجع بسهولة، وانه من دون دعم جوي مكثف سيبقون عالقين هناك.
واوضح سعيد بوحليقة (27 سنة) الذي كان تقنيا في قطاع النفط قبل الانضمام الى الثورة ان ‘رجال القذافي عندما يسمعون الطائرات يختبئون في المنازل او المباني’ و’عندما يسود الصمت يهاجموننا’. وقال انهم يحفرون حفرا فردية واخرى لمراكز مراقبة يطلقون منها النار على قوافل الثوار التي تسير على الطريق الساحلية الوحيدة.
ويخشى الثوار ايضا من الالغام التي قد يكون جنود القذافي زرعوها رغم انهم حتى الآن لم يتعرضوا لجروح تصيب من تنفجر عليهم تلك الالغام.
وكان بعض الثوار قبل الظهر يقومون على بعد عشرين كلم من البريقة بتمشيط الاعشاب، لكن بحثهم لم يأت سوى ببزتين عسكريتين وسختين. ويقول احدهم ‘فلنحرقها’ فيرد عليه آخر ‘لا نحتفظ بها لاستعمالها’، لكنهما في النهاية يحرقانها. وفي بلد لا يستيقظ الناس عادة باكرا، تبدأ المدفعية قصفها قبل الظهر، وقبل ذلك تكون الحواجز خالية والطريق مفتوحة والمقاتلون يشعرون بنعاس.
ويقف مفتاح (53 سنة) بلحيته التي بدأ الشيب يطغى عليها وقبعته وبدانته، يصدر الاوامر، ويتمعن عبر منظار في مجموعة من الاشجار ويشير باصبعه ‘هناك سيارات.. هناك’. ويقول وهو يحمل قاذفة صواريخ من جهة ورشاشه من جهة اخرى ‘ارسلنا رجال استكشاف لنرى هل بالامكان التقدم’. ويضيف ‘اننا نحترس من الكمائن’. وفي موقع اقرب الى البريقة يحاول رجل في الاربعين اعطاء تعليمات.
ويقول ‘انت الجالس هناك في السيارة المكشوفة، اذهب وساعد على تفتيش الجامعة!’ (النفطية) لكن الرجل الذي يحمل سلاحا يرد من وراء السيارة ‘ماذا تريد ان افعل في الجامعة برشاش من عيار 14.5؟’. وتبتعد السيارة.
لكنه يعود بعد ذلك بسرعة كبيرة وقد اشعل انوار السيارة بينما تقترب الانفجارات، فتنطلق قافلة الثوار في فوضى منسحبة الى الخلف نحو الصحراء.