بيروت ـ «القدس العربي»: صدرت عن «دار المدى» في بيروت قصائد مختارة للشاعر اليوناني يانيس ريتسوس نقلها إلى العربية وقدّم لها الشاعر العراقي هاشم شفيق. جاء في المقدمة:
«ولد الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس في مدينة مونفاسيا البحرية 1909 ـ 1990 كسليل آخر للأغارقة الغابرين، في يونان اصخبتْ فيه الفنون والعلوم والفلسفة والشعر.
كان ريتسوس أهم شاعر في القرن العشرين، باعتراف كبار شعراء عصره كشاعر تشيلي بابلو نيرودا وشاعر اليونان بالماس والفرنسي لويس أراغون وغيرهم، قصائده قرأها الملايين، حتى أن الملاعب ومدرّجاتها كانت لا تتسع لمحبّي شعره، كيف لا وهو سليل أسخيلوس وهوميروس، وأيضاً كفافي وبالماس وسيفيريس، وريث لغة الأساطير والملاحم، وريث الثقافة الإغريقية المتنوّعة، وريث فلسفتها وجدلها وتحوّلاتها عبر التاريخ،، منذ أرسطو وسقراط وأفلاطون، وهو نتاج هذا التراث الفلسفي المترع بثقافة دينية ـ أرثوذوكسية وميثولوجية، ممتدة إلى بدايات الخلق والتكوين ونشأة المنطق والسؤال الوجودي الذي كان يطرحه المناطقة، والفلاسفة، وحكماء اللوغوس في الأكروبول.
إذن شاعرية ريتسوس وثقافته ومعرفته هي مزيج من كلّ هذا، مزيج متداخل ومتواشج مع حيَوات كبرى، وتفاصيل موغلة في عمق الحاضر اليوناني، إنها ثقافة الحاضر المتجلي في الماضي، الوثنية إلى جوار المسيحية، الميتافيزيقية بمحاذاة الماركسية، المادية أمام المثالية، الفاشية مقابل الشيوعية، والأخيرة هي التي دفعته إلى مقارعة الظلم والعسف والعنف، حيث النضال ضد الديكتاتورية ونظام العقداء السود، الأمر الذي سيكفله الكثير من أعوام حياته التي توزعتْ بين المعتقلات وجزر النفي البعيدة، كل هذا نجده يتنفس ويحيا ككائنات لها روح ودم في شعر ومسرحيات وروايات يانيس ريتسوس». ومن القصائد الكثيرة التي ربَتْ على السبعين قصيدة ويزيد نختار القصائد التالية، ومن بينها قصيدة «السلام» التي احتوت على عنوان هذه المختارات:
*استيطان
لقد جاءوا
وراحوا ينظرون إلى الخرائب،
وهي تطوّق بقعة الأرض،
ثم بدأوا يقيسون بأعينهم
شيئاً ما،
بعدها تذوَّقوا الهواءَ
والضوءَ بألسنتهم
فأعجبهم ذلك،
بالتأكيد أنهم يريدون
أن يأخذوا شيئاً منّا،
كنّا قد زرّرنا قمصاننا
حتى الأعناق،
على الرغم من الحرّ الشديد،
لكنهم حدّقوا في أحذيتنا،
أحدنا أشار بإصبعه
إلى بضعة أشياء هناك،
الآخرون التفتوا
حيث كانوا متواجدين،
شخص منهم
انحنى بحذر
وأخذ حفنةَ ترابٍ
وأخفاها في جيبهِ،
وخطا بعيداً على نحو مبهم،
وحين كان الغرباء
هنا وهناك،
اكتشفوا ثقباً عميقاً
بمحاذاة أقدامهم،
تحرّكوا….
نظروا إلى ساعاتهم
وعادوا إلى الحفرةِ،
كان في العمقِ
سيفٌ ومزهريةٌ
وعظمٌ أبيض .
*السلام
«السلامُ
هو رائحة الطعام في المساء،
وهو حين تتوقّف السيارةُ
حيث لا خوفَ هناكَ،
وهو حين يُقرعُ البابُ فجأةً
ويكون هناك أصدقاءُ،
السلامُ
هو قدحُ حليبٍ دافئٌ
وكتابٌ عند جبين الطفل».
*إعادة بناء للنوم
سقطتْ في الليلِ
من السقفِ قطعٌ كبيرة
من الجصّ على السرير،
لم يكن هناكَ مكانٌ
لأتمدّدُ فيه في الأسفل،
فالمرآة قد تحطمتْ
وتمثالُ الجبسِ في الممر
تغطى بالسُّخام،
ليس باستطاعتي لمسه،
سأتركه يمارسُ الحبَّ ….
علاماتٌ سوداء
هي هباءٌ أسودُ متطاير
غطت الركبتين
والراحتين
والشفاه،
فمنذ شهورٍ،
الماءُ والهاتفُ
والكهرباءُ مقطوعة،
ثمة على سطح الطاولة المرمرية
أعقابُ سجائر
وخسٌّ متعفِّن.