أحمد بنميمون في «طرقات منتصف الليل»: من تأصيل الحكاية إلى شعريّة السرد

تكرّست ظاهرة الشعراء الروائيين في المغرب في السنوات الأخيرة الماضية بشكلٍ غير مسبوق في تاريخ الرواية المغربيّة، الذي يبدأ بنص «الزاوية» (1942) للتهامي الوزاني، بعدما شهدت مجرّة السرد الروائي وصول أكبر عدد من الشّعراء الذين افتتنوا بعوالم السرد، وانصاعوا للحكاية، إمّا غواية أو اختيارًا، نذكر منهم: محمد الأشعري، فاتحة مرشيد، حسن نجمي، محمد الميموني، عائشة البصري، أحمد بنميمون، وغيرهم، وهو المعطى الذي أغنى مدوّنة الرواية المغربيّة كمّا ونوعًا، ووفّر للنقد مداخل جديدة للقراءة والتأويل من خلال السؤال عن مقوّمات الرواية الذي يكتبه الشّاعر، وعن حدود الشّعري والســـــّردي في النّص الروائي.
يهمّنا، في هذه المقالة، استحضار ظلال هذه الأسئلة من خلال تسليط الضوء على رواية «طرقات منتصف الليل» للشّاعر أحمد بنميمون (مواليد 1949) الصادرة في طبعتها الأولى مطلع هذا العام (2019) عن دار إديسيون بلوس، وهي روايته الأولى بعد تراكمٍ شعري مهمّ (تسع مجموعات شعرية) وبعد تجربة ناجحة في القصة القصيرة (أربع مجموعات قصصيّة).
1 ـ مظاهر التأصيل في رواية «طرقات منتصف الليل»
تدور أحداث «طرقات منتصف الليل» في الزمن الماضي، كما يؤشّر إلى ذلك تصدير الرواية، إذ نقرأ ما يلي: «محكيات غربة في سلسلة طولها سبعون عامًا.. وكل لحظة من الماضي تمنح من عاشها حق إحيائها مصحوبة بالمشاعر التي جاشت في نفسه خلالها»، وهو التصدير الذي يفتح أمام القارئ مساربَ التأويل ويغديها بأسئلةٍ من قبيل: هل النص سيرة ذاتية تستّر عليها الكاتب بمؤشر (رواية) المكتوب على الغلاف، وبتنويع الضمائر وصيّغ السّرد للتحايل على القارئ؟ ما هي الحدود الفاصلة بين الواقعي والمتخيل، إذا ما افترضنا أنّ النّصَ سيرةٌ ذاتية؟ وإلى أيّ حدّ نجح النّص في تنزيل ميثاق السيرة الذاتيّة إذا ما أخذنا في الاعتبار تشابه المواصفات والبيانات الشّخصية (الاسم/ العمر/ الانتماء الطبقي/ المستوى الثقافي..) بين أحمد الغريب بطل الحكاية وأحمد بنميمون الكاتب؟
هذا الأسئلة لا تعدم هيمنة البناء الروائي على نص «طرقات منتصف الليل» حبكة وتخييلاً في الوقت الذي احتضن النّص مقاصد أساسيّة من حياة الكاتب وتجارب حياته بتقلباتها التي تمّ تحويلها فنيّا، وهو المسوّغ الذي يسمح لنا بإدراجه ضمن «رواية السيرة الذاتية» بمقاييسها الجمالية والفنية العالية، باعتباره استعادة نثرية مشوّقة لحياة البطل أحمد الغريب، عبر غلاف زمني طويل يمتد من منتصف خمسينيات القرن الماضي إلى ما فوق من السنوات التي ارتبطت بأحداث أساسية في تاريخ المغرب، منها تواجد المستعمر الفرنسي، وتعاقب سنوات الجفاف والهجرة القروية، والترحيل المباغت، وتكاثر أحزمة البؤس في المدن العمّالية، فضلا عن طبيعة المتخيّل الشّعبي المكتظ بحكايات الجن والأشباح، وأخبار الغول التي كانت تستحوذ على مجالس العائلات، وتَأسرُ فضول الصّغار في زمن افتقرت فيه البيوت لأبسط وسائل الترفيه والتسلية. إنّ بطل الرواية أحمد الغريب يعود في الزمن إلى الوراء ليستعيد الطفولة بتفاصيلها الصغيرة، بدءًا من سنوات المدرسة التي لا تخلو من شقاوة حقيقيّة لا تبدّدها إلا أفراحٌ عابرة وعطل الصيف الطويلة، مرورًا بسنوات الشباب والوعي السياسي، حيث «زمن الجمر والرصاص… خاصة أنّ في الساحة أحزابًا ليس من السهل وَصْمِ رجالاتها الذين منهم من اختار الشهادة، ومنهم من ألقي به في غياهب السجون وما بدلوا تبديلا» ووصولاً إلى مرحلة الشيخوخة المزدحمة بالخسارات، حيث موت الأصدقاء والأحبة تباعًا وبمجانيّة أحيانًا، وهو مسارٌ غير هادئ لشخصية متأزمة نفسيّة ومسكونة بماضيها الأليم «ما أغرب ما أصبح يعترضني من صوّر، كنتُ أحسب أن النسيان قد محاها» أو حين يتوسّل أحمد بضمير الغائب ويقول: «هو يعرف أنّ شمس أيام زمانه الماضي لم تكن طلقة، ولا كانت ليالي قمره دائمة الصفاء».

رواية «طرقات منتصف الليل» للشّاعر والروائي أحمد بنميمون أنموذج الرواية المغربية التي تنحو نحو التأصيل حكاية ًوشخوصًا وأمكنة، وتنأى بنفسها عن التقليد.

إنّها عودة في الزمن من خلال أمكنة يمكن رصدها جغرافيا من خلال أسمائها (الهوتة/ جنان القايد المنسي/ معمل الدوم/ فوق السوق/ حي الورد..) وهي فضاءات مفتوحة على القاع السفلي للمجتمع المغربي، حيث بؤس الطفولة وتلاشي أحلام الشباب وشيخوخة غير مريحة.
وتتفرّع عن الحكاية الأساس حكايات أخرى نذكر منها: حكاية موفور السعد/ حكاية سليمان الذي يعاني من مضاعفات الصرع/ حكاية بائع الأكلات الخفيفة الذي وُجد مقتولاً/ حكاية الشيخ المخبر التي يراقب تحرّكات الساكنة على مدار الوقت.. غير أنّ هذا لا يعني وجود انفصال بين هذه الحكايات، بل ترتبط في ما بينها داخليّا من خلال الحدث الرئيس وتطوره وذلك باعتماد الحبكة النمطيّة التي تتحدّد في البداية والوسط والنهاية. لقد ساهمت، إذن، مؤشرات زمن الحكاية، وعلاقة الشخصيات بالزمن، إلى جانب مؤشرات المكان التي تتحرك فيها الشّخصيات في منح رواية «طرقات منتصف الليل» خصوصيتها المحلية من دون أن يعدم ذلك قدرتها على معانقة فضاءات أوسع بفضل ما تزخر به من قيم إنسانية كبرى ورسائل التنديد والشجب لرموز التسلط والرداءة بتجلياتها.
2 ـ جماليات شعرية السرد
إنّ أهمّ ما يلفتُ انتباهَ قارئ رواية «طرقات منتصف الليل» هو تداخل الشّعري بالسّردي، فالبطل أحمد الغريب يعود في الزمن كي يسرد أحداثًا ويستعيد ملامح شخصيّات من الزمن الماضي، ويصف أمكنة بعينها ما جعله ينخرط في الحالة الشعرية في أجزاءٍ كبيرة من الرواية عندما يستسلم للبوح والاعتراف الحميمي ومجاراة عواطفه، بحيث يحضر المكوّن الشعري من خلال جملة من الآليات نستعرضها من خلال النقط التالية:

التصوير الشعري

وذلك باعتماد كاف التشبيه أو ما يعوّضها من صيّغ أخرى، ومن الأمثلة:
أشعة الشمس على الرؤوس والظهور كالسّهام / تمرّ نساءٌ مسبوقات أو طرائدَ/ كان الندم يتعمق في داخله كسكّينٍ/ فكأن كلماته كانت تبحث عن متنفسٍ/ مواقع طفولةٍ فرّت مع براءتي كفراشات/ كان يتطايرُ ورقة ً بلا وزنٍ / تمرّ امرأة وهي تجرّ يأسًا خلف كعب حذاءٍ مكسو… لقد ساهم توظيف الصورة الشعرية في التقليص من حضور عناصر البلاغة القديمة وتجاوز المعمار الروائي المُعتَمد في النماذج النصيّة التي تحسب على فترة التأسيس والفترة الواقعيّة في تاريخ الرواية المغربيّة.
ب – إدراج مقاطع شعرية
يتدفق الشّعر في الرواية من خلال مقاطع شعرية صريحة، ونكتفي بهذا المقطع:
«كانت له كلمات
صارت مع النسيان أوهامًا
صارت مع الأيام كالأحلام
شدّت بفتنتها
بلّبٍّ مجنون
يا مُمعنًا في الحلم ، هل تصحو؟
يا مطمع الأوهام في ذاتي
فلتهنأ عن دنيايَ، لا تأتِ»؟
إلى جانب هذه المقاطع الشّعرية التي تزخر بها الرواية، يمكن رصد حضور الشّعري من خلال اختيار الكلمات، وتجنب الحشو والاستطراد، وأيضًا من خلال اعتماد جملٍ قصيرة وهي في أغلبها جمل فعلية ترفع من إيقاع السرد وتُسرّعه، وهو استثمار قويّ من أحمد بنميمون لتجربته الشّعرية التي تمتد لأزيد من أربعة عقود.
ج- الاستنجاد بالغنائية
يتعزّز حضور الشّعري في الرواية من خلال الغنائية التي ساهمت في الحدّ من هيمنة الحكاية وتعطيل تدفق الأحداث ومجرى الســـّرد، يقول أحمد بطل الرواية :
«فيا شمس قفي، حتّى أتأمل بالبطء المريح أجواءَ هذا الرّصيف تحت ضوئك الباهر، فلعلّ هذا يريحني في البحث عن ظاهر وخفيِّ المعاني الملقاة على الطريق». وفي مثالٍ آخر: «إيه يا ملعب يفاعتي، وملهى شبابي، ويا ساحة نضالي، ومواقفي الحاسمة». وفي الصفحة نفسها نقرأ «إيه يا مقهى شبابي، إنّ ما يملأني أسًى هو روعة معناكِ». هذه الغنائية لا تروم البكاء والاستسلام على شاكلة الشّعراء الرومانسيين، بل هي غنائية ساخرة ولاذعة لغتها الرفض لما هو سائد والتمرّد على أقانيم المجتمع ومقدّساته الزائفة.
إن رواية «طرقات منتصف الليل» للشّاعر والروائي أحمد بنميمون أنموذج الرواية المغربية التي تنحو نحو التأصيل حكاية ًوشخوصًا وأمكنة، وتنأى بنفسها عن التقليد، كما أنها اعتمدت المكوّن الشعري في تنويع الصيّغ التعبيريّة مُشيّدةً كتابة حداثيّة تنهض على استدعاء عدّة أجناس تعبيريّة ومزج أصوات عدّة في النّص الواحد، وهو ما يحقق لنص الرواية شرط «البوليفية» أو «الحوارية» بمفهوم ميخائيل باختين.

٭ كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية