فنلندا وروسيا: كيف تمنع قوة عظمى من احتلالك؟

حسام الدين محمد٭

تتعرّض الأمم إلى محن كبرى يُمتحن فيها وجودها وتقرّر أساليب تعامل نظمها وشعوبها مع تلك المحن، مصيرها، فتقذف بها إلى أسوأ درجات الانحطاط والفوضى وانسداد الأفق، أو تنجح في صدّ تلك المحن، واستيعاب تداعياتها، والتصالح مع الجروح الهائلة التي خلفتها على سكانها وأرضها وثقافتها، وهناك أمثلة تاريخية لافتة حول تعرّض أمم لأزمات تشبه أزماتنا العربية المستعصية، أو هي أحيانا أسوأ منها.
في أكتوبر/تشرين الأول 1939 أصدر الاتحاد السوفييتي إنذارا لأربعة بلدان مجاورة له هي ليتوانيا، لاتفيا، استونيا وفنلندا بالسماح لقواعد عسكرية له فيها والسماح لقواته بالمرور إلى تلك القواعد. قبلت البلدان الثلاثة القرار ما مهد للاتحاد السوفييتي لإلحاقها به عام 1940، أما الفنلنديون، وعلى اختلاف اتجاهاتهم السياسية (بمن فيهم الشيوعيون) فرفضوا. تبع ذلك قرار من ستالين، زعيم الاتحاد السوفييتي بغزو فنلندا، وبدأت وقتها ما عرف بـ»حرب الشتاء» حيث هاجمت جيوش بلد عدد سكانه 170 مليون نسمة بلدا آخر عدد سكانه 3.7 مليون شخص. قصفت الطائرات هلسنكي العاصمة ومدنا أخرى وفي الليلة الأولى للغارات الجوية سقط قرابة 10% من عدد ضحايا الحرب، التي دامت 5 سنين، ومع احتلال بري لأول قرية في فنلندا أعلن ستالين قائدا شيوعيا فنلنديا يدعى كيوسينين رئيسا «شرعيا» لـ»جمهورية فنلندا الديمقراطية».
أرسل ستالين أربعة من فرقه العسكرية بتعداد 500 ألف جندي مدعومة بآلاف الدبابات، والطائرات المقاتلة، والمدفعية، والمدافع المضادة للدبابات، والدفاعات الجوية، فيما حاربت فنلندا بكل جيشها الذي يعد 120 ألفا والمسلّح بالبنادق والرشاشات ومحدود الذخيرة.

سدس عدد السكان في الجيش

بدلا من المدافع المضادة للدبابات استخدم الفنلنديون «قنابل مولوتوف»، أو بالاختباء في حفر لإعاقة جنازيرها بقطعة حديد، ثم القفز عليها وإطلاق النار عبر فوهتها وفتحات النظر لقتل الجنود داخلها، وكان معدل وفاة هؤلاء «الفدائيين» هو 70%، ولكن المفاجأة التي أثارت دهشة العالم كانت أن الفنلنديين نجحوا في تدمير فرقتين عسكريتين هاجمتا وسط البلاد، وكان أحد الطرق الرئيسية استخدام جنود مموهين بالأبيض يتزلجون عبر الغابات ويقومون بفصل السرايا والمجموعات المهاجمة عن بعضها وتدميرها.
ألهم صمود الفنلنديين وبطولاتهم 12 ألف متطوّع أجنبي للقتال مع فنلندا، أغلبهم من السويد، وهي بلد كانت تقف على الحياد خوفا من أن تصبح الثانية على أجندة ستالين، وكانت حكومتها، وحكومة النرويج، سببا في منع وصول معونات عسكرية إلى فنلندا. تمكنت قوات ستالين من كسر خط الدفاع الفنلندي، ما دفعهم للتراجع، ولكن صمودهم دفع السوفييت لإلغاء اعترافهم بالرئيس الذي نصبوه وبدء مفاوضات مع الحكومة الفنلندية، وفي هذا الوقت وعد رئيس الوزراء الفرنسي بإرسال 50 ألف جندي لدعم فنلندا، وكانت تلك خديعة جاءت في وقت زاد فيه ستالين ضغطه على مدينة فنلندية أخرى، ووضع شروطا أقسى من الشروط التي قامت بسببها الحرب منها، تسليم إقليم كاريليا والسماح له بقاعدة عسكرية قرب هلسنكي.
وافقت فنلندا مضطرة على الشروط الجديدة، وبدلا من البقاء تحت الاحتلال، غادر أهالي كاريليا، الذين يقدرون بـ10% من عدد السكان جميعهم، الإقليم، ولم تقم فنلندا مخيمات لجوء، بل تقاسم النازحون مع مواطنيهم في باقي البلد بيوتهم. أدت مقاومة الفنلنديين الهائلة، إضافة إلى مخاوف الاتحاد السوفييتي من هجوم ألماني واحتمالات تدخل بريطاني فرنسي، إلى وقف ستالين لمحاولة احتلال فنلندا بأكملها، رغم أنها صارت معزولة بشكل كامل، مع احتلال هتلر لفرنسا والدنمارك والنرويج. أعلنت فنلندا حيادها خلال الحرب السوفييتية الألمانية، لكن قصفا جويا سوفييتيا جديدا دفعها لإعلان «حرب المتابعة»، وقامت خلالها بتجييش سدس عدد سكانها، وهي النسبة الأكبر لمشاركة سكان أي بلد خلال الحرب العالمية الثانية، وعمل كل الفنلنديين، من الجنسين، بين عمر 15 و64 لدعم العمل العسكري.

ستجد شعوب عربية كثيرة تشابهات لها مع الحالة الفنلندية، كالفلسطينيين والأردنيين والسوريين واليمنيين، كما ستجد تشابهات في طرق النضال التي اتبعتها ضد قوة أكبر منها بكثير، ولكن التاريخ الفنلندي الحديث يحتاج قراءة معمقة وغير أيديولوجية ففيه دروس كثيرة يمكن الاستفادة منها.

فنلندا تسجن رئيسها!

استعاد الفنلنديون إقليمهم المحتل وتقدموا إلى الجهة الأخرى من الحدود، وبعد تمكن السوفييت من صد الهجوم الألماني على بلادهم عام 1944 التفتوا إلى فنلندا وكسروا مجددا خطها الدفاعي، ولكن الفنلنديين نجحوا مرة أخرى في الدفاع عن الجبهة، وتمكنوا مجددا من منع الجيش السوفييتي من دحرهم، وصارت فنلندا البلد الوحيد في البر الأوروبي الذي تمكن من منع احتلال بلاده.
خسائر فنلندا بسبب السوفييت (والألمان الذين كانوا معسكرين في إقليم لابلاند) كانت مقتل 100 ألف جندي، وإصابة 94 ألفا بإعاقات، 30 ألف امرأة غدون أرامل، و55 ألف طفل تيتم وفقد 615 ألفا بيوتهم، أما الخسائر السوفييتية فكانت نصف مليون قتيل وربع مليون جريح، بمن فيهم خمسة آلاف جندي أسير أعادتهم فنلندا وتم إعدامهم لأنهم استسلموا.
الاتفاقية التي عقدتها فنلندا تضمنت اعتقال «مجرمي الحرب» الفنلنديين، وهو ما ترجمته «كل من قاوموا الهجوم الروسي»، ما اضطر فنلندا، تجنبا لاعتقال السوفييت لهم (وربما قتلهم)، لإقرار قانون يعتبر ما قام به قادتها السياسيون من دفاع عن البلد «غير قانوني»، والحكم بالسجن على رئيسها ورئيس وزرائها وعدة وزراء، وبعد قضائهم محكوميات في شروط مريحة أعيد تنصيبهم في مواقع رسمية كبيرة، إضافة إلى ذلك كان على فنلندا دفع ستمئة مليون دولار خلال 6 سنوات، غير أن هذه العقوبة كانت حافزا لنشوء صناعة ثقيلة ساهمت في نمو اقتصاد البلاد بعد الحرب، بحيث أصبحت بلدا صناعيا حديثا ومتطورا تقنيا بدلا من البلد الزراعي الفقير الذي كانت عليه.
يسمي الفنلنديون فترة 1945-1948 بسنوات الخطر، فالسوفييت كانوا يمكن أن يلجأوا لانقلاب شيوعي داخلي، وقد نجح الشيوعيون بالفعل في الفوز بربع مقاعد البرلمان في الانتخابات الحرة عام 1945، غير أن البلاد طورت سياسة لمنع هذا الاحتمال، بعكس سياسة ثلاثينيات القرن الماضي بتجاهل روسيا، فالحقيقة المؤلمة هي أن فنلندا بلد صغير وضعيف ويجب أن لا تتوقع دعما من الحلفاء الغربيين وأن عليها أن تتفهم بشكل دائم وجهة النظر الروسية، وأن تتحدث مع المسؤولين السوفييت لتكسب ثقتهم بأنها ستنفذ التزاماتها، وهو ما يعني التضحية ببعض الاستقلال الاقتصادي، وبعض حرية التعبير.
لقد فهم قادة ذلك البلد الصغير أن حوافز ستالين كانت جيوبوليتيكية واستراتيجية وليست أيديولوجية، وأنه إذا اعتقد السوفييت بأنهم آمنون من هجوم عليهم من جهة فنلندا، فإن فنلندا نفسها ستكون آمنة، والنتيجة العملية للسياسات الفنلندية هي أن روسيا لم تحتل فنلندا خلال السبعين عاما الماضية، والأكثر من ذلك أنها أخلت، عام 1955، قاعدتها العسكرية وسحبت مدافعها على حدود فنلندا.
أصبحت فنلندا حاليا بلدا حديثا بنظام ديمقراطي ليبرالي لديه قطاعات صناعية وتقنية كبرى، وأضحت نموذجا عالميا في ارتفاع مستويات التعليم والصحة والمساواة والعدالة الاجتماعية، وهي، مقارنة بعدد سكانها الصغير (6 ملايين نسمة)، تعتبر من أغنى دول العالم، كما أنها أمة فخورة بنفسها وذات هويّة ثقافية ولغوية وحضارية متميزة، وقد نجحت أيضا، وفي وقت قياسي، في لأم جروح الحرب والتصالح مع الذات.
ستجد شعوب عربية كثيرة تشابهات لها مع الحالة الفنلندية، كالفلسطينيين والأردنيين والسوريين واليمنيين، كما ستجد تشابهات في طرق النضال التي اتبعتها ضد قوة أكبر منها بكثير، ولكن التاريخ الفنلندي الحديث يحتاج قراءة معمقة وغير أيديولوجية ففيه دروس كثيرة يمكن الاستفادة منها.

٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية