هل تفجر أطماع الأكراد في نفط كركوك الوضع وتحرق العراق؟

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

كركوك-“القدس العربي”:عكست التظاهرات الحاشدة في شوارع مدينة كركوك النفطية شمال العراق قبل أيام، وتبادل الاتهامات والانتقادات بين القوى السياسية، توترا متصاعدا بين مكونات المحافظة وخاصة من العرب والتركمان، الذين يقاومون محاولات القيادة الكردية، لإعادة المحافظة إلى سيطرتها وإنهاء السلطة الاتحادية عليها، وسط اتهامات لبغداد بالتواطؤ مع الأطماع الكردية.

وقد جابت حشود كبيرة من المتظاهرين، شوارع مدينة كركوك الغنية بالنفط، احتجاجاً على إعلان الحزبين الكرديين الحاكمين في كردستان، عن اتفاقهما على ترشيح محافظ كردي جديد لها من دون موافقة المكونات الأخرى الأساسية في المحافظة من العرب والتركمان، وهو ما يؤجج التوتر وينذر بنسف الاستقرار النسبي للأوضاع فيها.

وما زاد الأوضاع تعقيدا عقب التظاهرات، صدور بيان عن رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، كرر فيه انه “لن يساوم على هوية كركوك الكردستانية” داعيا إلى تطبيع الأوضاع الأمنية والإدارية في المدينة، في إشارة إلى عودة السلطة الاتحادية إلى محافظة كركوك، عقب ظهور مخاطر محاولات كردية لضم المحافظة إلى الإقليم عام 2017.

وعدّ بارزاني الذي قاد حملة للاستفتاء على انفصال كردستان عن العراق عام 2017 ان “الأجواء الإيجابية السائدة اليوم في العلاقات بين أربيل وبغداد، فرصة جيدة جداً، يمكن الإستفادة منها في سبيل معالجة المشكلات الأمنية والإدارية في كركوك، وفي إطار الدستور وإعادة كركوك إلى أوضاعها الطبيعية” مدعيا أنه “من غير المقبول ان تستمر الأوضاع الحالية!”.

وإضافة إلى التظاهرات الحاشدة، فقد توالت ردود الأفعال من القوى السياسية والاجتماعية لمكونات المحافظة، الرافضة للادعاء بكردية كركوك، ومحاولات الهيمنة عليها.

فقد أكد النائب التركماني السابق فوزي أكرم ترزي، في تصريح لـ”القدس العربي” ان “التظاهرات والتجمعات حق كفله الدستور العراقي ينبغي على الجميع احترامه، وان التصريحات التصعيدية والتأجيجية بشأن كركوك لا تخدم أحدا، وينبغي على الجميع وضع المصلحة العراقية العليا فوق كل الاعتبارات الأخرى، مع ضرورة الابتعاد عن النظرة الضيقة الشوفينية والديكتاتورية وأسلوب الهيمنة والاستعلاء وفرض الأمر الواقع”.

وشدد ترزي على ان المدينة يجب ان تدار من قبل أهالي كركوك من العرب والكرد والتركمان وبقية المكونات، مشيرا إلى ان الأكراد فشلوا في إدارتها منذ 2003 لحد تشرين الأول/اكتوبر 2017 بدليل ان كركوك لم تشهد أي خدمات خلال 16 سنة الماضية”.

وأضاف القيادي التركماني “يجب ان تكون إدارة كركوك توافقية، وان يكون للتركمان حصة في إدارتها” مكررا مقترحه بان يكون منصب المحافظ سنتين لكل مكون، وهو يتماشى مع اتفاق 2014 لتقاسم السلطة في المحافظة بنسبة 32 في المئة لكل مكون (العرب والتركمان والكرد) و4 في المئة للمسيحيين، لكي يشارك الجميع في إدارة السلطة.

وعن توقعاته في حالة إصرار الحزبين الكرديين على تنصيب محافظ كردي، والرد العربي والتركماني، أشار ترزي إلى “ان مواقف الأكراد بين فترة وأخرى تبعث القلق لدى أهالي كركوك، ومنها إصرار القيادة الكردية على رفع علم كردستان على كركوك ومحاولة ضم المدينة إلى الإقليم والاستفتاء على الانفصال، وهذه المواقف مرفوضة رفضا قاطعا من العرب والتركمان والمسيحيين”.

وانتقد موقف حكومة بغداد تجاه أزمة كركوك، مؤكدا “انها مقصرة، وينبغي على عادل عبد المهدي بصفته رئيس الوزراء ان لا يأخذ دور الصمت والمتفرج إزاء ما يتعرض له أبناء كركوك من العرب والتركمان والمسيحيين من تهميش وإقصاء”. محذرا من “ان ازدواجية التعامل مع أبناء مكونات كركوك سيؤدي إلى نتائج كارثية، وانه نتيجة الصفقات الرخيصة خلف الكواليس والأبواب المغلقة، أصبح العرب والتركمان بين مطرقة الإقليم وسندان المركز”.

وأكد امكانية تراجع الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل تشرين الأول/اكتوبر 2017 قائلا “إن كل هذه السيناريوهات هي محاولات فاشلة ويائسة من أجل إرجاع البيشمركه والأسايش إلى مناطق في كركوك وخلق نوع من الاحتلال لأمنيا وعسكريا واقتصاديا” حسب قوله.

ويذكر ان عبد المهدي أشار في مؤتمره الصحافي، انه استقبل رئيس حكومة كردستان مسرور بارزاني، وأشاد بالقيادة الكردية وتحدثا عن الأمور المعلّقة، مشيرا إلى ان الحل يكمن في “العودة للدستور فقط وانه الغطاء الذي يتم من خلاله بحث جميع المسائل” وهو ما يعني التعامل مع المادة 140 حول كركوك والمناطق المتنازع عليها والتي يرفضها العرب والتركمان.

تصاعد رفض التدخل الكردي

وقد توالت التصريحات الرافضة من عرب وتركمان كركوك لتدخل الأحزاب الكردية فيها، ومنها تأكيد رئيس الجبهة التركمانية النائب أرشد الصالحي ان تصريحات مسعود بارزاني بشأن كردستانية كركوك جاءت لإرضاء الكرد، مؤكدا انه “إذا لم يتم التعامل بعقلانية في قضية كركوك ستكون هناك محرقة في المحافظة”. وحذر الصالحي من ان كركوك تتعرض إلى مؤامرات سياسية، رافضا ان تأتي الحلول لمشاكل المحافظة من خارجها، وداعيا إلى الحوار لحل الأزمة فيها.

أما القيادي التركماني الشيعي محمد مهدي البياتي، فقد أكد “أن قرارات أربيل واتفاقات الحزبين الكرديين لن تمر على كركوك، لأن إقليم كردستان يحكمه قانون غير الذي يحكم كركوك”.

وشدد في تصريحات مختلفة على “أن سعي الحزبين الكرديين للسيطرة على كركوك يثبت نيتهم الاستحواذ على نفطها وأنهم سيتوجهون للمحاكم لإثبات تلاعب الكرد بسجلات نفوس كركوك”.

وأصدرت الأحزاب التركمانية في كركوك، بيانا عقب اجتماع موسع، أكدت فيه إن “استمرار المنهج الإقصائي والاحادي للحزبين الكرديين في اختيار محافظ كركوك غير ملزم لها وكأنه لم يكن” مشيرةً إلى أن “القرارات في كركوك يجب أن تتخذ داخل المحافظة، لا أن تفرض من خارجها” مشددة على “ضرورة بقاء الأمن اتحادياً وعدم السماح لعودة البيشمركه إلى المحافظة”.

وكان ممثلو عرب كركوك في مجلس النواب، قد دعوا إلى تظاهرة سلمية رفضا لقرار الحزبين الكرديين بترشيح القيادي الكردي طيب جبار محافظا لكركوك. ودعا النائبان محمد تميم وخالد المفرجي في بيان مشترك لهما أبناء المكون العربي في كركوك للخروج في تظاهرة سليمة رفضا لنهج الحزبين الكرديين الانفرادي والبعيد عن الشراكة والتوافق في اختيار محافظ جديد، بحسب قولهما. وأكدا “أن حل مشكلة كركوك يكمن عبر اللجنة البرلمانية ووفق خريطة يتفق عليها الجميع أساسها التوافق والشراكة والعدالة”.

وأكد نائب رئيس الجبهة التركمانية حسن توران في تصريحات متفرقة، ان الحزبين الكرديين يتبعان منهجا إقصائيا ويعتبران كركوك ضيعة تابعة لهم، مبيناً ان الاتفاق الأخير بعث برسالة إلى التركمان والعرب ان الأيام السوداء ستعود من جديد إلى كركوك، كما عبر عن “الأسف لوصف الحزب الديمقراطي الكردستاني كركوك بالمحتلة من قبل القوات الاتحادية”.

أما الأمين العام للاتحاد الإسلامي لتركمان العراق جاسم جعفر، فقد حذر من “وجود مؤامرة دولية وأممية لبيع محافظة كركوك للكرد” موضحا انه ” منذ 6 أشهر تدور مؤامرة كبيرة واجتماعات سرية يقودها الحزبان الكرديان الرئيسيان للسيطرة على محافظة كركوك بشكل كامل وإعادة قوات البيشمركه إلى داخل مناطقها” داعيا إلى الإبقاء على وجود القوات الاتحادية داخلها لمسك ملفها الأمني الذي تحسن خلال طيلة فترة وجودها في المحافظة.

وعبر خلال حديث تلفزيوني عن مخاوفه، لكون “الحكومة العراقية تؤيد الرؤية الكردية بخصوص محافظة كركوك” قائلا ان “الكرد يصفون فترة وجود عادل عبد المهدي على رأس السلطة في بغداد بالفترة الذهبية بالنسبة لهم” وان “المكونات العربية والتركمانية في المحافظة متخوفة وقلقلة مما يحاك لكركوك من قبل الكرد بعلم الحكومة المركزية”.

تواطؤ أممي

وقد لجأت القيادة الكردية إلى الزج بالمجتمع الدولي في قضية كركوك بهدف الضغط على حكومة بغداد، حيث شجعت بعثة الأمم المتحدة في العراق “يونامي” لعقد سلسلة اجتماعات لمكونات المحافظة وبالتنسيق مع الحكومة الاتحادية، بحجة “تطبيع الأوضاع في كركوك وحل الوضع العسكري والأمني والإداري” في محاولة لإعادة الأوضاع إلى ما قبل تشرين الأول/اكتوبر 2017 قبل فرض بغداد سلطتها الاتحادية عليها. إلا ان مجريات عمل اللجنة لم تكن مرضية للعرب والتركمان، حيث اتهم قادة المكون العربي في محافظة كركوك، ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق جنين هينس، بـ”الانحياز إلى الجانب الكردي” ما أدى إلى انسحاب ممثلي المكون العربي النائبين محمد تميم وخالد المفرجي، من الاجتماعات.

كما أصدر المجلس العربي في كركوك، بياناً ذكر فيه أنه “يراقب عن كثب تصاعد المباحثات والنقاشات حول كركوك بين ممثلي القوى السياسية فيها ومنظمة الأمم المتحدة (يونامي)”.

ورأى البيان أن بعثة الأمم المتحدة “أصبحت محل انتقاد كبير من قبلنا كمكون عربي؛ لعدم حيادها وانحياز قسم من ممثليها الذين يشرفون على الحوارات ودعمهم طرفاً واحداً معروفاً للجميع على حساب حقوق الآخرين”.

وضمن السياق ذاته، رفضت الجبهة التركمانية العراقية، التقرير الخاص بالأمم المتحدة بشأن المناطق المتنازع عليها، مشيرةً بأنه “يصب الزيت على النار بدلا من إيجاد الحلول”.

وشدد بيان للجبهة على “ان مواد الدستور الذي كتب في غفلة من الزمن لم ولن تتمكن من إيجاد الحلول حول ما يسمى مشاكل المناطق المتنازع عليها” مبينا، ان “تقرير الأمم المتحدة حول التسوية الدستورية فيها إشارة خطيرة إلى محافظات الموصل وكركوك وصلاح الدين وديالى وذلك لما فيها من مشاكل أمنية وبين الإقليم وبغداد، الأمر الذي قد تكون الوسيلة الأمنية ذريعة لإعادة انتشار قوات خارج السلطة الاتحادية في هذه المناطق، لذا نوجه نواب هذه المحافظات ونؤكد بان المادة 140 المنتهي توقيتها الدستوري لم ولن تتمكن من إيجاد الحلول وان الدستور حدد محافظات الإقليم وجغرافيته بوضوح”.

وتابع “ان وجود فراغ أمني في هذه المناطق يجعلنا نحمل وزارة الدفاع والداخلية العراقية مسؤولية الدفاع عن أمن العراقيين جميعا وعدم جعل الأراضي المتنازع عليها صفقة بين الإقليم وبغداد”.

ويبدو ان عقدة كركوك التي عجزت الحكومات العراقية منذ 2003 عن إيجاد حلول لها ترضي كافة المكونات، جراء سيطرة الصفقات والمجاملات وتبادل المصالح بين القوى السياسية، هي مرشحة إلى التصاعد نحو مزيد من التوتر بين المكونات من خلال إصرار القيادة الكردية على إعادة هيمنتها على المحافظة وعودة البيشمركه إليها، لضمان استمرار التصرف بنفط المحافظة ليس لخدمة الإقليم او العراق بل لمنفعة قادة الأحزاب الكردية، وسط صمت وتواطؤ بغداد المريب الذي سيؤدي إلى تفجير برميل كركوك ليحرق العراق باكمله.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية