بيروت-“القدس العربي”:
عقد مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ومركز “الجزيرة” للدراسات ندوة حوارية مشتركة في بيروت، تحت عنوان: “صفقة القرن وانعكاساتها على لبنان”.
وشارك في الندوة: د. محسن محمد صالح، مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، و د. عبد الحليم فضل الله، رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق في بيروت، و أ. جابر سليمان، الخبير في قضايا اللاجئين، و أ. صلاح سلام، رئيس تحرير صحيفة اللواء اللبنانية، و أ. وديع عقل، عضو المجلس السياسي في التيار الوطني الحر، وبمشاركة باحثين ومفكرين متخصصين ومهتمين بالقضية الفلسطينية.
وركز المشاركون على السياق السياسي والتاريخي الذي تندرج ضمنه “صفقة القرن”، مع تسليط الضوء على السياسة الخارجية الأمريكية تجاه لبنان والمنطقة عموماً. كما استعرضوا أبرز مضامين “صفقة القرن” وآخر التطورات والمستجدات المتعلقة بها، وحللوا مواقف الأطراف المعنية بالصفقة وتحولاتها المحتملة، سواء على الصعيد الداخلي اللبناني، أو على الصعيدين العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً.
وناقشت الندوة كذلك الانعكاسات المحتملة للصفقة على الساحة اللبنانية، والمخاطر التي تستهدف لبنان من جرَّائها. واختتمت الندوة أعمالها باستشراف مآل هذه الصفقة خاصة على لبنان من جهة وعلى اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من جهة أخرى.
وتناول د. محسن صالح مجموعة من الملاحظات حول “صفقة القرن”؛ فقال إن مصطلح “صفقة القرن” مخادع غير موجود لم تتحدث عنه الإدارة الأمريكية بشكل رسمي، كما أن الصفقة تلتزم بوجود طرفين ولكن لا يوجد غير طرف واحد، وبالتالي هو مصطلح تسويقي فارغ المضمون. بالمقابل هناك برنامج واقعي تقوم به الإدارة الأمريكية بالتنسيق مع الصهاينة لتطبيقه على الأرض.
وأضاف صالح أننا أمام عملية تسوية سياسية سلمية فشلت على الأرض ويجري الآن العمل على تصفية القضية الفلسطينية التي بدأت من خلال الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل.
وتابع صالح أن هناك محاولة لاستغلال البيئة الفلسطينية والعربية لصالح الطرف الإسرائيلي؛ فالبنية العربية مشتتة ومنهكة، مقابل حالة إسرائيلية في وضع قوي وإدارة أمريكية متماهية مع برنامج حزب الليكود الإسرائيلي. وأضاف أن ما تسرب حول “صفقة القرن” ليس من أفكار جديدة، بل يعود إلى سنة 2006 وبعضها ذكرها إيجورا أيلاند.
وأكد صالح أنه تم تأجيل الإعلان عن الصفقة ثماني مرات خلال السنتين الماضيتين. وقد وصفها صالح بـ “سرقة العصر”، وقال إن الجانب الأمريكي يريد تسويق الصفقة من خلال ما يُسمى بـ “السلام الاقتصادي”، لكن لُب المشكلة للقضية الفلسطينية هو سياسي ويأتي بعد ذلك الجانب الاقتصادي، لكن ما يطلبه الأمريكي والإسرائيلي من الفلسطينيين أن تُحل كل قضايا الحل النهائي على الطريقة الإسرائيلية كحق العودة، والحدود، والسيادة على الأرض، والأمن وغير ذلك. كما مطلوب أن يُبدأ بتطبيق التطبيع العربي الإسرائيلي أولاً قبل تنفيذ ما يُسمى بالتسوية السلمية. كما مطلوب أيضاً تغيير بوصلة الصراع ومحاولة اشغال المنطقة بصراع آخر.
وأضاف صالح فيما يتعلق بالحالة اللبنانية، خصوصاً في ما يرتبط مسألتي التوطين والتطبيع، فالمطلوب من خلال الصفقة أن يتم ترتيب بيئة سياسية عربية متوافقة مع الصفقة، وأن يدفع لبنان ثمن موضوع عدم عودة اللاجئين إلى ديارهم أي عملية توطينهم على أراضيه، لكن المطمئن هنا أن هناك رفض لبناني شامل لهذ الموضوع وكذلك رفض فلسطيني.
ونبه صالح أن المطلوب لبنانياً أن يتم تطبيق ما تم الاتفاق عليه، فيما يتعلق بإعطاء اللاجئين الفلسطينيين في لبنان حقوقهم المدنية، خصوصاً فيما يتعلق بحق العمل، من خلال ما توصلت إليه لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني من تفاهمات وتصورات، وأن لا يبقى ما اتُفق عليه حبراً على ورق، بل يجب أن يُترجم من خلال مراسيم وتشريعات تُسن في هذا الخصوص. خصوصاً أن ما تشكله قوة العمل الفعلية للاجئين المقيمين في لبنان لا تتعدى الخمسين ألف فرد، وبالتالي لن يكون هناك، كما يُروج لبنانياً، خطراً على فرص العمل للبنانيين في لبنان، بل سوف يكون لليد العاملة الفلسطينية إسهاماً جيداً في الدورة الاقتصادية في لبنان.
بدوره أكد وديع عقل أن لبنان محصن ويعمل منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وحتى أيامنا هذه على مواجهة مشاريع التوطين كما يتحضر لمواجهة “صفقة القرن” من خلال آليات سياسية وقانونية وتاريخية. ف”صفقة القرن” بالنسبة لنا وُلدت ميتة، ولن نتحاور مع أحد بخصوص “صفقة القرن”. هناك مبادرة عربية قابلة للتطبيق التي تم طرحها في قمة بيروت سنة 2002، ويمكن الاتفاق مع أطراف دولية لتطبيق هذه المبادرة. وفي موضوع الديون والضغوط الاقتصادية، يعيش لبنان مرحلة صعبة جداً، لكن لدينا إرادة لتخطى هذه الضغوطات، كما هناك التفاف شعبي على مواجهة هذه الضغوطات. أما فيما تعلق بحق العمل للاجئين الفلسطينيين في لبنان، فقال إن الحملة الأخيرة ضد العمالة الأجنبية في لبنان لم يكن العامل الفلسطيني المقصود المباشر من هذه الحملة بل ما تعرض لها هو نتيجة لتطبيق قوانين العمل في لبنان، ولكن مطلوب تفعيل لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني للوصول إلى حلول فاعلة وعادلة تأخذ بالاعتبار وضع اللاجئ الفلسطيني، على أساس دعم حق عودة اللاجئ الفلسطيني ورفض التوطين.
أما الأستاذ صلاح سلام، فقد أكد على أن لبنان ليس جزيرة معزولة فهو يتأثر بما يجري حوله، لبنان ليس قادراً وحده على إفشال “صفقة القرن” ولكن يملك القرار لرفضها، كما حصل في مؤتمر البحرين مؤخراً؛ حيث قاطع المؤتمر، وهذا مؤشر لرفض الصفقة؛ لكن لبنان بحاجة لمزيد من التنسيق مع الأشقاء العرب لتقوية الموقف الرافض. وأضاف أن الجديد في “صفقة القرن” أنها ألغت كل مفاعيل القرارات الدولية السابقة من القرار 242 إلى اتفاقية كامب ديفيد إلى اتفاق واشنطن واتفاقيات أوسلو. وفي ما يتعلق حق العمل للاجئين الفلسطينيين في لبنان، فقد أشار إلى أن إجراءات إغلاق المؤسسات التي يديرها الفلسطينيون في لبنان، كان يجب أن لا تتم مباشرة بل كان من الأفضل إعطاء أصحاب هذه المؤسسات الوقت الكافي لتنظيم وضع مؤسساتهم القانوني وإبقائها مفتوحة إلى حين تسوية أوضاعها القانونية.
وفي مداخلة للأستاذ جابر سليمان، فقد أكد أن الشعب الفلسطيني لطالما قاوم مخططات التوطين بغض النظر عن موازين القوى، فقضية اللاجئين هي لب القضية الفلسطينية، والحل الذي يُراد للاجئين هو السلام الاقتصادي الذي طرحه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو سنة 2008، وقبله رئيس الحكومة الأسبق شمعون بيريز. وأضاف أن كل المخططات الأمريكية الحالية تقوم على دراسات إسرائيلية، كالتي صدرت عن معهد الدراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) على سبيل المثال. وحول قدرة الطرف الفلسطيني على الرفض، تابع أنه بالأصل الطرف الفلسطيني الرسمي لم يُدع إلى ورشة البحرين؛ لذلك هناك مبالغة من قبل الجانب الرسمي الفلسطيني في إظهار الرفض؛ ما لم يُقرن بجهد حقيقي لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس جامعة.
وفي مداخلة للأستاذ منير شفيق، الأمين العام للمؤتمر الشعبي لفلسطيني الخارج، قال إن هناك سياسيات صهيونية تُمارس على الأرض صارت كفيلة بأن يُسمى كل جزء منها “صفقة القرن”. والكثير ممن تكلموا عن “صفقة القرن” حاولوا تقديم استراتيجية أمريكية لهذه الصفقة وبعضهم توسع بها حتى ربما بات يعتمد عليهم مستشار الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر. من هنا يجب أن نواجه السياسة الأمريكية الإسرائيلية من خلال التركيز على قضايا واضحة كقضية الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، وقضية الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل. فهذه القضايا واضحة وهي لاقت رفضاً من قبل جميع الدول العربية ولم تستطع الإدارة الأمريكية أن تُحدث اختراقاً في هذه القضايا، وبالتالي ليس من المفيد أن نركز على قضية ما زالت مجهولة كـ”صفقة القرن”.
وفي ختام الندوة، قدم المشاركون عدة توصيات؛ منها ضرورة مواجهة “صفقة القرن” من خلال تحصين البيت الفلسطيني، أي الحصول على إجماع فلسطيني واضح في مواجهة هذ الصفقة وفي تقوية اللحمة الفلسطينية الداخلية، والتأكيد على ضرورة التقاء كافة الأطراف على جملة مواقف على الأرض لمواجهة هذه الصفقة وإفشالها. كما أنه مطلوب من الطرف الفلسطيني الذي سار في اتفاق أوسلو، أن يُعلن وفاة هذا الاتفاق والتركيز على مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، والمشاريع الأمريكية لتصفية القضية الفلسطينية. والمطلوب عربياً إجماع عربي حقيقي على مواجهة مشاريع تصفية القضية الفلسطينية وأن توضع برامج وخططاً واضحة لتحصين الموقف العربي، من خلال رفض التطبيع ودعم الموقف الفلسطيني الرافض لـ”صفقة القرن”.