دمشق – «القدس العربي»: في ظل الأوضاع الملتهبة في إدلب شمال غربي سوريا، وتوسيع دائرة القصف والغارات الجوية، ومضي أكثر من 70 يوماً على عمليات القتل الممنهج، وتعاظم فصول المأساة في آخر منطقة منخفضة التصعيد شمال غربي البلاد، وصل مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا، غير بيدرسون، قادماً من دمشق، إلى مدينة إسطنبول التركية، حاملاً معه رسائل لوفد الائتلاف السوري المعارض، كخطوة في اتجاه حلّ سياسي شامل للقضية السورية.
واجتمع يبدرسون مع الائتلاف السوري المعارض، حسب مصدر واسع الاطلاع لـ»القدس العربي»، حيث تصدر ملف إدلب والبيئة الآمنة واللجنة الدستورية طاولة المباحثات.
وضمن هذا المسار الطويل والمعقد، من أجل تأليف لجنة يناط بها وضع دستور جديد للبلاد، ينتظر أن يعقد اجتماع موسع لهيئة التفاوض السورية مع المبعوث الأممي، غير بيدرسن، من أجل دراسة نتائج الجولة الأممية قبيل الإعلان الدستوري المرتقب، والمحطات القادمة أمام أعمال اللجنة.
العريضي لـ «القدس العربي»: الإعلان الدستوري مفتاح لباب أعقد والنظام السوري مقيد بالأوامر الروسية
وفي هذا الصدد، لم يخف المتحدث الرسمي باسم هيئة التفاوض السورية يحيى العريضي، في تصريح لـ «القدس العربي» محاولات النظام «الأكيدة» للتشويش على العملية الدستورية، لكنه أشار بالمقابل إلى أن الملفات «بيد الجانب الروسي، وهو من يمسك بزمام القرار، وهو المسؤول عن بقاء هذا النظام، أما الأخير فهو لا يملك أن يرمش أو يهتز خارج إرادة الروس، وهو غير قادر على عرقلة الأعمال، وأكثر ما بوسعه التشويش».
ولفت إلى أن عقدة الأسماء التي كانت مداراً للجدل طيلة الأشهر السابقة، تم تفكيكيها بعدما خضعت لمعالجات كثيرة، وتطرقت إلى مجموعة من الحلول، كان أبرزها «تسمية كل جهة من النظام والمعارضة 3 أسماء، بالتنسيق مع ضامنيهم، إلا أن الأمم المتحدة رفضت هذه الصيغة، وجرى تسمية 4 من قبل المبعوث الدولي بالتشاور مع تركيا وروسيا، فيما تفرد النظام السوري وضامنه الدولي بتسمية اسمين آخرين».
وعلى فرض عودة اللجنة الدستورية إلى جنيف وخروجها من القبضة الروسية، يؤكد المتحدث الرسمي باسم هيئة التفاوض أنها سوف تبقى مدخلاً للعملية السياسية، ولن تنجز حلاً بمفردها، «فلا بد من توفر البيئة الآمنة والعمل على البنود الأخرى من أجل إعطاء أعمال اللجنة المفعول المأمول منه، والقيمة الحقيقة»، لافتاً إلى ضرورة تهيئة الأجواء من أجل الانتخابات البرلمانية والرئاسية وتطبيق البنود الأخرى للقرار الدولي غير القابل للتجزئة، قائلاً: «هذا الملف قد ينجز في سبيل إيجاد حل، وفي الوقت نفسه ممكن أن ينجز، فاتحاً الباب أمام كثير من العراقيل».
وأمام التطورات البطيئة، يجمع مراقبون أن الإعلان الدستوري لا يعني نهاية المطاف لهذا الشوط المعقد، لا سيما مع خبرة النظام السوري الطويلة في المماطلة وابتكار العقد في اللحظات المناسبة، لإدراكه أن الحل السياسي هي بمثابة أول مسمار في نعشه، دون إغفال الدور الروسي المشكوك في نيته اتجاه أي تسوية شاملة.
ميدانياً، تتسع دائرة القصف شمال غربي سوريا، فيما تستمر المعارك المتواصلة منذ 78 يوماً على جبهات ريف حماه الغربي ومناطق الساحل، التي بدأت نهاية إبريل/نيسان الماضي، مخلفة أكثر من 600 قتيل من المدنيين، بينهم نحو 157 طفلاً، على يد قوات الحلف الروسي – السوري.
نقلة نوعية
الشبكة السورية لحقوق الإنسان طالبت، الجمعة، في تقريرها الخاص، مجلس الأمن الدولي التحرك بعد مضي 11 أسبوعاً من القصف العشوائي على محافظة إدلب وما حولها، موثقة 294 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنية، من بينها 140 حادثة كانت على مدارس وأماكن عبادة، و73 على منشآت طبية ومراكز للدفاع المدني (مراكز وآليات)، و14 على أسواق ومخيمات. وحسب التقرير فإنَّ 221 هجمة كانت على يد قوات النظام السوري، و 73 على يد القوات الروسية.
إلى ذلك، قال مدير مركز جسور للدراسات الاستراتيجية، محمد سرميني، إن الحملة على أرياف إدلب وحماة، والمتواصلة منذ 78 يوماً، مكنت قوات الأسد المدعومة بشكل كامل من القوات الروسية التقدم ما يقارب 100 كم² في تل عثمان وقلعة المضيق وكفرنبودة والهواش والحويز والقصابية، وكان هذا التقدم بعد معارك عنيفة وقصف شديد جعل الفصائل تجتمع في غرفة عمليات وتغير من خططها وطرق مناوراتهـا.
وقال لـ «القدس العربي» أن الفصائل أثبتت قدرة عالية على نصب الكمائن والخطط الدفاعية المتنوعة، ما أعاق أي تقدم لقوات الأسد، وأعطاها الفرصة للانتقال من الدفاع إلى الهجوم، وخاصة في المحور الثاني «تلة الكبينة الاستراتيجية غرب جسر الشغور»، الذي استنزفت فيه قوات الأسد الكثير من القتلى والحرجى والعتاد.
محور جديد
النقلة النوعية، حسب الخبير السياسي، كانت للفصائل التي نقلت المعركة إلى محور جديد تقدمت في العمق الاستراتيجي لمناطق النظام، وانتزعت السيطرة على تل ملح والجبين، وجعل منطقة جلمة وكفرهود مناطق اشتباكات، وهذا المحور جنوب كفرنبودة وقريب جداً من محردة والسقيلبية حيث النقاط والقواعد الروسية.
لم يُعهد عن قوات الأسد استمرارهم في معارك بهذا الحجم لأكثر من شهرين، لكن لم تتحقق الكثير من الأهداف التي كانت تشمل معظم سهل الغاب و جسر الشغور، ومع استمرار المعارك باتت فرصة الفصائل أكبر في استنزاف قوات الأسد التي بدت غير قادرة على الرد إلا بتوسيع مناطق قصف المدنيين.
وبرأي المتحدث، فإن معارك جبال التركمان ومعركة تحرير تل الحماميات هي مبادرات هجومية استطاعت فيها الفصائل توجيه ضربات موجعة لقوات الأسد، وتحقيق مكاسب عسكرية، وإن لم تستطع الحفاظ على مناطق التقدم لكنَّها على الأقل تكتيك ناجح لمنع النظام من المبادرة وإشغاله بالدفاع وإعادة ترتيب خطوطه.
أخيراً، انتهى مدير مركز جسور للدراسات الاستراتيجية بالقول إن المفاوضات التركية الروسية مستمرة مع المراقبة عن كثب للتطورات الميدانية، التي إلى الآن لا تشكل تهديداً كبيراً لمصالح ونفوذ أي منهما، مع حرص الدولتين على ضبط الصراع، وحرصهما على بقاء التنسيق والتفاهم العام بين الدولين بالتزامن مع تنفيذ تسليم منظومة إس 400 لأنقرة.