التكفيريون وضرورة تجديد «الفكر الديني»

■ نبدأ اليوم من حيث انتهينا في المقال السابق، الذي طالبنا فيه بتسمية التكفيرين باسمهم الحقيقي، الا وهو الارهابيون، وليس «الجهاديين» كما تصر بعض وسائل الاعلام، إما عن جهل او سوء قصد. كما يمكن استخدام كلمة «مسلحين او مقاتلين» ايضا باعتبارهما وصفا واقعيا ومحايدا، بدلا من «جهاديين» الذي يجعل الاسلام مسؤولا عن افعالهم.
وخلصنا الى ان مراجعة التسميات، تمثل مدخلا مهما لمساءلة بعض الينابيع الفكــــرية او «الفقهية» التي يستقي منها اولـــئك التكـــفيريون شرورهم، والتي اكتسبت «قداسة مزيفة ومتراكمة» عبر القرون، مع انها بشرية الصــــنع بالكامل، وناتجة عن قراءات واجتهادات واستنتاجات لنصوص القرآن والسنة، في اطار معطيات ومحددات عديدة ترتبط بالزمن والثقافة والبيئة، ولا تلزم المسلمين بالضرورة في هذا الزمن وما يشهده من تحديات وتطورات دراماتية وغير مسبوقة.
وعلى الرغم من صعوبة المواجهة الفكرية لهذا «الموروث» المنسوب الى الدين، الذي تحميه انظمة شمولية تستمد منه شرعية زائفة ايضا، فان الواقع هو اننا لا يمكن ان نكون جادين حقا في مواجهة انتشار الفكر التكفيري بين الشباب خاصة، الذين هم مصدر القوة الحقيقي لتلك التنظيمات، من دون خوض هذه المعركة بسلاح العقل والمنطق والمقارعة بالحجة، وليس بالاجراءات الامنية فقط.
أما دفن الرؤوس في الرمال، وعدم محاصرة هذا التطرف المستفحل او التفسير التشويهي للدين، فيعني ان العالم الاسلامي سيتجه الى حالة تاريخية من الاستقطابات الحادة، والانهيارات من الداخل، مع تحول عدد كبير من الشباب الى «دواعش»، باعتبار ان هذا اصبح الرد الطبيعي على استمرار ظلم الانظمة الشمولية، وتفاقم العوز والمعاناة الاقتصادية، ما ينذر بتفجر صراعات اجتماعية ومواجهات امنية.
وفي المقابل، من المتوقع ان يتصاعد الاتجاه بين الشباب العربي ايضا نحو حالة من رفض الاديان، وبكل اسمائها وطوائفها وتفسيراتها، باعتبار انها السبب الظاهري والغالب لما يعرفه الشرق الاوسط من مجازر وقمع وحروب اهلية.
ويستطيع اي مراقب ان يؤكد ليس فقط تزايدا ملحوظا في جماعات «اللادينيين او الملحدين» خلال السنوات الاخيرة، بل اكتسابهم المزيد من الشجاعة يوميا، ما جعلهم يعلنون عن انفسهم في مواقع التواصل الاجتماعي واليوتيوب والفضائيات للمرة الاولى، بل خرج من صفوف علماء الدين انفسهم من يشكك في بعض الموروث الديني، ودليل ذلك «معركة صحيح البخاري» التي اشعلها شيخ ازهري في مصر مؤخرا، بانتقاده بعض ما جاء فيه، ما سبب جدالا واسعا وغير مسبوق، في مجتمع يعتقد منذ قرون ان «البخاري اصح كتاب بعد كتاب الله».
وللاسف فان ايا من المعاهد او المؤسسات الدينية المسؤولة لم يتحرك حتى الان لاداء واجبه بفتح حوار علمي وعقلاني لمواجهة التكفيريين او «خوارج هذا العصر» كما يسميهم البعض، بل انهم يواصلون، بسكوتهم، دعم هذا الفكر التشويهي للاسلام، وما يستند اليه من احداث او روايات تاريخية او تفسيرات «فقهية» تبيح اراقة الدم، بما في ذلك دم المسلم، رغم الحديث النبوي المعروف ( لزوال الدنيا أهون على الله عز وجل من سفك دم مسلم بغير حق).
والا كيف نكون صادقين او جادين اذ ندين ارهاب داعش، ومازال الصبي المسلم يقرأ في كتابه المدرسي، رواية تاريخية لما حدث في (معركة أليس او نهر الدم في العراق) ما يلي:»وفي النهاية انتصر المسلمون انتصارًا باهرًا وأسروا سبعين ألفًا، فأمر خالد بن الوليد بأخذهم جميعًا عند نهر «أليس» وسد عنه الماء ومكث يومًا وليلة يضرب أعناق الأسرى حتى يجري النهر بدمائهم وفاء بنذره لله عز وجل، فقال له القعقاع بن عمرو: لو أنك قتلت أهل الأرض جميعًا لم تجر دماؤهم «لأن الدم سريع التجلط»، فأرسل الماء على الدماء يجري النهر بدمائهم، ففعل خالد ذلك وسمي النهر من يومها نهر الدم». وحسب الرواية نفسها، كان تعليق الخليفة ابي بكر الصديق (عجزت النساء أن ينشئن مثل خالد)، وهذا قليل من كثير يتداوله الشباب حاليا على الانترنت، إما مفسرا لجرائم داعش، او متسائلا ان كان ذلك هو الاسلام حقا، او مستنكرا اصلا فكرة تغليب الروايات الدينية المتضاربة او غير الموثقة على عقل الانسان في القرن الواحد والعشرين.
اما الشيخ ابن تيمية الذي يعتبر مرجعا اساسيا، بل «مقدسا» لبعض الجماعات الدينية، فانه يستحق مراجعة علمية شاملة وشفافة وعلنية ايضا بمشاركة من يؤمنون بافكاره وطروحاته، التي توفر، ارضية واسعة لتكفير للمسلمين، إما بسبب ما يعتقدونه او يفعلونه، بل ومن يمتنعون عن تكفيرهم ايضا (..). وبالطبع فان التكفير يؤدي الى استحلال الدم والعرض والمال، حتى ان حسب من تم تكفيره انه مسلم حسن الاسلام.
نعم لابد من الاعتراف بأن تجديد الفكر الديني، وليس الخطــــاب الديني فحسب، اصبح حتميا لحماية الدين نفسه، فضلا عن الحفاظ على الانفس والاعراض والمجتمعات التي هي مقصد اساسي للشريعة الاسلامية، من خطر داهم ودمار لن يستثني احدا.

٭ كاتب مصري

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية