رياض معسعس في هذه المسألة لنعد إلى التاريخ قليلا مستعرضين مسارا شائكا ومعقدا ومتقلبا لعلاقات بين أمتين طبعتا التاريخ والإنسانية بنتاجهما الحضاري والثقافي. أمتان كانتا متباعدتين جغرافيا، لا تعرفان عن بعضهما سوى ما كانت الخيول تحمله من أخبار بعيدة عن أمة استيقظت ذات يوم في الصحراء وحملت رسالة تفتح فيها ممالك وتهزم امبراطوريات بسرعة سنابك الخيل أعطوها اسم السارازان. وأمة تعيش وراء جبال البيرينيه والألب في مملكة خلابة تدعى مملكة الفرنجة. اللقاء الأول بين الأمتين كان لقاء عدائيا، ففي عام 711 ميلادي وصلت جيوش العرب والبربر إلى تخوم جبال البيرينيه، ودخلوا الأراضي الفرنسية وتوغلوا فيها حتى شمال مدينة تولوز ووادي الرون. وكادوا أن يصلوا الى مدينة ليون، أو وصلوها في عام 725. لكن الفرنجة بقيادة شارل مارتيل جد الامبراطور شارلمان استطاع في معركة بواتييه الفاصلة في عام 732 أن ينتصر على جيش المسلمين ويعيدهم إلى ما وراء البيرينيه. لكن هذا اللقاء الأول العدائي تحول الى لقاء اقل عداوة في أول ‘حوار حضاري’ بين شارلمان وهارون الرشيد بتبادل الهدايا، والسفراء وقصة الساعة الشهيرة التي اهداها الخليفة للامبراطور معروفة للجميع، ثم تطورت العلاقات بانفتاح قرطبة، المنارة الثقافية والعلمية الأندلسية على كل الامارات والممالك الأوروبية التي كانوا يقصدونها من كل فج عميق للنهل من العلم والمعرفة من علماء المسلمين. لكن مملكة الفرنجة التي كانت راعية للكاثوليكية في أوروبا، وتطمح الى السيطرة على طريق الحرير آثرت أن تدخل في نزاع جديد مع ‘السارازان’ أي المسلمين. ففي عام 1095 أطلق فيها البابا اوربانوس الثاني في مدينة كليرمونت فيران الدعوة لأول حملة صليبية لتحرير القدس من المسلمين وإرجاعها للسيطرة المسيحية، واستطاعوا الاستيلاء عليها في عام 1099 في مرحلة جديدة من العداء بين الأمتين، استمرت لقرابة قرنين. وانتهت بمعركة حطين في صيف 1187 لتبدأ مرحلة أخرى من السلم الحذر، بعد أن تمازجت الكثير من الثقافات بين الطرفين بعد قرنين من التعايش بين السلم والحرب، ثم مرت قرون ثلاثة من السلم تميزت بتبادل ثقافي وعلمي كبير نهل الأوروبيون، وخاصة الفرنسيين ما نهلوا من علوم العرب وحضارتهم وآدابهم. إلى أن سقطت غرناطة في عام 1492 ومعها بدأ سقوط العرب في هاوية لا قعر لها، وبدأ عصر النهضة الأوروبي منطلقا من فلورنسة. وبروز فرنسا وبريطانيا كقوتين عظميين استعماريتين تنظران إلى العالم نظر جائع إلى دجاجة دسمة. وقد بدأت التدخلات في العالم العربي بدءا من القرن السابع عشر عبر الإرساليات الدينية. مع سقوط الملكية في فرنسا في عام 1789 وانتشار افكار الثورة الفرنسية التي انتشر تأثيرها كالنار في الهشيم في جميع انحاء العالم، وجد الفرنسيون أن عليهم منافسة عدوهم اللدود بريطانيا في السباق المحموم إلى المستعمرات، فقام نابليون بمغامرته في الهجوم على مصر في عام 1798. وتوجه نحو فلسطين بعد أن وعد اليهود ببناء وطن قومي في فلسطين. لكن أحمد باشا الجزار أوقف جيوشه في عكا وانكسر ورجع إلى فرنسا بعد سنوات ثلاث تاركا وراءه إرثا علميا وثقافيا مهما رغم قصر المدة التي قضاها في مصر، ومن أهمها المطبعة والصحافة واكتشاف اللغة الهيروغليفية. واعتبرت هذه الحملة بداية عصر النهضة في العالم العربي. بعد عقود ثلاثة، وفي عام 1831 تحديدا دخل الجيش الفرنسي الجزائر ليبدأ عملية استعمارية دامت مئة وثلاثين سنة، في عام 1860 تدخلت فرنسا في حرب لبنان الأولى وطلب نابليون الثالث من السلطنة العثمانية تأمين حماية المسيحيين ومنحهم الاستقلال الذاتي في جبل لبنان. انتقلت بعدها إلى احتلال تونس والمغرب في عام 1881. بعد اشتراكها مع بريطانيا في اسقاط السلطنة العثمانية، في الحرب العالمية الأولى اكتشف العرب، الذين دعموا فرنسا وبريطانيا في حربهما ضد السلطنة العثمانية، مذهولين أنهما تآمرتا بمعاهدة سايكس ـ بيكو على اقتسام تركة الرجل المريض بينهما، ووضعها تحت سلطة الانتداب، وجاء وعد بلفور لانشاء وطن قومي يهودي في فلسطين ليزيد الطين بلة في العلاقات بين الطرفين. فسيطرت فرنسا على سورية ولبنان بموجب هذه المعاهدة ولم تخرج منهما إلا في عام 1946، وبعد أن جعلت من لبنان دولة ‘مسيحية’ في الشرق تحكم من قبل رئيس ماروني. وتهدي لواء اسكندرون من الأراضي السورية لتركيا مقابل عدم دخولها في الحرب العالمية الثانية إلى جانب دول المحور. في بدايات الخمسينيات وبعد قيام دولة اسرائيل قامت فرنسا بأمر من غي موليه رئيس الوزراء حينها ببناء أول مفاعل نووي في الشرق الاوسط في صحراء النقب، تحت اسم مفاعل ديمونة. كان هذا تقريبا مع انطلاقة الثورة الجزائرية في عام 1954 التي دامت ثماني سنوات من الحرب المريرة قتل خلالها الجيش الفرنسي مئات الآلاف من الجزائريين حتى باتت تكنى بثورة المليون شهيد. في العام 1956 الذي تم فيه الاستقلال في كل من تونس والمغرب، شنت فرنسا حربا ثلاثية مع بريطانيا واسرائيل لإسقاط عبد الناصر بعد أن أمم قناة السويس. بعد عام 1958 وإنشاء الجمهورية الخامسة من قبل الجنرال شارل ديغول بدأت فرنسا عهدا جديدا من التقارب مع العالم العربي. فقام ديغول بخطوة تاريخية عندما زار الجزائر، وقال جملته الشهير ‘لقد فهمتكم أيها الجزائريون’ وتم الانسحاب من الجزائر في عام 1962. هذه السياسة التي لاقت استحسانا كبيرا لدى العرب تتابعت مع اعلان ديغول الشهير بحظر بيع الأسلحة لإسرائيل بعد حرب النكسة في عام 1967. لكن رئيس الوزراء السابق شابان دلماس خرق الحظر في ما بعد وأرسل خمس غواصات مليئة بالأسلحة إلى باريس. مع تولي الرئيس فاليري جيسكار ديستان قامت فرنسا بإعطاء الضوء الأخضر للرئيس السوري حافظ الأسد بدخول الجيش السوري إلى لبنان مع بدايات الحرب الأهلية في عام 1976. مع تولي الرئيس فرانسوا ميتران الاشتراكي الحكم عادت فرنسا لتدخل في حرب جديدة ضد دولة عربية عندما التحقت فرنسا بالدول المتحالفة ضد العراق في حرب عاصفة الصحراء. لكن مع تولي الرئيس جاك شيراك الديغولي الحكم رفض هذا الأخير أن يزج فرنسا في حرب جديدة بالعراق في عام 2003 ولا حتى الاشتراك في الحرب الأمريكية على أفغانستان. لكن الرئيس نيكولا ساركوزي ورغم كونه من نفس الحزب قرر الاشتراك في الحرب في أفغانستان. والاشتراك حاليا في الحرب في ليبيا إلى جانب الدول المتحالفة. ‘ كاتب سوري