مآلات الوضع في السودان

درة قمبو
حجم الخط
0

ما ان نضع حقيقة أن السودان خارج لتوه من ثلاثين سنة من الحكم العسكري الدموي، حتى ندرك أن جولة وحيدة لا يمكن تصور انها قادرة على نسف كل ذلك الماضي الرهيب، فطبيعة التغيير في مثل هذه الأحوال في الغالب تستدعي دورات من الكفاح لتفكيك نظام أورث السلطة لمجموعة عسكرية رباها رأسها المخلوع عمر البشير، ومعها قدر من الكيد يستحيل تجاهله متمثلاً في ميليشيا الدعم السريع التي روعت دارفور لسنوات طويلة، قبل أن تنتقل بالمشاهد نفسها للعاصمة السودانية الخرطوم وغالب المدن الأخرى الكبرى خارجها بعد سقوط البشير وقبيل الوصول لاتفاق تقاسم السلطة بين العسكر والمدنيين الثوريين في الأيام القليلة المنصرمة.

هذا الاتفاق ما كان للمجلس العسكري الانتقالي سليل عهد الرئيس المخلوع عمر البشير، أن يمضي إليه راغباً، وما حمله عليه الخوف من تبعات فعلته الشنيعة في الثالث من حزيران/يونيو الماضي حين فض الاعتصام السلمي أمام قيادة الجيش السوداني في الخرطوم شرق، ووسطاء، ولا ضغط الوسطاء الافارقة والإثيوبيين فحسب، بل ما رآه من حراك الشارع الثوري الحي في الثلاثين من حزيران/يونيو، حين دعت قوى ثورية لموكب في الذكرى الثلاثين للانقلاب الذي قاده العميد حينها عمر البشير بتدبير من الإسلاميين السودانيين الذين يتزعمهم الراحل حسن الترابي. ففي مشهد فاجأ المتظاهرين أنفسهم، غصت الشوارع بملايين المواطنين الرافضين للمجلس العسكري والمستنكرين لما اصطلح الشارع الثوري على تسميته بمجزرة القيادة العامة، خلافاَ للتوقعات التي جعلت كثيرين يظنون أن الدماء المراقة في آخر أيام شهر رمضان ستخوف الثوار وتجعلهم أسرى إما للصدمة أو اليأس.

وعلى الرغم  من أن الاتفاق في رأي كثيرين منح العسكر وضعاً ما كانوا ليحلموا به، إلا أن الاعتقاد بأنهم سيبقون عليه لن يكون من حسن الفطن، فقائدا المجلس العسكري الأبرز الفريق أول عبد الفتاح البرهان ونائبه الفريق محمد حمدان دقلو الشهير بـ”حميدتي” لم تكن سيرتهما زاهية خلال فترة عملهما تحت إمرة  الرئيس المخلوع البشير في دارفور، إذ راجت مقاطع صوتية وانتشرت شهادات تشير لتورط البرهان إبان وجوده هناك  في انتهاكات كبيرة في الإقليم الذى عانى من الحرب لأكثر من عقد ونصف، كما أن سجل حميدتي لا يمكن وصفه بالحميد في سنوات صعوده ولمعان نجمه كقائد لميليشيا الجنجويد سيئة السمعة، بل أن الشكوك حول أدوارهما في الماضي، تعززت وربما تحولت ليقين عقب تورط المجلس العسكري في فض الاعتصام السلمي صبيحة آخر أيام شهر رمضان، ومع هذا فالرجلان على الأرجح سيحتفظان بمكان جيد في هياكل السلطة المدنية المقبلة، ما يعني منحهما شرعية معنوية، تعزز من رغبة مجلسهم في الانفراد بالحكم والتي ظهرت بشكل جلي منذ الأسابيع الأولى للانقلاب.

بدأ المجلس العسكري الانتقالي خطابه للشعب السوداني بأنه لا ينوي السيطرة على مقاليد الحكم في البلاد، وإنه فقط يعتزم تسليم السلطة لحكومة مدنية وفق مطالب الشارع الثوري، لكنه سرعان ما انطلق ينازع المدنيين المتفاوضين معه على نسب وتقاسمات، لم يكن حده المشاركة في المجلس السيادي بأرجحية العدد والرئاسة لصالحه، وهو ذات المجلس الذي تعهد بحماية الاعتصام وردد مراراً وتكراراً نفي نيته فضه، لكنه هو نفسه من اعتدى عليه بوحشية وقتل بدم بارد واغتصب وجرح المئات من المعتصمين في نهاية شهر الصوم، ثم في اللحظة ذاتها أعلن تراجعه عن اتفاقه السابق مع قوى الحرية والتغيير التي أقر بها ممثلاً وحيداً للثورة ، قبل ان يبرر نكوصه عن الاتفاق المبدئي، بقوله إن تلك القوى السياسية لا تمثل الحراك الشعبي الثوري!!

كل تلك الأفعال وبشكل متوالي، أسست لحالة من فقدان الثقة في المجلس العسكري من قبل مفاوضيه وأيضاً الشارع الثوري المساند له، سيما مع الصلات غير المخفية بين المجلس العسكري والمعسكر السعودي الإماراتي. فليس سراً الحديث عن علاقة  الفريق أول عبد الفتاح البرهان بأبو ظبي التي عاد منها لتوه وقتها  للانضمام لمجموعة الانقلاب الأولى على البشير، حيث يتنقل بينها واليمن منذ أكثر من عام بحكم منصبه كمفتش عام للجيش السوداني، أما نائبه الفريق محمد حمدان دقلو، فهو حسب اعترافه في خطاب جماهيري لمجاميع بشرية محشودة له في الخرطوم، ينشر في اليمن وحدها نحو (30) ألف مقاتل ضمن التحالف السعودي الإماراتي في تلك البلد، هم من مجنديه في ميليشيا الدعم السريع في نسختها المطورة عن ميليشيا الجنجويد، حيث يتقاضى عنهم مئات الألاف من الدولارات مقابل قتالهم ضد الحوثيين.

رابطة المصالح تلك تصعب من تصور رغبة حميدتي في التخلي عن مصدر قوته المادية والسياسية، فنوايا القوى السياسية الصاعدة مجدداً مع الحراك الشعبي بحل ميليشيا الدعم السريع التي جرى تنسيبها للجيش السوداني، لم تكن يوماً مخفية، كما أن أي سلطة لا تتناغم مع مطلب الشارع بإعادة الجنود السودانيين من اليمن لن تحظى بالقبول الشعبي، ما يحيل مباشرة لفقدان حميدتي كل أوراقه، فيحيى بلا مال ولا ورقة ضغط سياسي على الداخل الذي يخشى من انتشار أكثر من (409 ألف مقاتل شاب، بأفضلية تسليح على كل القوات النظامية الموجودة في البلاد مع حضور بشكل لافت، مع إثارة المتاعب في قلب المدن وخصوصاً العاصمة الخرطوم من اعتداءات جسدية على السكان وممتلكاتهم.

يضاف إلى ذلك إحاطة بعض جماعات المصالح من نظام الرئيس المخلوع البشير وكذلك مجموعات إسلامية متطرفة – رغم تقاطعاتها مع المحور القطري التركي- بالمجلس العسكري، وتغذيتها له بمزاعم أمكانية استمراره في سدة الحكم بمعاونتها وأحزاب سياسية صغيرة، استناداً على الدعم السعودي الإماراتي الذي دلل على قوته في مواجهة الضغوط الخارجية المحتمل وقوعها على المجلس، على الأقل بسابقة دعمه لنظام عبد الفتاح السيسي في مصر، فالرجل من قائد انقلاب على شرعية دستورية للراحل مرسي، إلى رئيس بكامل وضعية الرئاسة حتى بات حالياً رئيساً للاتحاد الافريقي بعد مروره بنفس الضغوط والمطبات التي بدأت بالظهور في طريق المجلس العسكري، بدءاً من عقوبات الاتحاد الافريقي الموقعة على عسكر الخرطوم وتجميد عضوية السودان في الاتحاد.

ومع تزايد الغضب الشعبي عقب عودة خدمة الإنترنت من أن المجلس العسكري كان يضمر سلفاً فض الاعتصام وفق تسريبات صحافية وكذلك الفيديوهات التي وثقت للهجوم على المعتصمين، يبقى عصياً على المراقب التكهن بصمود أي اتفاق مع المجلس العسكري المهدد بالمحاسبة القانونية على جريمة فض الاعتصام التي أقر بها متحدثه الرسمي الفريق شمس الدين كباشي ولم تفلح محاولات نفيها من البرهان وحميدتي لاحقاً، وهو ذات المجلس الذي لن يروقه تمرير بند لاتفاق بنصه على ان من يثبت تورطه من أعضائه  في مجزرة القيادة العامة سيقدم للمحاكمة، ولن يشعر بالطمأنينة مع مطالبات قوى سياسية حية بإعادة هيكلة جهاز الأمن والمخابرات وقوات الدعم السريع على الأقل، وهم يعلمون أن النية هي حل القوتين غير المريحتين للشارع، وهما أهم الركائز التي يعتمد عليها في القمع منذ وصوله للسلطة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية