الناصرة ـ «القدس العربي»: يقيم الشركس الفلسطينيون في قريتي كفركما والريحانية في الجليل منذ قدم أجدادهم للبلاد قبل نحو القرنين، هربا من طغيان روسيا ويعّدون بضعة آلاف. رغم قلة عددهم وربما بسبب ذلك نجح الشركس في الحفاظ على كينونتهم وهويتهم ولغتهم، بفضل الحرص على الثقافة الشركسية، باعتبارها الحصن الأكثر مناعة في مواجهة الذوبان والمحو والاندثار. وهذا ما يؤكده رئيس السلطة المحلية في كفركما، زكريا نبسو في كلمته الافتتاحية في مهرجان الشركس السنوي. وشارك في المهرجان الشعبي الواسع فرقة إسلامي من الشيشان، وفرقة تيفسا المحلية اللتين قدمتا عروضا موسيقية راقصة فلكلورية مدهشة. ويقام هذا المهرجان سنويا وهو يجمع فن العروض الموسيقية الراقصة مع مكونات تراثية أخرى في مجال الزي التقليدي والمأكولات الشعبية والعادات والتقاليد الاجتماعية وغيرها. في المهرجان قدمت الفرقتان المذكورتان دبكات تراثية على وقع الموسيقى الشركسية وبالأساس أنغام الأكورديون، بمشاركة راقصين وراقصات من الشباب ممن تنقلوا على خشبة المسرح برشاقة العصافير وبانسجام تام في الحركة.

وفي العروض التراثية يرتدي الراقصون زيا خاصا بالفرسان، فيما ترتدي الراقصات ثياب العرائس، وكن يتنقلن طيلة العرض بخفة لافتة وأحيانا بدا وكأنهن يتحركن بدون مشي كالروبوت، بسبب قدرة نادرة على الجري بتحريك قصير سريع للقدمين. ويوضح رئيس السلطة المحلية في كفركما لـ«القدس العربي» أنه يولي اهتماما كبيرا للمهرجان السنوي، كونه فنا تراثيا راقيا، ويجسد رؤيته بأن الثقافة هي خط الدفاع الأول والأخير أمام تهديدات الانغماس وفقدان الهوية لأقلية قليلة تبلغ أربعة آلاف نسمة وحسب. وتابع «المهرجان خدمة كبيرة للشركس وللآخرين من جيراننا فهو نافذة تتاح لهم للتعرف على الشركس وتقاليدهم، من خلال الأضواء والمذاقات والأزياء التراثية والموسيقى الأصلية والرقصات الفلكلورية، ولك أن تستشعر فرح الناس المشاركين والمبهورين بندرة وجمالية العروض». ومن مأكولاتهم التراثية «الحلوز» وهو نوع من المخبوزات المملوءة بالجبنة الشركسية قليلة الدهن المقلية بالزيت. وأبدى كرم أفندي الذي قدم من بلدة كفركنا المجاورة مع أسرته، سعادته بمشاهدة العروض التراثية الشركسية وقال لـ«القدس العربي» إن بناته فرحات وهن يتعرفن على تراث لم يعرفنه من قبل، وتمتعن بدبكات تراثية لافتة مدهشة فعلا. وتابع «أنتظر المهرجان الشركسي في العام المقبل كي أشارك مجددا، فهذه بالنسبة لنا رحلة جميلة لعالم غريب ومثير».
ومن الطقوس المميزة للشركس الباقية طقس زواج يُدعى «عادة الخطف» حيث تستند العادة إلى قصص شعبية تروي قصة شابة من عائلة غنية لم تسمح لها أسرتها بالزواج من حبيبها لأنه كان فقيرا جدا.
والشركس في البلاد مسلمون سنة وعددهم نحو 4000 نسمة وقد وصلوا إلى الشرق الأوسط بعدما هجّروا قسراً من وطنهم في شمال القوقاز، وقد أنشأ الشركس في فلسطين قرية الريحانية في عام 1873، وقرية كفركما في 1876. ويبجّل الشركس العسكرية والفروسية، الانضباط، الجرأة، السخاء، الإخلاص، السيطرة الذاتية، ويحتقرون الاهتمام بالمال، والتفاخر، ويُدعى دستور السلوكيات الأخلاقية الشركسي «أديغا خابزا». ويقع بلد منشأ القبائل الشركسية في شمال القوقاز، ولكن عندما حاولت الإمبراطورية الروسية القضاء عليها في ستينيات القرن التاسع عشر، وصل أبناء القبائل أثناء هروبهم إلى المملكة العثمانية، التي اهتمت بتوطينهم في بعض المناطق المختلفة في الشرق الأوسط.
ومن الطقوس المميزة للشركس الباقية طقس زواج يُدعى «عادة الخطف» حيث تستند العادة إلى قصص شعبية تروي قصة شابة من عائلة غنية لم تسمح لها أسرتها بالزواج من حبيبها لأنه كان فقيرا جدا. وحسب التقاليد المروية هربت الشابة وحاولت الانتحار، ولكن حبيبها نجح في إنقاذها ومن ثم أعادها إلى أسرتها بسلام. لذلك قررت عائلتها وزعماء القبيلة أنه إذا كانت الشابة مستعدة للانتحار من أجل حبيبها، فيجب السماح لهما بالزواج، لذلك قرر زعماء القبيلة ابتكار تقليد جديد يخطف بموجبه الشاب الشابة (بالتوافق فقط)، وإذ نجحت المهمة، سيكون على عائلتها السماح لها بالزواج من ذلك الشاب. ويحرص السكان في كفركما على بناء بيوت من حجارة بازلتية سوداء وبيضاء مغطاة بالقرميد الأحمر ونوافذها تتسم بمسحة فنية. والبيوت في البلدة موصدة ببوابات حديدية تشي بحالة الانغلاق التي تلف بها البلدة ذاتها حفاظا على البقاء وتحاشي الانصهار بالبيئة العربية أو الإسرائيلية المحيطة. ويبدو أن أهلها مسكونون بهاجس نضال الشركس في العالم، من أجل الاعتراف بمذبحة وإبادة شعب تعرض لها أجدادهم منذ أن انتشر بعضهم واستقر في فلسطين وسوريا والأردن، وما زالوا يحافظون على علاقات مع الوطن الأم في القوقاز من خلال إرسال بعثات شبابية وطلابية إلى هناك. ويعمل الشركس في زراعة الكروم والحقول وفي تربية الأبقار والأغنام وصناعة الأجبان والألبان على طريقتهم الخاصة.