حكايات عن أبطال السينما تبقيهم أحياء بيننا

حجم الخط
0

أول ما أراد الصديق الراحل هاني درويش أن أراه في مصر هو البيوت. هنا كانت فيلا أم كلثوم، هنا بيت فاتن حمامة، تلك التي في الأسفل، والتي اقتطع جزء منها لتوسعة الطريق هي فيلا أحمد مظهر، إلخ. أما ما فاجأني آنذاك، حيث رحلتي الأولى، المتأخرة كثيرا إلى القاهرة، فقول هاني لي إن ما كان ينشده إسماعيل ياسين، في بداية عهده بالفن، هو أن يكون مطربا. وقد استمعت إلى أغنيات لكوميدي زمانه لم أكن قد سمعت شيئا منها من قبل، ليس للاستمتاع، بل لأعرف إن كان يمكن تخيّل إسماعيل ياسين في هيئة مطرب عاطفي.
لم يخمد بريق تلك النجوم التي سطعت في سينما الأبيض والأسود. في تلك الرحلة إلى القاهرة أول ما أردت حمله معي إلى بيروت هو الملصقات القديمة لتلك الأفلام، والمصنوعات الحرفية التي طُبعت عليها صور ممثليها، وكذلك بعض الصور الفوتوغرافية المستعادة، وبينها واحدة لهدى سلطان بكامل إغوائها الأنثوي. كما أنني تمكّنت، في رحلة تالية، أن أسمع صوت هند رستم رادة على سؤالي على التلفون. أجابني صوتها العادي، لكن الذي هو نفسه صوتها في السينما، أنها ما عادت تقدر على إجراء مقابلات صحافية.
في أحيان أروح أتساءل بيني وبين نفسي إن كان أحد من أولئك النجوم ما زال على قيد الحياة، أحمد رمزي مثلا؟ أو حسن يوسف الذي يخطر لي أنه ربما كان من جيل تأخر قليلا. لكن لا ريب أن صفحة نجوم ذلك الزمن انطوت تماما، حيث نعرف أننا سنُجاب بنعم إن سألْنا أحدا في سهرة إن كان شكري سرحان مثلا قد توفي.
أخبار وحكايات عنهم لا تفتأ تتسع. بين الكتب التي طفت بينها في الخيام التي أقيمت في مجمّع الأوبرا، بمناسبة انعقاد مؤتمر الرواية، لم أترك الكتاب عن تحية كاريوكا لجولة ثانية. التقطته على الفور، وحملته في ما تبقى من ذلك النهار الطويل. وعلى الطاولة التي راح يتناوب على مقاعدها المدعوون المشاركون كان يحلو لكل من تقع عيناه على الكتاب أن يتذكّر شيئا، أو يقول شيئا. وطالما أن الكلام يجر الكلام بدوْنا، نحن الذين جئنا من خارج مصر، نسمع المزيد من تفاصيل الحكايات عن ممثلات مصر وممثليها. أشياء هي تفاصيل إضافية كأنها تولّدت من التفاصيل التي سبقتها، أو من الزمن الذي تلى سماعنا لها والذي لم يترك المخيّلات تكسل وتخمد. ممتع الكلام عن أولئك النجوم، وممتع الاستماع. ثم هناك دائما ما هو جديد، كأن نعرف مثلا، بعد وفاة عماد حمدي بحوالى ثلاثين سنة أنه توأم لشقيق يشبهه تمام الشبه، وأن علاقة الأخوة بينهما كانت متينة وانتهت نهاية مأساوية بوفاة أحدهما قبل الآخر. كأن على طريقة الدراما العائدة لزمن تلك الأفلام.

كأن لا شيء آخر في تاريخ العقود الماضية استحقّ أن يبقى أو أن يخلّد.

منذ أيام فقط شاهدت على الفيسبوك غلاف كتاب الصديق الروائي وحيد الطويلة. كان اسم عماد حمدي بارزا على الغلاف. هل هي رواية؟ هل هو كتاب عن سيرة النجم الراحل، بعد انقضاء كل هذه السنين؟ هل هو شيء ثالث؟ لكن الأكيد أن فعل «التذكر» ذاك مستمرّ، بل ومتزايد بتزايد الحنين إلى ذلك الزمن. غالبا ما أعود إلى ما كتبه إيتالو كالفينو عن تعلّقه بالسينما الهوليوودية، لا السينما الأخرى، الواقعية التي تنقل هموم البشر وأزمات عيشهم، بل تلك التي تصنع لنا، نحن مشاهديها، عالما احتياطيا نهرب إليه من الوطأة الثقيلة للعالم الواقعي. ربما هذا ما مثلّته السينما المصرية في زمنها ذاك، عالما احتياطيا لنا.
ما يزال الكلام عن أخبار رجال السينما ونسائها يتسع، فيما لا تزال أفلامهم تعرض على قنوات خاصة 24 ساعة في اليوم، كأنها تتساءل إن كانت رغبتنا في مشاهدتها ما تزال مستمرة. كل من الأصدقاء المصريين يدلي بالجديد الذي عرفه عن حوادث عرضت لنجومها جرت قبل خمسين سنة أو ستين سنة. تفاصيل إضافية. تفاصيل جديدة، كأنما من أجل أن يظل الذين رحلوا باقين. من ذلك مثلا أن الروزنامة التي جاءتني من القاهرة، الموزّعة شهورها على أخبار أولئك النجوم، جعلتنا نعرف أن الكثيرين منهم انتسبوا إلى طبقات مصر المثقفة، وأنهم مختلطو النسب بين مصر وأوروبا، وأنهم ليسوا كما كانوا يظهرون لنا في السينما.
أنتظر أن يصل كتاب وحيد الطويلة عن عماد حمدي، لكي أسارع إلى قراءته. ذلك الفضول نحو ذلك الزمن لم يسر تبعا لتبدل الأمزجة مع تقلّب السنوات. في أحيان يخطر لي أن تلك السينما نجت من ميلنا إلى النسيان، بل كأنها نجت وحدها من كل ما جرى في تاريخنا. لقد غيّبنا حقبا ووجوها وأحداثا ومعارك وأفكارا، إلا الزمن الذي جرى على الشاشة الفضية الواسعة. كأن لا شيء آخر في تاريخ العقود الماضية استحقّ أن يبقى أو أن يخلّد.

٭ روائي لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية